كاسل الحضارة والتراث Written by  آب 10, 2019 - 5293 Views

مقدمة موجزةعن تاريخ الإسلام في الصين حتى عصر المغول

Rate this item
(2 votes)

د. حماده محمد هجرس

مدرس بكلية الآثار- جامعة الفيوم

تقع الصين في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وتحتل القسم الشرقي من قارة آسيا وتعد ثالث أكبر دول العالم من حيث المساحة، حيث تحتل مساحتها 6¸9مليون كيلو متر مربع، أي حوالي 1/14 من يابسة العالم. بلغ عدد سكان الصين وفق إحصائيات عام 2007م أكثر من 3¸1 مليار نسمة. تتميز الصين بأنها دولة متعددة الأعراق، حيث يوجد بها أكثر من خمسين قومية عرقية، تترأسها قومية هان (Hàn-汉) حيث تبلغ نسبتها 96% من نسبة السكان، وقد اختلفت حدودها الجغرافية من عصر إلى آخر.

ينتمي المسلمون الصينيون إلى عشر قوميات وهي: قومية هوي "Huízú-回族"، وقومية الأويغور (Wéiwú'ěr-维吾尔族)، وقومية الكازاخ (Hāsàkè-哈萨克)، وقومية القرغيز (Kē'ěrkèzī-柯尔克孜)، وقومية سالار (Sālā-撒拉)، وقومية الطاجيك (Tǎjíkè-塔吉克)، وقومية التتار (Tǎtǎ'ěr-塔塔尔)، وقومية باوآن (Bǎo'ān-保安)، وقومية الأوزبك (Wūzībiékè-乌滋别克)، وقومية دونجشيانج (Dōngxiāng-东乡). اختلفت أراء الباحثين حول أعداد المسلمين الصينيين؛ في الحقيقة لا توجد إحصاءات دقيقة لأعداد المسلمين في الصين، فقد اختلف الباحثون حول أعدادهم، فالبعض يُقدر أعدادهم بعشرين مليون نسمة، بينما يري البعض الآخر أمثال جلادني (Gladney)، و يانج شن من (Yang Shen Men) أن الأعداد تتعدى الستون مليونا، أما الباحثون العرب فيقدرون الأعداد بما يجاوز المئة مليون نسمة، ويعزو عدم توافر احصائيات دقيقة عن أعداد مسلمي الصين إلى المشاكل السياسية لبعض القوميات الإنفصالية مثل قومية الأويغور بإقليم تركستان الصينية "شينجيانج".

 تُعد قومية هوي وقومية الأويغور القوميتان المسلمتان الأكثر عددًا، حيث يبلغ التعداد الكلي لقومية هوي مايقرب من 10 مليون نسمة، بينما يبلغ تعداد قومية الأويغور أكثر من عشرة ملايين نسمة وفقًا للإحصاء الحكومي لعام 2010م. تتركز قومية الأويغور التركية بصفة أساسية في مقاطعة تركستان الشرقية ذاتية الحكم. أما قومية تتركز بكثافة في كل من نينغيشيا وخوبي وهينان ويونان وشاندونغ وجانسو وشينجهاي. تعتبر قومية هوي أكبر القوميات العرقية ببكين، وبلغ التعداد الكلي لقومية هوي ببكين طبقًا للإحصاء الحكومي لعام 2000م 235837 نسمة من بين 13,5 مليون نسمة تقطن بكين، وتبلغ نسبتها الكلية ببكين 1,74% بالنسبة لعدد السكان، وبذلك تمثل 94% من التعداد الكلي للأقليات ببكين.

دخول الإسلام للصين

تؤكد المصادر التاريخية الصينية أن الصينيين كانت لديهم معرفة قوية بالعرب قبل الإسلام. تشير المصادر التاريخية الصينية مثل كتاب تانغ القديم (Old Book of Tang-旧唐书) أن الصينيين لم يسمعوا عن الإسلام إلا في عام 17ھ / 639م، خلال عصر أسرة تانغ (Táng-唐) (4-294ھ  /618-907م) وذلك في فترة حكم الإمبراطور تايزونغ (Tàizōng-太宗) (5-28ھ /626-649م) ؛ وذلك عندما استقبل بلاطه سفارة من آخر الحكام الساسانيين يزدجرد الثالث (631-651م) يطلب المساعدة ضد الجيوش العربية الغازية لبلاده، إلا أن الإمبراطور تجنّب الأمر درءًا للمتاعب التي قد تنتج عن ذلك. تزامن نشأة وتأسيس أسرة تانغ (4-294ھ/618-907م)، مع نشأة الدولة العربية في شبه الجزيرة العربية، التي امتدت شرقًا لتبسط نفوذها على الأجزاء الغربية من قارة أسيا، وتضع أقدامها في أسيا الوسطى.

