كاسل الحضارة والتراث Written by  شباط 20, 2020 - 478 Views

الصيانة الوقائية للأثار فى ضوء المواثيق الدولية

Rate this item
(0 votes)

كتب د.  عبدالحميد عبدالحميد السيد الكفافى                      

مدير عام التخطيط والمتابعة لترميم الأثار

قطاع المشروعات – الإدارة المركزية للصيانة والترميم بوزارة السياحة والآثار

الحفظ هو الفعل الذي يتم لمنع التلف أو التدهور، وهو بذلك يشمل جميع الأعمال التي قد تتم لإطالة عمر الأثر، وتفضل عمليات الحفظ أقل تدخل بشرط أن تؤدى الغرض من أجل الحفاظ على العناصر الأثرية، كذلك فمن الأفضل أن يكون هذا التدخل استرجاعياً قدر المستطاع، وأن لا يؤثر بالسلب على أي تدخل مستقبلي، وعليه فإنه يمكن أن يتم إلغاء الخطوات التي تتم للحفاظ على المبنى إذا ثبت أنها متلفة أو تضر بالنسيج الأصلي للمبنى أو إذا تم التوصل لطريقة أخرى أكثر فاعلية للحفظ([1])، حيث يتضمن هذا المدلول كل الطرق التي يمكن أن تضر بالأثر، سواء في طرق الصيانة أو أعمال التوظيف التي تضر بالأثر أو استخدام من شأنه يؤدى إلى التلف, كذلك فإن التدخل للفحص بأجهزة يمكن أن تضر بالمبنى , وتؤثر بالسلب على بعض العناصر الأثرية , يعتبر تدخلا مرفوضا, إلا إذا دعت الحاجة لهذا الإستخدام, ويجب أن تؤكد عملية الحفظ على القيمة التي تساعد على تحديد الأولويات التي تدعم التدخل المناسب، حيث أن التفتيش المبدئي والفحص تعتبر من أهم الإجراءات التحضيرية لعملية الحفظ ومنه الفحص البصري للمبنى الأثري وعناصره، حيث يتم توثيق الحالة الراهنة توثيقاً منظماً، ثم تحديد الدراسات المطلوبة، ثم وضع خطط الصيانة الوقائية لتلافى التدخلات الحفظية الواسعة، وقد ثبت أن هذه الإجراءات الواقية تقلل مصاريف الترميم على المدى البعيد، حيث تتضمن الإجراءات الوقائية منع حدوث التلف Preventive of deterioration  وذلك عن طريق التحكم في البيئة لمنع تنشيط عوامل التلف والتحكم في الرطوبة الداخلية ودرجة الحرارة والضوء واتخاذ إجراءات منع حوادث الحريق والسرقة والتخريب وتخفيض التلوث والاهتزازات المرورية([2]).

ومن المعروف أن المواثيق الدولية جميعها قد اهتمت وركزت على دور الصيانة في الحفاظ على المباني الأثرية والتاريخية، ومنذ أن تنامي الوعي العام بعالمية التراث ظهرت توجهات تنادى بأهمية توحيد قواعد حماية الآثار وسبل الحفاظ عليها كتراث للإنسانية، وقد تبلورت هذه التوجهات بشكل عملي في بداية القرن العشرين بصدور باكورة المواثيق الدولية لحماية المباني الأثرية بمدريد عام 1904([3])، وتعتبر المواثيق الدولية هي مجموعة من الإرشادات والمقاييس تتشابه مع القوانين في أسلوب صياغتها وفعلها التنظيمي، ولكنها لا تصدر عن جهة تشريعية وطنية، وإنما تصدر بالتراضي العلمي والفني بين ممثلي الدول المختلفة من المهتمين بالتراث الثقافي من منظمات وجمعيات وطنية ودولية، وتعد هذه المواثيق خلاصة الفكر والعلم والخبرة الدولية، ويتميز التكوين العام للميثاق الدولي باحتوائه على شتى عناصر الحفاظ كمنظومة متكاملة فهو يهتم بالحفاظ على مجمل قيم الأثر سواء كانت قيم مادية أو معنوية أو رمزية وفنية.

