كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين1 03, 2019 - 222 Views

باحثة تنفى علاقة المصريين القدماء بقوم عاد

Rate this item
(0 votes)

كتبت د. هناء سعد الطنطاوي

مفتش آثار بوزارة الآثار

منذ قديم الأزل ومصر تتحدث عن نفسها، ابتداءًا من تاريخها العظيم  وآثارها العظيمة نهاية بما تبقى وعثر عليه من تلك الآثار والذي ما زال جارى البحث عنه، والذي يعكس لنا مدي الرقي الفكري والأخلاقي لأجدادانا المصريون القدماء، ولا دليل أصدق من قول سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ما علمناهم وما لم نعلمهم، أن يقول

قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم). يوسف: ٥٥

فلو ملئ التاريخ بالمغالطات والتزوير سواء التزوير للإساءة أو للتجميل فلا يوجد أصدق من قول نبي يصف مدي الثراء المادي والإقتصادي لمصر. ودائمًا نلمس على مر العصور أعداء بلدنا لا يكلون ولا يملون من سرقة العقول بزرع الفكر المريض المشوه، ومع ذلك بلدنا واقفة شامخة كلما زاد أعدائها زادت قوة أبنائها، وزاد خيرها عندًا في أعدائها، وكلما يأسوا أعدائنا من الحاضر شوهوا الماضي بالتزوير بعدم نسب حضارتنا لنا، والأغرب أن كل ما يحاول فعله هو قلع جذورنا وأصولنا ليبحث له هو عن أصل  لأنه ليس له أصل، ويحاول أن يبحث له على أصل في بلدي.

فحضارتي كثوب جميل نظيف، يحاول البعض إلصاق البقع به، ونحن لم نغير الثوب، ولكننا نحاول إزالة البقع عن هذا الثوب، وهذه البقع هي الشائعات والمغالطات التي ألصقت بحضارتنا العظيمة، ومنها أن بناة الأهرام هو قوم عاد.

قوم عاد:  هم العماليق من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح.  وكان قوم عاد عربًا يسكنون الأحقاف وهى جبال الرمل، وكانت في اليمن بين عمان وحضر موت، بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر، واسم واديهم "مغيث".

والأحقاف في اللغة العربية تعني (الكثبان الرملية)، ومفردها  حقف أي الكثيب الرملي، وهذا يعني أن عادًا كانت تستوطن منطقة مليئة بالكثبان الرملية، وهذا ما يقدم دليلًا منطقيًا على أن عادًا قد دفنوا تحت وطأة عاصفة رملية حسب بعض التفاسير.

وتتمثل سر عمقلة قوم عاد أن الله أنعم على هؤلاء القوم بالبركة في الجسم والذرية فهم القوم الذين نجوا من طوفان سيدنا نوح.

قال تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا ءالاء الله لعلكم تفلحون).الأعراف: 69

ولكن كالعادة تمر السنين وتدخل الغفلة للنفس البشرية. فكانوا أول من عبدوا الأصنام بعد الطوفان، وكانت أصنامهم ثلاث هى صد، صمودا، وهرا، وكانوا جفاة كافرين.

لماذا اندثرت حضارة قوم عاد

بعث الله فيهم أخاهم هود (عليه السلام).  فلم يؤمنوا به وقالوا من أشد منا قوة، فسلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة وهى الريح العظيم سبع ليال وثمانية أيام، ودمرت عليهم البيوت المحكمة، والقصور المشيدة. فكانوا يبنون قصورًا آية في الإبداع والفن، والعمارة والتشييد، والزخرفة والفخامة، والإتساع والعلو، فكانوا يتفننون ويتكلفون في البناء، ويقيمون المصانع والمباني الضخمة وكأنهم مخلدون فى هذه الدنيا. قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون).  الشعراء: ١٢٨ – ١٢٩

وإذا كنا لم نعرف شيئًا عن عمارة عاد وحضارتهم، فنحن نعرف الكثير عن حضارة المصريين القدماء، التى لازالت تبهر عقول العالم كله، وتعجز دول الحضارة الحديثة عن تفسير ألغازها، وعن معرفة كيفية بناء حجارة الأهرامات بدون مواد بناء. وعلى الرغم من هذه الحضارة العجيبة حين نقارنها بحضارة عاد نجد أنها دونها، لأن الله تعالى عندما تكلم عن حضارة عاد

 قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد).

الفجر: 7- ٨

 وتسرد لنا الآيات في سورة هود كل ما دار بين هود عليه السلام وقومه بالتفصيل هود٥٠- ٦٠

وفي سورة الشعراء نجد شيئًا من التركيز على بعض الخصائص التي كان يختص بها هؤلاء القوم نتبينها من خلال مخاطبة رسولهم لهم. الشعراء: ١٢٣ - ١٤٠

وهكذا استحقوا الإبادة، فقال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية). الحاقة: ٦ – ٨

لقد هلكت عاد أولئك القوم الذين كذبوا رسولهم وأعلنوا العصيان على خالقهم عاصفة رملية أبادتهم عن سطح الأرض فقال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (كأن لم يغنوا فيها).

هود: ٦٨

وأكثر الدلائل أهمية على أن عادًا قد دفنت في الرمال كلمة (الأحقاف) الذي ذكرها القرآن الكريم في تحديد لمكان عاد.