يتفق العلماء الصينيون أن الإسلام وصل إلي بلادهم عام 29ھ /651م، وذلك في صيف السنة الثانية لفترة حكم ثاني أباطرة أسرة تانغ (4-294ھ  /618-907م) الإمبراطور جاوزونج (Gāozōng-高宗)؛ ففي ذلك العام كانت أول سفارة عربية إلى بلاط أسرة تانغ، كأول اتصال مباشر بين الصينيين والعرب. أكدت المصادر الصينية هذا الإتصال؛ فنجد في المجلد رقم 221 بعنوان المناطق والأقاليم الغربية (西域) في كتاب التاريخ الحديث لأسرة تانغ (New Book of Tang-新唐书) خبر هذه السفارة كما يلي: "خلال السنة الثانية لفترة يونغ هوي، استقبل بلاطه مبعوثًا رسميًا عربيًا، وقدم العربي التحية من ملك العرب للإمبراطور..." ، ومنذ هذه الزيارة أصبحت هناك اتصالات متكررة بين العرب والصين.

لقد اتصل الصينيون بالعرب المسلمين اتصالًا جغرافيًا مباشرًا خلال العصر الأموي، لذا حظيت السفارات الإسلامية باهتمام في المصادر التاريخية الصينية، فقد ورد في المجلد رقم 99 بعنوان الإمبراطورية الرومانية (Fúlǐnguó-拂菻国) في كتاب التاريخ المؤسسي لأسرة تانغ (Tánghuìyào-唐会要) أنه خلال عام 45ھ/665م وذلك في السنة السابعة عشرة لعصر الإمبراطور جاوزونج (Gāozōng-高宗، ت 63ھ /683م) قدِم مبعوثٌ من العرب إلى بلاط الإمبراطور، وقدّم له الإمبراطور كثيرًا من الهدايا تعبيرًا للإحترام؛ كان من بينها الزجاج الأحمر، والمرمر الأخضر، والذهب، كما ورد في المجلد رقم 970 من كتاب (CèfǔYuánguī-册府元龟) أنه في عام 62ھ / 682م استقبلت الصين سفارات من بلاد العرب والفرس.

 كان لتوسع الدولة الأموية في أسيا أبلغ الأثر في الإتصال المباشر بين المسلمين والصينين،  فقد استطاع قتيبة بن مسلم الباهلي (ت 96ھ /715م) ضم تركستان (الشرقية) والإستيلاء على عاصمتها كاشغر عام 96ھ /715م، وعلي أجزاء كبيرة من أراضي الحدود الغربية لإمبراطورية تانغ (4-294ھ  /618-907م)، ومع ذلك لم يزحف إلى الصين نفسها، وكان من نتيجة ذلك انتشار الإسلام بين شعوب الترك والفرس. أصبح العرب في مواجهة أو في اتصال مباشر مع الصينيين، وهو الأمر الذي أكده ابن الأثير حين ذكر أن قتيبة أرسل سفارة للصين بناءًا على طلب إمبراطور أسرة تانغ الإمبراطور شوان زونج (Xuánzōng–玄宗) (93-139ھ /712-756م) ، وذلك لكي يتعرف عن قرب على العرب ودينهم.

توالت الإشارة إلى السفارات العربية في النصوص والمصادر الصينية القديمة، حيث تم تسجيل وتوثيق وصول سفارات وبعثات عربية لسبع وثلاثين مرة، كما سجلت المصادر الصينية وصول عشرين سفارة فارسية من المسلمين. في عام 134ھ /751م خلال العصر الذهبي الإمبراطور شوان زونج (ت 145ھ /762م) لأسرة تانغ، عبرت جنوده للمرة الثانية جبال بامير (Pamir) في محاولة لوقف الجيوش العربية العباسية حتى لا تشكل تهديدًا للصين، واشتبك الجيش الصيني مع الجيش العباسي في معركة طالاس (怛羅斯-Dáluósī) عام 134ھ/751م، وانتهت الموقعة بانتصار العباسيين بقيادة  زياد بن صالح الحارثي. ومن ثم بدأت المصادر الصينية القديمة تشير إلى العرب، منها كتاب تاريخ تانغ الحديث (新唐书)، حيث وردت فيه نصوص تصف العرب (غالبًا هم العمانيون في الخليج العربي) كما يلي: "إن العرب أمة تحكم أقاليم كان يحكمها الفرس، ولهم أناف كبيرة، ولحى سوداء، ويحملون الرجال خناجر فضية مغمودة، وأحزمة من الفضة، ولا يشربون الخمر، ولا يسمعون الموسيقى، أما نسائهم فيتسمون بالبياض، ويسترون وجوههم عند خروجهم من المنازل...". وهذا النص هو تقرير كتبه دو هُوان (Dù Huán-杜环) (ت 196ھ /812م( عام 185ھ / 801م ضمن كتابه القوانين الشاملة (Tōngdiǎn-通典) وذلك في المجلد رقم 193 تحت جزء يحمل اسم العرب (大食).