 

 

 وتعتمد قدرة الحفاظ في المواثيق الدولية بشكل أساسي على اتساع وشمولية إلمام الميثاق بالعناصر المادية والتنظيمية المحاصرة لمسببات التلف للمباني الأثرية وعناصرها الفنية، حيث ركز الميثاق الدولي لمؤتمر البندقية عام  1964([4]) على أنه من الضروري أن تجرى صيانة المباني التاريخية على أساس ثابت،وأن تسهيل صيانة المباني يتم دائماً عن طريق الأستفادة منها لبعض الأغراض المفيدة، ويجب عدم تغيير مخطط أو زخرفة المبنى، وأن صيانة أي مبنى تاريخي يتضمن الحفاظ على أي تركيب داخل المخطط، وحيثما وجد موضع تقليدي فيجب الاحتفاظ به، وعدم السماح بإقامة بناء جديد أو هدم أو تحوير من شأنه أن يغير من علاقات الكتلة واللون، وأن أي مبنى تاريخي غير قابل للانفصال عن التاريخ الذي يقف شاهداً له وعن المكان الذي يوجد فيه، وأن نقل كل أو جزء من النصب لا يمكن السماح به إلا عندما تتطلب حماية النصب ذلك، أو عندما تبرر ذلك المصالح الوطنية أو الدولية ذات الأهمية القصوى.               

وتبرز أهمية هذا البند من ميثاق مؤتمر البندقية في ضرورة وضع أسس لصيانة المباني وعناصرها الفنية والتاريخية، وأن هذه المباني يمكن الاستفادة منها في الأغراض المفيدة. عن طريق توظيفها وقد تم توظيف كثيراً من المباني في بعض الأغراض مثل استخدام الدور الأرضى بمنزل الهراوى كبيت لفرقة العود العربي، حيث يتم استخدامهم للمندرة التي تفتح على الفناء، رغم أن بها عناصر فنية وأثرية هامة مثل الأسقف المزخرفة، وكذلك الدواليب الحائطية، فهي تعتبر حجرة للتدريب على أنواع الموسيقى، كذلك تستخدم قاعة الدور الأرضي بما فيها من دواليب حائطية وأسقف خشبية مزخرفة والشخشيخة والدور قاعة والإيوانين اللذان يرتفعان عن الدور قاعة، فهي تستخدم في التدريب على الموسيقى، وكذلك إقامة الحفلات بهذه القاعة, كما يستخدم الفناء للدور الأرضي في الموسيقى، كما استخدم منزل زينب خاتون كمقر لتفتيش منطقة الأزهر والغورية، وقد ركز هذا البند من الميثاق على أن نقل كل أو جزء من النصب لا يمكن السماح به إلا عندما تتطلب حماية النصب ذلك، وهذا ينطبق على نقل الصور الجدارية من منزل الست وسيلة، عندما علم موري والبعثة الفرنسية أثناء أعمال الترميم لمنزل الهراوى، أن هذه الصور تتدهور حالتها نظراً لسقوط الجدران فأسرع بنقلها وتخزينها في إدارة الترميم الدقيق بالقلعة حيث أن التخزين في هذه الحالة يعتبر نوعاً من الحفاظ على هذه الصور الجدارية وقد عنيت بعض المواثيق بالصيانة والحفاظ على المباني الأثرية، فنجد أن ميثاق بورا ([5]) Burra charter 1976، قد ذكر أن الصيانة هي كل العمليات التي تعتني بالأماكن الأثرية لحفظ أهميتها الثقافية,

ويدل هذا البند من الميثاق على أن العناية بالأماكن الأثرية مثل  المبانى الأثرية الإسلامية أمرا غاية في الأهمية حيث تتمثل العناية بالمبنى في عمليات التنظيف والصيانة الدورية والصيانة العلاجية (الإصلاحية) لكل عنصر ينتمي إلى المبنى بدءا من العناية بترميم أي من أجزاء المبنى أو إصلاح مرافق المبنى مثل دورات المياه ومواسير مياه الشرب وغيرها من الإضاءة والكهرباء وخلافه، وقد عنى كذلك المعهد الأمريكي بالصيانة وذكر أنها كل العمليات المتخصصة للحفاظ على التراث الثقافي للمستقبل، وتتضمن نشاطات الصيانة الاختبارات والتوثيق والعلاج والصيانة الوقائية معتمدة على الأبحاث والتعليم.

