كاسل الحضارة والتراث Written by  آذار 06, 2020 - 327 Views

الحُلّي الهندية فى العصر المغولى

Rate this item
(2 votes)

كتبت د. شيماء محمد يوسف

باحثة دكتوراه – جامعة أسيوط

     ترجع تقاليد الحُلّي الهندية إلى أكثر من خمسة آلاف عاماً [1]، فعرفت الهند صناعة الحُلّي والمجوهرات واصبحت فناً بقدر ما هى صناعة ، وأتقنها الهنود بكل مجالاتها من ذهب وماس وأحجار كريمة [2].

      وليس من قبيل المبالغة القول بأن الحُلّي الهندية فى وفرتها،  واختلاف تصميماتها ، وارتباطها بالعادات الاجتماعية، والطقوس الدينية ، تنفرد على مستوى العالم اجمع[3] .

      وكان هذا من خلال فكرة الجمال التى سيطرت على أهل الهند  ، فقد حوت الآداب الهندية تسجيلاً لستة عشر أسلوباً يمكن للمرأة أن تستخدمها فى التجميل أطلق عليها مسمى  " شرينجار " ، وقد اعتمدت "الشرينجار" على أساليب رئيسية للتزيين تتضمن أكاليل الزهور و الحُلّي والملابس والمساحيق المختلفة التى توضع على الأذرع والسيقان ، وتضم الكتابات القديمة حصراً للحُلّي بدءاً بما تحمله الضفائر وحتى أخمص القدم ، والتى يجب أن تُرتدى وفقاً للوصايا المذكورة [4] .

      وتعد الحلي الهندية بالفعل جزء أصيل من الثقافة الهندية ، ولذلك كان من الطبيعى أن ترتبط الحُلّي بالرجل بقدر ما ارتبطت بالمرأة  ، وإن كان الرجل قد استخدمها على نحو اكثر اقتصاداً ، وقد ارتبطت كل مرحلة من مراحل حياة الفرد بقطعة بعينها من الحُلّي ، وهناك مراحل  يكاد يكون متفقاً على الحُلّي التى تستخدم خلالها ، مثل تسمية الطفل ودخوله مرحلة التعليم وتعميده ، وإنهائه مرحلة التعليم ثم زواجه ووفاته ، وتبدأ هذه السلسلة بثقب أذن الطفل لدى ولادته لوضع قرط بها ، ثم لف سلك رفيع من الذهب أو الفضة حول رسغه ، ثم عقد من الخرز حول رقبته  و يأتى بعد ذلك دور الخاتم فالقلادة [5].

     وظل ارتداء الحُلّي أمراً حتميا بالنسبة للهنود فى كل المناسبات المهمة ، خاصة كانت أم أسرية [6]، لذلك كان الإقبال عليها عظيماً [7]، وعلى الرغم من أن الحُلّي الهندية  تختلف اختلافاً واسعاً فى تصميماتها و اشكالها  ومادتها الخام ، فالأمر المثير أنها تظل فى نهاية  الأمر متموغة بهنديتها[8] .

     ولأن التزيين فن له جذور عريقة فى التراث الهندى ، فإن الحُلّي تعد أحد أساسيات ليلة الزفاف  بالنسبة للعروس فى الهند [9] ، فلا تكاد تترك جزءاً من جسدها دون قطعة حُلّي ، وهناك أشكال وتصميمات مختلفة من الحُلّي للشعر والوجه والجسد ، وهي ليست مصنوعة من مواد تقليدية مثل الذهب والفضة والأحجار الكريمة فقط ، ولكن أيضاً من النحاس ، والخشب والعاج والأصداف ، وهنا تبرز الاختلافات بين العادات والتقاليد المتبعة فى كل منطقة فى الهند [10].

       وعلى الرغم من ذلك التباين فإن هناك تفاصيل صغيرة تكاد تكون مشتركة بين جميع العرائس من مختلف الخلفيات الثقافية[11] ، فوفقاً للتقاليد أن لكل عروس مجموعة من المجوهرات  أساسية كالقرط ، السلسلة ، العقد والخلخال [12] .

       ونلاحظ أن العروس فى المناطق الجنوبية من الهند ترتدى حُلياً شبيهة بتلك التى ترتديها الراقصات فتزين قدميها بالخلاخيل الرنانة ، ومعصمها بعدد من الأساور، وترتدى فى أصابعها خواتم يتصل كل منهما بسلسلة تجمعها فى منتصف كفها الخارجى قطعة واحدة من الحُلّي المصنوعة من الذهب ، ومثل الراقصات الكلاسيكيات تصبغ هذه العروس قدميها ويديها بلون أحمر قانى [13].

        و الحُلّي التى تعطى للعروس عند زفافها تصبح قانوناً ملكاً لها ، ويطلق عليها " ستدريدهان "[14] أو ثروة المرأة ، ويتوجب أن تضم حُلّي العروس مشغولات من المواد الأولية مثل الخرز الأسود والمحار والحديد والنحاس وغيرها مما يعد فالا حسناً ، رغماً عن أن هذه المشغولات تبدو كما لو كانت تنتمى لعهود سحيقة[15] .

