كاسل الحضارة والتراث Written by  تشرين2 28, 2019 - 333 Views

حكاية شارع الصليبة

Rate this item
(0 votes)

كتبت - آلاء أحمد بَكير

آثاريَّة بوزارة الآثار - ماجستير الآثار- جامعة حلوان.

هيَّا بِنا نعود بآلة الزمن لنتعرف على حكاية شارع الصليبة. ومقصِدنا بشارع الصليبة ذلك الشارع الممتد من ميدان القلعة بالقاهرة وحتى بداية شارع عبد المجيد اللبان حاليًا.

وقد عُرِفَ الشارع بهذا الإسم لأنه يتكون من تقاطع شارعين يُكوِّنا شكل صليب حيث أن أحدهما طولي يمتد من الشارع الأعظم الفاطمي جنوب باب زويلة حتى مشهد السيدة نفيسة والآخر شارع عرضي يمتد من نهاية شارع شيخو حاليًا حتى بداية شارع عبد المجيد اللبان. (1)

وقد بدأ شارع الصليبة في الظهور في العصر الإسلاميّ تحديدًا منذ العصر الطولوني، واكتمل شكله خلال العصر الفاطمي، وازدهر خلال العصور التاريخية التالية وخاصة العصر المملوكي. (2)

وهي فترة تمتد حوالي عشرة قرون، تُمثل تقريبًا عُمْر الحضارة الإسلامية بمِصر، وهذا الإستمرار والوجود للشارع طوال هذه الفترة التى يندُر أن يتميز بها شارع آخر يـُعد دليلًا مؤكدًا وقويًا على مدى أهمية هذا الشارع على عـِدة مستويات، وامتلاكه مميزات خاصة هيأت له هذا الإستمرار وتلك المكانة.(3)

وقد أثَّرَت في إكساب شارع الصليبة هذه الأهمية عدة عوامل، فمن حيث الموقع كان بالطبع لقربه من مركز الحُكم والإدارة بالقلعة دور كبير في ازدياد أهميته وشهرته وجذب السلاطين وتنافس الأمراء الكبار لتشييد عمائرهم به. حيث كان لانتقال مركز الحكم إلي القلعة أكبر الأثر فى تركز النمو العمراني وتمركزه حولها خاصة في العصر المملوكي. (4) ففيها يسكن السُلطان ومنها تصدر الأوامر والفرمانات، فكان الأمراء يتقربون إلى السلطان دائمًا ويقيمون عمائرهم بجانب القلعة حتى يكونوا في مواجهة الأحداث المتغيرة فى تلك الفترة وفى مأمن من الفتن والمؤامرات التى كانت تـُحاك ضد الأمير الذى يبعد عن عين السلطان.(5)

ويُمثل هذا الشارع جغرافيًا الحد الفاصل بين القاهرة ومصر، وهو ما كان بالطبع له أكبر الأثر فى اضفاء أهمية عليه.

وإلى جانب مميزات الشارع الطبيعية، كان للأحداث والعوامل السياسية والإقتصادية دورًا في إكسابه أهميتة ومكانته.

فمن الناحية السياسية نستطيع القول أنه كما كان للصراعات الداخلية أثر سلبى على العمران، كان لها فى بعض الأوقات أثر إيجابى مثلما حدث فى عهد السلطان الملك الصالح (752-755هـ/ 1351-1354م)، حيث أدى التنافس على السُلطة بين الأمراء شيخو وصرغتمش وسيطرتهم على مقاليد الحكم إلى تنافسهم في إقامة العمائر، الأمر الذي كان له أثر كبير في عمران هذا الشارع.(6)

وبالإضافة لما سبق يُعد شارع الصليبة أحد الطُرُق التى كانت تمر فيها مواكب السلاطين حيث كان يُعتبر أحد المسارات من خارج القاهرة إلى القلعة مباشرة، ويُعد الشارع الوحيد الذي كانت مواكب السلاطين فيه تسلك الإتجاهين اتجاه الذهاب والعودة.