الإكتشافات الأثرية في مدينة إرم

فمدينة قوم عاد بنص القرآن هي مدينة تدعى إرم وليس مصر، فأين تقع مدينة إرم هذه؟

ظهرت في بدايات عام 1990 عناوين في صحف عالمية مشهورة تعلن اكتشاف المدينة العربية لعاد جنوبي اليمن وهي مدينة تدعى (أوبار "جزيرة الرمال")، وقد أسفرت الإكتشافات عن الأبراج والأعمدة التي كانت تميز منطقة أوبار هذه. ومن أوجد هذه المدينة هو شاب آثري يسمى (نيكولاس كلاب).

ما الذي يثبت أن هذه المدينة هي عاد التي ذكرها القرآن؟

 يقول أحد أعضاء البعثة الآثرية د. زارينز Dr. Zarins  أن أكبر دليل على أن هذه المنطقة التي ينقبونها هي إرم هي تلك الأبراج والأعمدة التي تميز مدينة أوبار هذه. قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إرم ذات العماد) الفجر: 7

فحتى الآن أمكن إثبات أن مدينة أوبار هي مدينة إرم التي ذكرها القرآن الكريم.

وربما عدم وجود هذه المدينة ضمن السجلات التاريخية هو أن الإتصال الكتابي لم يكن شائعًا في هذا المنطقة في ذلك الزمن. لأن سر تعرفنا وتوصلنا لمعرفة ودراسة أي حضارة هي الكتابة. وإذا كان لا توجد سجلات مكتوبة من عاد، إلا أنه بالإمكان أن نجد معلومات هامة عن الأقوام المنحدرة عنهم أي عن أحفادهم، طبعًا أكيد  فيه منهم نجوا من الهلاك والدمار وهم الذين آمنوا، وبذلك يمكننا أن نأخذ من خلالهم فكرة عن عاد أنفسهم.

الحضارمة أحفاد عاد

العديد من العلماء المعاصرين يقولون: إن عادًا قد دخلت في مرحلة تحول ثم ظهرت من جديد على مسرح التاريخ، يعتقد الدكتور ميخائيل رحمن الباحث في جامعة (أوهايو)، أن قوم عاد هم أجداد الحضارمة، أحد الأقوام الذين عاشوا جنوبي اليمن، وأنهم حكموا اليمن لفترة طويلة من الزمن إلى أن اختفوا نهائيًا عام 240 ميلادي بعد فترة من الإنحلال لم تكن قصيرة.

ويشير الكاتب الإغريقي (بليني)، الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد إلى هذه القبيلة بكلمة (أدراميتاي)، وتعني الحضرمي، وجذر الإسم هو (أدرام) الذي يعيد إلى الذهن في الحال احتمال كونه تحريفًا عن (عاد- إرم)، تلك المذكورة في القرآن.

ومن الدلائل الأخرى التي تشير إلى أن حضر موت هي امتداد لعاد، الثروة التي كان يتمتع فيها القوم، فقد كان الإغريق يعرفون الحضارمة على أنهم (أغنى شعوب العالم)، لأنهم تقدموا كثيرًا في زراعة البخور، إحدى أثمن النباتات في ذلك الوقت، كما أن ما أظهرته الحفريات الأثرية في مدينة شبوة عاصمة حضر موت كان مثيرًا للغاية، فقد كانت هذه المدينة (شبوة) من أكبر وأوسع المدن اليمنية التي عرفتها هذه المنطقة، كما يدل بقايا قصرها على أنه كان بناء فخمًا بحق.  وما لاشك فيه أن التفكير المنطقي يقول : أن الحضارمة قد ورثوا الفن المعماري من أجدادهم قوم عاد.

وصفة أخرى تميز الأبنية في شبوة التي وجدت هي الأعمدة المزخرفة، فالأعمدة تبدو فريدة تمامًا لكونها مستديرة ومنتظمة ضمن رواق معمد دائري، ولا شك أنهم ورثوا هذا التراث من أجدادهم عاد، وقام البطريارك الإغريقي البيزنطي (فوتيوس) بطريارك اسطنبول في القرن التاسع الميلادي ببحث واسع عن العرب الجنوبيين وأنشطتهم الجنوبية، لأنه استطاع الوصول إلى مخطوطات إغريقية قديمة لم تعد موجودة الآن، وتوصل إلى: يقال أن هؤلاء العرب الجنوبيون قد بنوا أعمدة كثيرة مغطاة بالذهب أو مصنوعة من الفضة، كما أن طريقة تثبيت هذه الأعمدة تستحق التأمل.  كما يصف الكاتبان الإغريقيان بليني Pliny واسترابو Strabo، هذه المدن على أنها (مزينة بالمعابد الفخمة والقصور الجميلة).

وهذا أيضًا يقودنا إلى قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إرم ذات العماد) الفجر: 8

وبالتالي لا يوجد علاقة بين قوم عاد والحضارة المصرية القديمة، ويبقا السؤال لماذا يحاول أعداء حضارتنا أصحاب الفكر المريض نسب الحضارة المصرية لأي أحد (قوم عاد، قارة أطلنتس، اليهود، ناس فضائيين، الجن) المهم أي أحد غير مصري، ناكرين خروج عباقرة مصريين موحدين بنوا تلك الحضارة. والإجابة هي الحقد الدفين الذي لم ولن ينتهي.

للمزيد يمكن للقارئ الرجوع إلى مقالة "اكتشاف مساكن قوم عاد" بقلم الأستاذ فراس نور الحق المنشورة على موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وكتاب (الأمم البائدة) للدكتور هارون يحيى.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.