د.عبدالرحيم ريحان Written by  آب 10, 2019 - 132 Views

كسوة الكعبة بالقباطى المصرى

Rate this item
(0 votes)

دراسة أثرية للدكتورة شيرين القبانى الباحثة فى التاريخ والحضارة الإسلامية عن معالم التراث الشعبى المرتبط بالحج وكسوة الكعبة منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم بالقباطى المصرى

تشير الدكتورة شيرين القبانى إلى أن المصريين كانوا حريصين على التبرك بالمحمل عن طريق لمسه إن أمكن أو حتى بمجرد الرؤية لمن تعذر عليه لمسه بل وصل الأمر إلى أن الأهالى كانوا إذ لم يتمكنوا من لمس المحمل قذفوا بمناديلهم إلى خدام المحمل بعد أن يضعوا فيها شيئًا من النقود أو اللحوم البيضاء أو الفطير فيأخذ خدام المحمل منهم ذلك ويردون المناديل إلى أربابها بعد إمرارها على المحمل لأنه سيوضع فى المسجد الحرام وكذلك داخل المقصورة النحاسية حول قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة

وكان المصريون يقبلون خف جمل المحمل كنوع من نيل البركة لأن جمل المحمل يطأ بخفه على تراب أقدس مدينتين فى نفس كل مسلم وكان الحاكم نفسه حريصًا على تقبيل مقود الجمل حيث قام خديوى مصر عام 1901 بتقبيل المقود وتلاه قاضى القضاة وبعض الحضور وكذلك تبخير لوازم المحمل

وهناك بعض العادات المرتبطة بالحجاج أنفسهم ومنها الاحتفاظ بجزء من الأضحية للحاج لحين عودته لكى يأكل منها وتعليق الرايات البيضاء اللون على العربات والأتوبيسات التى تقل الحجاج وكذلك حرص الحجاج على ارتداء الملابس البيضاء أثناء توديعهم قبل السفر وعودتهم بعده أما فى منطقة الوادى الجديد فيستعيضون عن الراية البيضاء بعمل راية من سبع جريدات من النخل يتم جدلها سويًا ويعلق فيها سبع ثمرات من الليمون والبرتقال والكعك والبيض المسلوق وتوضع على باب منزل الحاج.

ويتابع د. ريحان بأن هناك أمثلة شعبية ارتبطت بذلك تظهر روح وفكر المجتمع المرتبط برحلة الحجيج ومنها "أول شيلة فى الحج تقيلة" ويوضح الصعوبات التى تواجه الحاج من تحميل القافلة وربط الأحمال

ومنها "ياما الحج مربوط له جمال" يعبر عن ضرورة الاستعداد لهذه الرحلة لمواجهة صعوباتها "ياما قدامكم يا حجاج" كناية عن الصعوبات وضرورة الصبر لتخطيها وأمام كل تلك المصاعب رأى المصرى ضرورة التهوين من أمرها لتشجيع الحجاج على السفر فقال "أقل زاد يوصل للبلاد"

والمثل " ذكروا النبى بكوا" فالبكاء عند ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام يرجع لشدة حب وتعلق قلوب المسلمين به وشوقهم لزيارة قبره الشريف وما يزال مستخدمًا حتى الآن تعبير "متجمعين عند النبى إن شاء الله"

وتشير الدكتورة شيرين القبانى إلى رسوم جدارية مرتبطة بالحج والباقية حتى الآن فى قرى مصر وكان المصريون  يطلون منازلهم وحوانيتهم باللون الأبيض ابتهاجًا بهذا الحدث كما استخدم الفنان الشعبى عددًا من الألوان ذات دلالة خاصة فالأبيض رمزًا للضوء والسمو والنقاء والأحمر لون الفرح والسعادة والقوة والأخضر رمزًا للجنة والخصب والنماء وكانت الرسومات تمثل الكعبة المشرفة والحرم المكى ومسجد الرسول وحمامتين وغار ثور رمزًا لهجرة الرسول وكذلك حمام الحمى بالكعبة