كان دو هُوان قائد عسكري صيني أُرسل إلى بغداد بعد أن تم أسره في أعقاب موقعة طالاس التي وقعت عام 134ه/751م، وانتصر فيها العرب )العباسيون( بقيادة زياد بن صالح على الصينيين، وأسر بعض الصينيين وكان من بينهم اثنان يعرفون صناعة الورق، قاموا بتقديم صناعة الورق للعالم الإسلامي، وذلك في عام 134هـ/751م ثم نقله العالم الإسلامي للأندلس وأوروبا، وهو الأمر الذي أكده دو هُوان حينما ذكر أن مدينة الكوفة بها اثنان من الحرفيين الصينيين من مدينة اتشانجآن (شيآن)، وهما : Luo Chi ، Fan Su، فوفقًا لرواياته التي أوردها في المجلد رقم 193 من كتابه تونج ديان فأن الصينيين قاموا بتعليم العرب فنون صناعة الحرير والجواهر والرسم وغيرها من الفنون، وبذلك حظي العرب للمرة الأولى بجزء خاص في تاريخ أسرة تانغ.

عوامل انتشار الإسلام في الصين

منذ وصول الإسلام للصين في عهد أسرة تانغ (4-294ھ  /618-907م)، بدأ ينتشر في الصين بصفة عامة، وكانت أول المناطق دخولًا في الإسلام هي مناطق الساحل الجنوبي الشرقي، والمنطقة الشمالية الغربية. كانت هناك في الحقيقة عوامل كثيرة ساعدت الإسلام للإنتشار في الصين منها أسباب سياسية مثل علاقات الصين بالدول العربية والإسلامية المجاورة لها، ومنها عوامل إقتصادية تمثلت في العلاقات التجارية بين الصينيين والمسلمين من العرب والفرس والترك، بالإضافة إلى الدوافع الدينية والإجتماعية والهجرات الضخمة للمسلمين إلى الصين وغيرها.

أولًا: الدوافع الدينية

إن أشهر الأحاديث النبوية التي ذكرت الصين هو الحديث الشريف "اطلبوا العلم ولو بالصين"، وعلى الرغم من أن البعض قد ضعّف هذا الحديث، إلا أننا يجب أن نسلّم يقينًا بأن الصين كانت معروفة ومطروقة بالنسبة للعرب زمن الرسول محمد . ولهذا الحديث مضمونان: أولهما هو بعد المسافة عن الصين، والأخر هو المثابرة على طلب العلم والحث عليه والذي كان دافعًا مهمًا للمسلمين للذهاب للصين، حيث اتبع المسلمون مناشدات الرسول صلى الله عليه وسلم، وذهبوا بحماسة العلماء إلى الصين، واخترقوا الحواجز والحدود النهائية للعالم الإسلامي، وأصبحوا نازحين منه.

وخير مثال على هجرة الدعاة المسلمين للصين، ما ذكرته المصادر التاريخية لقومية هوي عن وصول أربعة من الصحابة للصين خلال عصر أسرة تانغ (4-294ھ/618-907م) ؛ استقر إثنان منهما في مدينة تشوانتشو (Quánzhōu-泉州)، والثالث في كانتون –غوانتشو-، أما الرابع فقد استقر بمدينة يانغتشو (Yángzhōu-扬州). كما تذكر المصادر ذاتها أن بعض صحابة النبي محمد ذهبوا إلى كل المدن الصينية في أوائل القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، بالإضافة إلى أنه لدينا أدلة تاريخية وأثرية تؤكد ذلك الأمر، مثل شواهد القبور التي تنسب إلى رجال الدين العرب، التي انتشرت في كثير من مقاطعات الصين، منها شاهدي  قبر بمسجد نيوجيه ببكين ينسبا إلى شيخين عربيين، يرجع تاريخهما إلى أوائل عصر أسرة يوان.

كما وصل للصين عديد من الدعاة العرب مثل الشيخ هلال الدين (ت110ھ /1689م)، الذي أشارت إليه المصادر الصوفية الإسلامية الصينية، وأنه من ذرية الرسول الأكرم محمد ، وذكرت أنه وصل إلى مدينة غوانتشو في عام 1085ھ /1674م، وكان له دور كبير في نشر الإسلام في عديد من المدن الصينية الأخرى.