حيث كان السُلطان يخرج منه إلى منطقة السيدة زينب ثم إلى مقياس النيل بجزيرة الروضة، أو إلى النيل فبولاق، أو الجيزة، وكذلك كان طريق عودته. فقد ذكر المقريزى موكبًا للسلطان برقوق عند ذهابه إلى الصيد بالجيزة في حوادث شهر ذي القعدة سنة (784هـ/ 1383م)، فقال " ... وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرينه ركب السلطان من قلعة الجبل ومر على قناطر السباع (ميدان السيدة زينب الآن) حتى عدى النيل من بولاق إلى الجيزة  وتصيد". ويذكر إبن إياس موكبًا آخر للسلطان الغَوْرى عند قدومه من الفيوم في شهر صفر سنة (922هـ/1516م)، فيقول " وفي يوم الأحد تاسع عشره حضر السلطان من الفيوم وعذى من الجيزة فلاقاه الخليفة والقضاة الأربعة، فشق من الصليبة... وطلع إلى القلعة فى موكب حافل". (7)

واتخاذ  شارع الصليبة طريقًا لموكب السلطان يوضِّح لنا أهمية هذا الطريق في الحياة العامة في تلك العصور، ويوضح لنا أيضًا أحد أسباب حرص السلاطين والأمراء على بناء المنشآت الهامة لهم على الطريق الرئيسي الذي كان يمر منه السلطان.

وإذا نظرنا نظرة سريعة إلى العمائر الأثرية الإسلامية الباقية بهذا الشارع نجد أن هذه المنشآت تجمع بين منشآت السلاطين والأمراء الكبار، وأنها شُيدت على مر العصور المختلفة بِدءً من العصر المملوكي البحري نهاية بعصر أسرة محمد علي مرورًا بالعصرين المملوكي الجركسي والعثماني، ويُلاحَظ أنها تتنوع بين منشآت دينية تتمثل في المساجد والمدارس والخانقاوات وما يلحق بها من وحدات معمارية، ومنشآت مدنية كالقصور ومنشآت خدمية كالأسبلة.

فنجد العمائر بالترتيب من الغرب إلى الشرق تتمثل في: مُنشأة الأمير سنجر والأمير سلار، مدرسة الأمير صرغتمش الناصري، مدرسة الأمير تغري بردي، بقايا قصرالسلطان الغـَوْري، سبيل وكتاب أم عباس، مجموعة الأمير شيخو، سبيل وكتاب الأمير عبد الله،  مدرسة الأمير قانيباي المحمدي، سبيل وكتاب السلطان قايتباي.

وقد اندثرت الكثير من العمائر التي كانت تأخذ مكانها على هذا الشارع والتي أُنشئت على مر العصور المختلفة منذ بداية ظهوره، إلا أن ما يزخر به من العمائر الباقية لها أهميتها المعمارية الكبيرة، والتى أسهمت في إكمال حلقة نشأة وتطور العناصر المعمارية الإسلامية بعمائر مِصر الإسلامية. (8)

1- سعاد محمد حسن حسنين، أعمال الأمير شيخو العمرى الناصرى المعمارية بالقاهرة، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الآثار الإسلامية، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 1976م، صـ44؛ المجلس الأعلى للآثار، كنوز من شارع الصليبة، صـ72.

2- المجلس الأعلى للآثار، كنوز من شارع الصليبة، صـ72.

3- شفيقة قرنى سيد أبو نصير، دراسة أثرية عمرانية لشارع الصليبة بالقاهرة حتى العصر الجركسى، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الآثار الإسلامية، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 1993م، صـ(ا).

4- أيمن فؤاد السيد، التطور العمرانى لمدينة القاهرة منذ نشأتها وحتى الآن، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1996م، ص38؛ أسماء محمد إسماعيل، أثر التكدس العمرانى على عمارة مدينة القاهرة فى العصرين الأيوبى والمملوكى، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم الآثار الإسلامية، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 2001م، صـ175.

5- سعاد محمد حسن حسنين، أعمال الأمير شيخو، صـ39.

6- أسماء محمد إسماعيل، أثر التكدس العمرانى على عمارة مدينة القاهرة، صصـ171، 181.

7- محمد حسام الدين إسماعيل عبد الفتاح، بعض الملاحظات على العلاقة بين مرور المواكب ووضع المبانى الآثارية فى شوارع مدينة القاهرة،حوليات إسلامية، المجلد 25، المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة،1990م، ، صصـ1-10.

8- شفيقة قرنى سيد أبو نصير، دراسة أثرية عمرانية لشارع الصليبة، صـ(ب).

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.