وشملت الرسومات وسائل السفر ومنها الجمل وكذلك تطور وسائل المواصلات من الباخرة والطائرة كما رسم بعض الحيوانات ومنها الأسد الذى يرمز إلى نية الحاج مواجهة ذنوبه بشجاعة حيث يعود خاليًا من الذنوب والجمل الذى يرمز إلى الصبر وقوة التحمل والحمامة التى ترمز للرحمة والسلام والسرعة والحصان وله مكانة خاصة فى الحضارة المصرية القديمة والقبطية والإسلامية وميز الفنان ألوان الخيل فالأسود أو الأدهم يرمز للفرسان والملوك والنبلاء والأحمر القاتم المائل للسواد يعبر الأصلب عودًا والأشد بأسًا فى الحروب والأشقر أو الذهبى رمزًا للأخبار السارة والأبيض ذو العينين الواسعتين يرمز للعظمة والتباهى وفى الرسوم الشعبية الحصان الأسود يمتطيه الفارس الخير بينما الحصان الأبيض يمتطيه الفارس الشرير.

وتنوه الدكتورة شيرين القبانى إلى كسوة الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة يوم الفتح بالثياب اليمانية والقباطى المصرية وأنه أول من فعل ذلك وسار على نهجه  أبو بكر الصديق عام11هـ/632م والقبـاطى جمع قبطية وهو ثوب من ثيـاب مصر رقيـق أبيض يُنسب للقبط وأنه من الثابت أيضّا كسوة الخليفة عمر بن الخطاب للكعبة بالقبـاطى المصرية حيث كان يكتب لعامله بمصر لعمل كسوة الكعبة وكانت الكسوة من بيت المال وكان أول من فعل ذلك وكانت المنسوجات المصرية قد امتدت شهرتها على مدى سنوات عديدة سبقت الفتح الاسلامى لمصر

وتذكر الروايات التاريخية أنه من ضمن هدايـا المقوقـس لرسـول الله صلى الله عليـه وسلم قطـع مـن المنسوجـات المصـرية وربما تكون تلك الشـهرة التى حازتها المنسوجات المصرية مع جودة صنعها هو ما دفع الفاروق عمر إلى اختيارها لكسوة الكعبة المشرفة ومما استحدثه عمر بن الخطاب أنه كان ينزع كسوة الكعبة القديمة كل سنة ويستبدل بها الكسوة الجديدة وحينما تولى الخليفة عثمان بن عفان سار على نهج سلفه فى كسوة الكعبة بالقباطى المصرية وكذلك فى عهد الدولة الأموية

وتوضح الدكتورة شيرين القبانى أن الخليفة المهدى هو أول خليفة عباسى يقوم بكسوة الكعبة حيث حج عام160هـ/776م وقام بإهداء الكعبة المعظمة كسوة فاخرة من طراز تنيس من القباطي المصرية مكتوب عليها "بسم الله، بركة من الله، مما أمر به عبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين، أصلحه الله، محمد بن سليمان أن يصنع في طراز تنيس كسوة الكعبة على يد الخطاب بن مسلمة عامله سنة تسع وخمسين ومائة" وعلى كسوة أخرى مكتوب "بسم الله، بركة من الله لعبد الله المهدى محمد أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، مما أمر به إسماعيل بن إبراهيم أن يصنع فى طراز تنيس على يد الحكم ابن عبيدة سنة اثنتين وستين ومائة"

وسار هارون الرشيد الذى تولى الخلافة عام170هـ/786م على نهج من سبقوه فى كسوتها بكسوة تصنع فى أهم وأشهر مدن النسيج بمصر فقد كساها عام190هـ/805م بكسوة من قباطى مصر من دار الطراز فى تونة  مكتوب عليها "بسم الله، بركة من الله، للخليفة الرشيد عبد الله هرون أمير المؤمنين، أكرمه الله، مما أمر به الفضل بن الربيع أن يعمل في طراز تونة سنة تسعين ومائة".

واستمر نسيج القباطى فى العصر الإسلامى خلال القرون الأربعة الأولى للهجرة (7- 10م) مما يعنى استمرار التقاليد القبطية فى النسيج الإسلامى حتى العصر الفاطمى واستخدم فى نسجه نفس الأنوال المستعملة قبل الفتح الإسلامى لمصر واشتهرت بصناعته مدن تنيس والأسكندرية وشطا ودمياط والفرما بشمال سيناء

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.