ثانيًا: الدوافع التجارية

أشرنا سابقًا إلى العلاقات التجارية بين العرب والصينيين قبل الإسلام، والحقيقة أن تلك العلاقات تطورت وزادت بشكل مضطرد بعد ظهور الإسلام، خاصة بعد سيطرة التجار العرب على طرق التجارة بين الشرق والغرب. وبفضل التجار المسلمين تم تعزيز انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا والصين. منذ القرن الأول وحتى القرن السابع الهجري، اعتنقت شعوب شبه جزيرة الملايو، وجزر جنوب شرق آسيا الإسلام، ومن ثم فإن التجار المسلمين الذين ذهبوا للصين نشروا الإسلام في تلك الأرض الواسعة. وقد أشارت المصادر الصينية القديمة إلى التجار المسلمين بمدينة كانتون وأطلقت عليهم اسم (Fanke) ومعناه (الضيوف الغرباء).

استمر تدفق التجار والأثرياء من العرب والفرس إلى الصين، وحملوا شعائر دينهم وثقافتهم إليها، فالتجارة بين الصينيين من ناحية وبين المسلمين من عرب وفرس من ناحية أخري قد ازدادت بشكل ملحوظ منذ القرن الأول الهجري (السابع الميلادي). في الواقع كان التجار المسلمون هم السبب الأساسي لوصول الإسلام للصين، فقد كان التجار المسلمين في عصر أسرة تانغ يتمتعون بوضع مميز، أتاح لهم التمدد وبناء منازلهم ومساجدهم، بالإضافة إلى الإمتيازات والفرص السياسية والإقتصادية التي مُنحت لهم.

بقدوم التجار أصبحت المدن الكبرى لها سفارات وبعثات وقوافل تجارية، وعادت تلك التجارة بأموال طائلة على التجار المسلمين، كانت كافية لتبرر وجودهم الدائم في المدن الساحلية الصينية. ومما يدل على كثرة عددهم وثرائهم ما حدث بين عامي 460-469ھ / 1068-1077م، حيث قام التجار العرب بمدينة كانتون خلال عصر أسرة سونغ الشمالية (349-678ھ / 960- 1279م) بالتبرع لإصلاح وتجديد المدينة، كما إعتمدت أسرة سونغ الشمالية على تبرعات المسلمين الأجانب في مدينة تشوانتشو –مدينة الزيتون كما أطلق عليه العرب- وذلك عام 607ھ / 1211م خلال عصر الإمبراطور نينج زونج (Níngzōng-寧宗) (590-621ھ /1194-1224م)، ويبدو أن هذا الوضع كان موجودًا أيضًا في مدن أخرى مثل مدينة هانغتشو.

كانت التجارة بين الصين والعالم الإسلامي تتم عبر طرق تجارية عديدة أهمها كان الطريق التجاري البري (طريق الحرير)، فطريق الحرير لم يمر من خلاله الإسلام إلى الصين فحسب، وإنما مرت منه ديانات مختلفة وهي: البوذية، والزرادشتية، واليهودية، والنسطورية المسيحية، والمانوية، كما أنه كان معبرًا للتبادل الثقافي بين الحضارات القديمة. أما الطريق البحري فقد كان هو الطريق المفضل لدى التجار العرب، وذلك بسبب الإضطرابات والحروب على الحدود الشمالية الغربية للصين، لذلك لم يستطع العرب القيام بالتجارة عبر طريق الحرير. كان للتجار العرب والفرس سيطرة على طرق التجارة البحرية، فقد وصلت تجارتهم من مصب نهر الفرات، وأبحرت من موانئ البصرة وسيراف ومسقط وهرمز وعدن مرورًا بالهند وأندونيسيا والصين، وهو الأمر الذي أثبته علم الآثار، حيث وجد خزف صيني ينسب لعصر أسرة تانغ في البلاد الإسلامية مثل: العراق، والخليج العربي (سلطنة عمان) ، وإيران، واليمن، وشرق إفريقية (الصومال ومدغشقر)، كما اكتشفت قطع خزفية صينية في حفائر مدينة الفسطاط بمصر عام 1964م، وفي حفائر سامراء بالعراق، بالإضافة إلى أنه كان من بين كنوز الفاطميين مقادير كبيرة من الخزف الصيني، فضلًا عن بعض قطع المسكوكات الصينية التي عُثر عليها في مدينة ظفار العمانية.