كما عنى مؤتمر نارا باليابان 1999م Nara conference بالصيانة وقد أكد على أنها تعنى كل الجهود المبذولة والمخططة لفهم التراث الثقافي ومعرفة تاريخه ومعرفة المواد الأثرية وإرشادات الأمان وإظهار وترميم وتأكيد التراث الثقافى (مفهوم التراث الثقافي المتضمن الآثار ومجموعات المباني والمواقع التراثية المفضلة) ([6]) ويضيف ميثاق لاهور بضرورة العناية بالصيانة الدورية للمبنى الأثري، ويؤكد على صيانة البيئة المحيطة بالمبنى، ويرى الميثاق أن صيانة المناطق التاريخية يجب أن تكون وفقاً لقواعد وأسس علمية مدروسة، أما اليونسكو فيرى أن الصيانة هي تدابير وقائية وإصلاحية وتدابير تحددها التشريعات، وأن الصيانة تستهدف الحفاظ على المظهر التقليدي والحماية من كل بناء أو إعادة تشكيل والتي قد تختل بسبب علاقات الأحجام والألون القائمة بين الأثر والبيئة، ويرى اليونسكو أن الصيانة تتضمن هدم الذي لا قيمة له وإزالة الإضافات الغير أصلية، ويركز الميثاق الاسترالي ( ميثاق بورا) على أن الصيانة هي عمليات العناية بالأثر من أجل الإبقاء على المغزى الثقافي، كما يرى أن مفهوم الصيانة يشمل الحفاظ والترميم وإعادة البناء والتأهيل، ويجب أن تكون الصيانة في أقل قدر ممكن من التدخل مع بقاء المنظور من حيث المقياس والألوان والتراكيب والخامات، ويؤكد هذا المفهوم على أن الصيانة تعتمد على دراسة خواص الآثار وتأثير الظروف المحيطة عليها، حيث تتعرض للتفاوت الكبير في درجات الحرارة والرطوبة النسبية([7]).

أما الصيانة المتعاقبة فهي تعنى بإزالة التراكمات من التلف الذي قد علق بالمادة الأثرية سواء في القشرة السطحية للأثر من جراء التغيير الكيميائي نتيجة تعرضها للعوامل الجوية أو الملوثات ، وهذه الصيانة تعمل على حماية الأثر تدريجياً، ويمكن أن يتم هذا النوع من الصيانة كل شهر([8])، وهى تشبه الصيانة الدورية، وهذه الصيانة تعمل على تقليل الحاجة إلى أعمال الترميم الجذرية، وتحمى المبنى وعناصره من أخطار التأثيرات المناخية والتلوث الجوى ، كذلك فإن حماية المبنى وعناصره من أخطار الحريق والاهتزازات وأخطار المياه والصرف الصحي هي من أهم أنواع هذه الصيانة، حيث أن أي تأجيل في هذا النوع من أنواع الصيانة، يمكن أن لا يسبب ضرراً فورياً، ولكنه يؤدى إلى التحلل البطئ للمواد الأثرية، فمثلاً انفجار مواسير مياه الشرب بالشارع الموجود به منزل زينب خاتون، قد أدى إلى دخول المياه إلى الغرفة المجاورة للمدخل، وهى غرفة مبنية من الحجر الجيري، وقد أدى ذلك إلى تحلل القشرة السطحية للحجر بالإضافة إلى ظهور الأملاح على سطح هذه الأحجار بعد جفاف هذه المياه؛ كذلك فإن الحواصل الموجودة في الدور الأرضى بمنزل الست وسيلة تتعرض لمياه الصرف الصحي نتيجة لأن المبنى المجاور خلف هذه الحواصل توجد به مشاكل للصرف نظراً لضيق مواسير الصرف أو الاستخدام الخاطئ، مما يؤدى إلى سقوط طبقات الملاط وزيادة الرطوبة الدائمة والمستمرة لجدران الحواصل .