أما بالنسبة للتجار المسلمون الذين اختاروا البقاء في الصين فقد بدأوا بالزواج من الصينيات، وبمرور الوقت تكونت قومية هوي الصينية المسلمة، وسمحت السلطات الصينية للتجار بالزواج من الصينيات وأنجبوا أطفالًا أطلق عليهم اسم (Tusheng Fanke) وتعني أبناء الغرباء، وقد ورد ذكرهم في الأعمال الأدبية لعصر أسرة سونغ (349-678ھ /960-1279م). بسبب كثرة التجار في المدن الصينية وزواجهم من السكان المحليين بدأت السلطات الصينية في محاولة لتقنينها وتنظيمها بإصدار قوانين تتعلق بتلك الزيجات، ففي عام 7ھ / 628م، أصدر الإمبراطور مرسوما ألزم فيه التجار (Fanke)، الذين تزوجوا بصينيات بالإقامة في الصين. تزايدت أعداد التجار المسلمين في الصين بصفة خاصة خلال عصر أسرة يوان المغولية، ووصلت التجارة في عهدهم إلى نسب غير مسبوقة، والدليل على عظم التجارة وخاصة البحرية بين الصين والعالم الإسلامي، تلك المراكب الضخمة التي كانت تنقل البضائع. وقد أورد الرحالة ابن بطوطة في رحلته للصين خلال عصر أسرة يوان وصفًا لهذه المراكب الضخمة حيث قال: "مراكب الصين ثلاثة أصناف: الكبار منها تسمي الجنوك، وأحدها جنك، والمتوسطة تسمى الزوّ، والصغار يسمى أحدها الكلكم ... ويخدم في المركب منها ألف رجل ... ولا تصنع هذه المراكب إلا بمدينة الزيتون (تشوانتشو) من الصين".

ثالثًا: هجرات المسلمين

كان للعلاقات والظروف السياسية التي مرت بها الصين والمنطقة كلها أبلغ الأثر في انتشار الإسلام في الصين، فبعد توسع الدولة الأموية في آسيا الوسطى وضم معظم المناطق شمال غربي الصين، واعتناق شعوب تلك المناطق الإسلام، أصبحت الصين تجاور الأراضي الإسلامية، وتوقفت الفتوحات الإسلامية وتهديدها للصين تحت حكم أسرة تانغ. بقيام الدولة العباسية أقيمت علاقات دبلوماسية قوية بين أسرة تانغ والدولة الإسلامية، أهمها ما حدث عام 140ھ / 757م حينما طلب الإمبراطور سوزونج (Sùzōng-)  (139-145ھ / 756-762م) من الخليفة العباسي المنصور (136-158ھ /754-775م) المساعدة لإخماد ثورة داخلية قام بها قائد تتاري ، فبعث إليه الخليفة فرقة عسكرية تتكون من عشرة آلاف جندي؛ تتألف من ستة ألاف تركي، وأربعة ألاف عربي، واستطاعت القوات الإسلامية استعادة العاصمة "تشانغآن"، واستقر كثير منهم في الصين ولم يعودوا إلى أوطانهم، وتزوجوا بنساء صينيات، وتناسلوا وبدأوا في تكوين المجتمعات المسلمة في غرب الصين، ولاستباق التغيرات الديموجرافية المستقبلية؛ قرر الإمبراطور نقلهم إلى مدن أخري.

شهدت الصين خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) هجرات كثيفة للمسلمين للإقامة فيها، حيث تشير المصادر الصينية إلى المرتزقة المسلمين خلال عصر أسرتي سونغ الشمالية (349-521ھ /960-1127) وسونغ الجنوبية (521-678ھ /1127-1279م)، ففي عام (462ھ /1070م) قام الإمبراطور شان زونج (Shénzōng-神宗)، (459-477ھ / 1067-1085م) باستضافة مجموعة من المرتزقة العرب تحت قيادة الأمير سيد صوفيار (Sayyid So-fei-er) لمساعدته في حربه ضد أسرة لياو (304-519ھ /916-1125م) التي نشأت حديثا في شمال شرقي الصين، وبعدها كافأهم الإمبراطور ومنحهم حق الإستيطان والإقامة في المناطق الشمالية الشرقية للصين التي دمرتها الحرب، بين مدينتي كايفنج (Kaifeng) عاصمة أسرة سونغ، ومدينة يانجينغ (حاليًا بكين)، وذلك لخلق منطقة عازلة بين الصينيين وبين أعدائهم من أسرة لياو.

في عام 472ھ /1080م جاءت مجموعة أخرى يزيد عددها عن عشرة آلاف عربي من الرجال والنساء، للإنضمام إلى "الأمير سيد صوفيار" آنف الذكر، واستقر هؤلاء في عديد من المقاطعات الشمالية والشرقية، وساهموا في الحركة التجارية على طول طريق الحرير بدعم من الصينيين. تبقى هجرات المسلمين العظمى للصين تلك التي حدثت في أعقاب اجتياح المغول لآسيا، فبعد انتصار جنكيز خان (ت624ھ /1227م) وسيطرة المغول على آسيا الوسطى، فإن جنكيز خان (ت624ھ /1227م) أوفد أخيه قوبلاي خان (ت 693ھ /1294م) إلى البلاد الشرقية، كما أوفد أخيه الأصغر هولاكو خان (ت 663ھ / 1265م) إلى الغرب، فلم تستطع القوة الصينية والإسلامية من الصمود في وجه جبروت جحافل المغول، التي خلفت مساحات شاسعة من الدمار والقتل في القرنين 6-7ھ /12-13م، فسقطت بغداد علي يد هولاكو خان (ت 663ھ /1265م) عام 656ھ /1258م، بينما سقطت أسرة سونغ الجنوبية في الصين وعاصمتها هانغتشو (Hángzhōu-杭州) على يد قوبلاي خان في عام 674ھ /1276م.

لم يكن إرث الإمبراطورية المغولية فقط هو جلب الخوف والفزع والدمار إلى الشعوب، ولكن كان أيضًا معبرًا للانتشار الثقافي بشكل غير مسبوق، وأصبح المجتمع المغولي يضم ثقافات متنوعة. بعد تغلّب قوبلاي خان على أسرة لياو (304-519ھ /916-1125م) التي كانت تحكم شمال الصين، وتغلّبه أيضًا على أسرة سونغ الجنوبية التي كانت تحكم جنوب الصين، وأصبحت الصين بلدًا كبيرًا وموحدًا، وفد إلى الصين خلال عصر أسرة يوان (669-769ھ /1271-1368م) التجار والدعاة ورجال الدين المسلمين بشكل ملحوظ وبأعداد كبيرة، كما إستقبلت الصين خلال تلك الفترة عديدًا من الرحالة مثل الرحالة ماركو بولو (ت 724ھ /1324م)، والرحالة ابن بطوطة (ت 779ھ /1377م). كان من أهم سمات عصر المغول في الصين هي حركة الهجرات الواسعة للصين، حيث أصبحت الصين مقصدًا للشعوب الإسلامية مثل شعوب وقبائل أسيا الوسطى والعرب والفرس والترك، الذين حملوا ثقافاتهم ومعتقداتهم الدينية إليها، وكانوا سببًا رئيسيًا في نشر الإسلام في جميع أنحاء الصين، ومما يؤكد ذلك الأمر ما وصل إلينا من شواهد القبور الكثيرة لعصر أسرة يوان المغولية منقوشة بنقوش عربية وفارسية وتركية.

 مما لاشك فيه أنه كانت هناك أسباب أدت إلى زيادة هجرة آلاف المسلمين للصين خلال عصر أسرة يوان، منها سياسة التسامح الديني التي انتهجتها هذه الأسرة في الصين، إذ كانت جميع الديانات مرحبًا بها مثل الإسلام والمسيحية والنسطورية واليهودية والطاوية والبوذية، وتم إعفاء معتنقيها من الضرائب، الأمر الذي شجع على انتشار الإسلام ونمو المجتمعات المسلمة في جميع أنحاء الصين. إلى جانب سياسة التسامح الديني للمغول في الصين، كانت هناك أسباب وعوامل أخرى شجعت وطورت الإسلام ومجتمعاته في كل أنحاء الصين، منها العلاقات السياسية بين الصين والعالم الإسلامي في ذلك الوقت المبكر لعصر أسرة يوان المغولية، حيث وصلت للصين كثيرًا من البعثات السياسية: كان من بينها البعثات المصرية، فترجع أولى البعثات والإتصالات بين الجانبين إلى عصر قوبلاي خان (ت 693ھ /1294م) والسلطان قلاوون (Hāláwēn-哈剌温) 687-689ھ /1279-1290م وذلك بين عامي 680-681ھ /1281-1882م، كما تبعتها بعثة أخرى عام 683ھ /1284م.