بالرغم من أن مبنى منزل الست وسيلة قد تم ترميمه كاملا من سنوات قليلة , وهذا يؤكد على ضرورة دور الصيانة الوقائية لمنع التلف وقطع مصدره قبل أن يبدأ حتى لا نلجأ إلى أعمال ترميم كاملة عالية التكاليف , والأمثلة على التلف الذى يحدث بعد أعمال الترميم كثيرة والتى تتضح فى كثير من مواد الأثار مثل الأخشاب بمبنى منزل زينب خاتون والتى قد حدث لها جفاف بسبب قلة التهوية بالقاعة الكبرى , وكذلك بسبب زيادة مواد التقوية وتكرارها على المواد الأثرية بما يؤدى إلى جفافها..وسنذكر فى فصل عوامل التلف أسباب وعوامل التلف الدائمة على الأثر والتى يجب تقليلها أو منع مصدر التلف على هذه المواد الأثرية,ويؤكد تومسلاف ماراسوفيج 1985على أن  أخطار مياه الصرف على المباني الأثرية تمثل خطراً كبيراً على مواد البناء.

أما صيانة الحفاظ فقد عني بها ميثاق أثينا(1931Athien Charter([9] بأنها تتم وفقاً لإجراء نظم وقاية دائمة ومنتظمة للحفاظ على الأبنية بهدف تجنب المخاطر ويشمل ذلك الحفاظ على المدن التاريخية بتناسق وتناغم الإنشاءات الحديثة المجاورة لها وإبعاد المصالح العامة والخاصة والمصانع المسببة للضوضاء والمباني المرتفعة التي من الممكن أن تحيط بالمبنى الأثري وتحجبه، ويتفق ميثاق المدن التاريخية في مفهوم صيانة الحفاظ ولكن يؤكد على ضرورة التسجيل الدقيق قبل إجراء أي عمليات للحفاظ بالإضافة إلى تدابير الحفاظ داخل المدن التاريخية من التحذير من مخاطر سير المركبات والاحتياطات المطلوبة لحماية المباني التاريخية من الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والبراكين والفيضانات، ويتفق اليونسكو على هذه المفاهيم ويدعو إلى ضرورة اتخاذ تشريعات صارمة من أجل الحفاظ على التراث المعماري، أما الميثاق الأوربي فيتفق مع كل هذه المفاهيم ولكن يدعو إلى ضرورة الحفاظ على التراث من أخطار التلف الناتج عن عدم الوعي والإهمال والترميم الخاطئ أو لصق إعلانات على المباني الأثرية، كما حدد القانون أن من أهم مهام السلطة المختصة بالآثار هو حق الإشراف والسماح للمشروعات التي تقام في المناطق القريبة من المناطق الأثرية، ووقف ما تراه  ضاراً بالأثر بالاستعانة بالسلطات الأمنية، ويعرف الميثاق الاسترالي الحفاظ على أنه صيانة للمباني على الحالة المتواجد عليها ومنع التلف ويكون ذلك مناسباً عندما تكون الحالة المتواجد عليها المبنى الأثري جيدة ومستمرة كدلالة على مغزى ثقافي معين أو يحتاج المبنى إلى ترميم ولكن لم توجد الأدلة الكافية للترميم، وقد يشمل الحفاظ تقوية وتدعيم وتثبيت الأجزاء الضعيفة، أما الميثاق الكندي فهو يعنى بالحفاظ على أنه كل الأعمال التي تتم لمنع التلف ، حيث تشمل هذه الأعمال السيطرة على البيئة المحيطة وظروف الاستخدام، ووضع أعلى المعايير  للعرض والتناول للمبنى الأثري، وكلمة maintain والتي تعنى الحفاظ والصيانة والتي يقصد بها الحفاظ على الآثار في الظروف الموجودة بها من أي تأثيرات.             

[1]- Bernard Fenden: preservation & conservation for historical buildings, oxford, 1994 p.3.

1- Bernard Fenden : Ob. Cit. 1994 , PP. 7-8.

2 -  Madrid 1904 : international congress of architects

-The Venice Charter :International Charter For The Conservation and Restoration of Monuments and Sites 1964  3

1-The Burra Charter :The Australia ICOMOS Charter for The Conservation of places of Cultural Significance 1976

1- Nara conference on authenticity in relation to the world heritage convention, held at Nara, Japan from 1 – 6 November 1999.

2- عبد المعز شاهين: طرق صيانة وترميم الآثار والمقتنيات الفنية – الهيئة العامة للكتاب 1975 – ص 7 - 9.

[8]  -Reginald, Lee : Building maintenance mangment – Report about Grosby wood staples .

- Atheien Charter : Neil Grieve The Urban Conservation Glossary 1931                            [9] 1

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.