كان اعتماد قوام الجيش المغولي بصفة أساسية على المسلمين عاملًا مؤكدًا في انتشار الإسلام، فكان الجيش المغولي به الآلاف من الجنود المسلمين، جاءوا معه خلال حملات المغول في وسط وغرب أسيا، وحاربوا معه ضد أسرة سونغ، وساعدوا في إنشاء وقيام أسرة يوان المغولية في الصين، وظهر قادة عسكريين من المسلمين في جيش أسرة يوان مثل: الأمير سيد يعقوب بايان (Amir Sayyid Bayan)، والأمير السيد الأجل شمس الدين عمر (赛典赤·赡思丁-Sàidiǎnchì·shànsīdīng) (ت 678ھ/1279م)، كما أُسند إليهم الوزارة، فقد أمدتنا المصادر التاريخية بأسماء بعض الوزراء مثل الوزير عبد الرحمن، والوزير أحمد، وجميعهم كانوا وزراء أقوياء، وكل هذا يعكس القوة التي كان بالتأكيد يتمتع بها المسلمون في البلاط المغولي.

الحقيقة أن إسناد كثير من الوظائف الإدارية للمسلمين في الصين خلال عصر أسرة يوان لا يدل فقط على أهمية المسلمين ونفوذهم، ولكن يدل أيضًا على دورهم الحاسم في التعامل مع المناطق الأخرى في الغرب والجنوب، والدليل على ذلك الإحصاء الذي ورد في كتاب تاريخ أسرة يوان (元史) لأعداد المسلمين الذين تقلدوا مناصب رسمية، حيث بلغت أعداد المسئولين المسلمين عشرات الألوف، الذين خدموا كقيادات في الجيش، و مستشارين ماليين، و مهندسين، و معماريين، و علماء فلك، و أطباء، و جباة ضرائب، و موظفي جمارك، و وسطاء تجاريون وغيرهم. لقد كان للعوامل السابقة دور كبير في انتشار الإسلام في كل أنحاء الصين، ولم يعد المسلمون ينحصرون أو يقيمون في الموانئ الصينية أو في المدن التجارية الكبيرة مثل إتشانجآن و بكين، ولكن انتشر المسلمون خلال عصر المغول في كل أنحاء الصين، ولم يعد القادمون إليها تجار فقط، ولكن كان منهم فنانين و حرفيين و علماء و دعاة و مسئولين.

أشار الرحالة الذين زاروا الصين خلال عصر المغول إلى الانتشار الواسع للمسلمين  مثل: الرحالة الإيطالي ماركو بولو (ت 724ھ / 1324م) الذي زار الصين أوائل عصر أسرة يوان إلى تجمعات المسلمين الكثيرة في شمالي الصين، كما أشار ابن بطوطة (ت 779ھ / 1377م) الذي زارها في أواخر عصر المغول عام 746ھ /1345م ، حيث يذكر: "وفي كل مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون فيها بسكناهم ولهم فيها المساجد...". يُذكر أن إسرائيلي (Israeli) قدّر أعداد المسلمين الصينيين في نهاية عصر أسرة يوان (669-769ھ /1271-1368م) بأربعة ملايين نسمة.

وكانت من العوامل التي ساعدت أيضًا على حركة هجرة المسلمين للصين والانتشار المتزايد للإسلام خاصة منذ عصر أسرة يوان (669-769ھ /1271-1368م) وحتى عصر أسرة مينغ (770-1054ھ /1368-1644م)، هو وضع المسلمين "المعظّم" وهو التعبير الذي استخدمه ابن بطوطة في وصف وضع المسلمين في الصين خلال زيارته لها؛ حيث عومل المسلمون باحترام من جميع القوميات بسبب إسهاماتهم في المجتمع والإقتصاد بالإضافة إلى ثرائهم؛ ومثال على ذلك شمس الدين عمر الذي أدى عدله وسياسته وحكمته الإقتصادية إلى ازدهار مدينة يونان (Yunnan-云南). كما ساهمت العلاقات الطيبة بين الصين والعالم العربي والإسلامي دورًا مهمًا في ذلك. لقد سجلت المصادر التاريخية سواء الصينية أو الإسلامية كمًّا هائلًا من الزيارات والسفارات التي تمت خلال عصر أسرة مينغ (770-1054ھ /1368-1644م)، حيث ارتبطت أسرة مينغ بعلاقات مع الدول الإسلامية مثل الحكام المحليين في الجزيرة العربية، والتيموريين، والمماليك، والصفويين، والعثمانيين.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

  1. ابن الأثير (عز الدين أبي الحسن الجزري الموصلي، ت 630ھ )، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع (من سنة 65إلى سنة 126 ھ )، راجعه وصححه محمد يوسف الدقاق، الطبعة الأولي، بيروت: دار الكتب العلمية، 1987م.
  2. ابن بطوطة (أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، ت 779ھ )، رحلة ابن بطوطة، دار صادر ببيروت، 1992م.
  3. الجمعية الإسلامية الصينية، الحياة الدينية لمسلمي الصين، بكين (1981م).
  4. حماده محمد هجرس، المساجد الأثرية الباقية في مدينة بكين الصينية منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) دراسة أثرية، رسالة دكتوراة، جامعة الفيوم 2016م.
  5. شيوي قوانغ، جغرافيا الصين، ترجمة محمد أبو جراد، الطبعة الأولى، بكين: دار النشر باللغات الأجنبية 1987م.
  6. الطبري (أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت 310ھ )، تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، الجزء الرابع، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر (د ت).
  7. محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، الجزء الثاني والعشرين، التاريخ المعاصر- الأقليات الاسلامية، الطبعة الثانية، المكتب الاسلامي للنشر 1416ھ /1995م.

المراجع الأجنبية

  1. Benite, Aziz Ben-Dor, «Even unto China, Displacement and Chinese Muslims Myths of Origin», Bulletin of The Royal Institute for Inter: Faith Studies 4, 2002, No. 2, pp. 93:114.
  2. Benite, Aziz Ben-Dor, «Islam in China», Islam Religion, 2007, pp. 1:5.
  3. Benite, Aziz Ben-Dor, The Dao of Muhammad, A cultural history of Muslims in late imperial China, London: Cambridge, 2005.
  4. Ben She (本社), 伊斯兰教建筑之,伊斯兰教建筑,穆斯林礼拜清真寺 (Islamic Architecture, Mosques), 北京: 中国建筑工业出版社, (Architecture House Press), 2009.
  5. Broomhall, Marshall, Islam in China, a Neglected problem, London, 1910.
  6. Chenyu, Ning & Tang, Xiaofang, (陈育宁 & 汤晓芳), 中国回族文物 (= Heritage of Chinese Hui Minority, 宁夏人民出版社 (Ningxia People's Press), 2007.
  7. Dillon, Michael, China’s Muslims, Oxford University Press, 1996.
  8. Dillon, Michael, Muslim Hui Community, Migration, Settlement, and Sects, Curzon Press, 1999.
  9. Gladney, Dru, «Islam and Modernity in China, Secularization or Separatism», Chinese Religiosities, Afflictions of Modernity and State Formation, Berkeley, University of California Press, 2008.
  10. Gladney, Dru, «Islam in China, Accommodation or Separatism», The China Quarterly, 2003, No. 174, pp. 451:467.
  11. Huzhen, Hua (胡振华), 民族文化研究文集 (Anthology of Cultural Studies), 中央民族大学出版社 (=Central University for Nationalities Press), 2006.
  12. Israeli, Raphael, Islam in China, Religion, Ethnicity, Culture, Politics, published by Lexington Books, Boston, 2002.
  13. Leiyu (雷钰), «中古时期伊朗与中国的丝路商贸», 中国学术期刊, 2011年, 第 1期, 页138:142 (« Iran and China's of Silk Road trade in Middle Ages», 2011, Chinese Academic Journal Electronic Publishing House, 2011, No. 1, pp. 138:142).
  14. Leslie, Donald, The Integration of Religious Minorities in China, The case of Chinese Muslims, Australian National University, 1998.
  15. Liuzhi, Ping (刘致平), 中国伊斯兰教建筑 (=Chinese Islamic Architecture), 北京鑫联必升文化发展有限公司排版 (Beijing: Xinlian House Publishing), 2008.
  16. Ping, Zheng, China’s Geography, translated by Xiao Ying, Beijing, China International press, 2008.
  17. Qian, Zheng, China’s Ethnic Groups and Religions, translated by Hou Xiaocui and others, China International Press, 2009.
  18. Steinhardt, Nancy, «China’s Earliest Mosques», Journal of The Society of Architectural Historians, (2008), Vol.67, no.3, pp. 330:361.
  19. Wahby, Ahmed, Islamic Architecture in China, Mosques of Eastern China, Master's Degree, Cairo, The American University in Cairo, School of Humanities and Social Sciences, 2000.
  20. Wangxiao, Fu (王小甫), 史政大吐唐治食蕃关系 (History of Relations between Tang and Arabs), 北京大学出版社 (= Beijing University Press), 1992.
  21. Xin Tangshu: 新唐書, 第二〇冊,卷三八到卷三一五下傳 (New Book of Tang History- Volume 38- 350), 北京:中華書局 (Beijing: Zhonghua Press), 1975.
  22. Hagras, Hamada, “Xi’an Daxuexi Alley Mosque: Historical and Architectural Study”, Egyptian Journal of Archaeological and Restoration Studies "EJARS", Volume 9, Issue 1, June – 2019, pp. 97-113.
  23. Hagras, Hamada, “An Ancient Mosque in Ningbo-China, ‘Historical and Architectural Study’”, Journal of Islamic Architecture, 4(3) June 2017, pp. 102-13.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.