       وقد ربط الهنود الحُلّي بحياتهم اليومية ومعتقداتهم [16] ، فأنفردوا أنهم لم يتركوا جزءاً من أجزاء الجسم إلا وإبتدعوا له ما يجمله ، كانت هناك حُلّي حول الرقبة والذراعين والكاحل ، وفى الأذنيين وأصابع اليد وأصابع القدم وللرأس والشعر[17].

      ولم يكن غريباً أن تزدهر صناعة الحُلّي فى الهند ، فقد توفر فى مناجمها العديد من الأحجار الكريمة كالماس ، المرجان ، كما شقوا الأحجار والصخور للعثور على الخرز والفصوص الثمينة كالياقوت الأزرق  كذلك وجد بها اللؤلؤ ، الأصداف ، العاج والمعادن المختلفة [18].

       ولقد اهتم الإمبراطور اگبر ( 963 – 1014 هـ / 1556 – 1605 م )   اهتماماً شخصياً بتشكيل طرز الحُلّي المختلفة ، والتى يتضح فيها التأثيرات الإيرانية والهندية معاً [19].

      وترك الإمبراطور جهانگير( 1014 - 1037 هـ / 1605 – 1627 م ) مقداراً ضخماً من ثروته تحتوى على سبائك متعددة ، وكان يحتوى مخزن السلاح على سيوف مرصعة مقابضها بالجواهر ، كما كان هناك بين أثاث البلاط ثلاثة عشرً مقعداً من الفضة الصلبة وخمسة من الذهب ، وأعدت للملوك خمسة عروش فاخرة اثنان من الذهب وثلاثة من الفضة، أما الإمبراطور نفسه فكان يستعمل سبعة عروش مرصعة بالجواهر لا تقدر بثمن[20] .

        وربما كان أعظم الأباطرة فى هذا المجال هو الإمبراطور شاه جهان ( 1037 – 1069 هـ / 1628 – 1658 م ) الذى كان له حق الاختيار الأول من أغنى منجم جواهر فى الهند - جولكندا- وما كان يريده فقط كان يسمح بتداوله فى الأسواق ، وكان كبار تجار الجواهر يحضرون مصنوعاتهم الجميلة إلى شاه جهان ليفحصها بصفته أعظم خبير فى هذا المجال ، وكان حكمه نهائياً فى عالم الجواهر فى ذلك الحين ، وحتى عندما سجنه ابنه أورنگزيب كانت ترسل إليه الأحجار الكريمة فى السجن الملكى ليقدر قيمتها [21].

        ومن المعروف أن  الإمبراطور اورنگزيب ( 1069 – 1118 هـ / 1659 – 1707 م ) كان متعصباً للدين الإسلامى ، لذلك منع استخدام الحُلّي الذهبية لأفراد الأسرة المالكة ، وكان يفضل بدلاً من ذلك استخدام أحجار الجاد (اليشم /اليشب ) للحُلّي الملكية وكانت ترصع بالماس ، الياقوت ، الزمرد واللؤلؤ ، فكان يفضله ويعتبره مطابقاً لتعاليم الإسلام [22] .

        أما فى عهد خلفاء أورنگزيب فقد اضمحل الفن فى هذه الفترة شأنه شأن الإمبراطورية المغولية نفسها [23] ، و مع تدهور الدولة ترك صناع الذهب مصانع البلاط واتجهوا للعمل فى الولايات التابعة للأمراء مثل حيدر آباد ، جايبور ، البنجاب وغيرها ، واستمروا فى صناعة الحُلّي وفقاً لتقاليدهم حتى نهاية القرن العشرين[24] .

1] -  Krishnan ( Usha .R.B ) & Kumar ( Meera .S ) , Dance of  The  Peacock – Jewellery Traditions Of India ,

India Book House , 1999 , p. 12 .                                                                                                                               

[2] - عبد الكريم ( منى ) ، صناعة الحلي فى الهند ، مجلة صوت الشرق ، العدد 440، مايو – يونيه 2004م ، ص 18.

[3] - ديفى ) كاملا ) ، المشغولات اليدوية فى الهند ، ترجمة مأثر مرصفى ، مجلة صوت الشرق ، العدد 932 ، نوفمبر – ديسمبر ، 1996م ،  ص 17 .

[4] - داس ( مونيكا ) ، فن الجمال – المرأة فى الأعمال الفنية القديمة  ، ترجمة مآثر المرصفى ، مجلة صوت الشرق ، العدد 383 ، سبتمبر –  أكتوبر 1995 م ، ص 13.

[5] -  ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 17 ، 18.

[6] -  ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 18.

[7] - حسن ( زكى محمد ) ، مكتبة النهضة المصرية ، الطبعة الأولى ، 1948 م ، ص 580 .

[8] - عبد الكريم ، صناعة الحلي فى الهند ، ص 18 ،  ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 18 .

[9] - رستم ( محمود ) ، عادات وتقاليد الزواج فى الهند ، مجلة صوت الشرق ، العدد  432، يناير ـ فبراير ، 2003 م  ، ص 35 .

[10] - سيدانا (  ملك راج  ) ، رموز الزواج فى الهند ، ترجمة مآثر مرصفى ،مجلة صوت الشرق ، العدد 428، مايو – يونيو 2002م ،ص 32.

[11] - سيدانا ، رموز الزواج فى الهند ، ص 32 .

[12] - Krishnan & Kumar, Dance Of  The Peacock , P 142      

[13] - سيدانا ، رموز الزواج فى الهند ، ص 34 .

[14] -  Krishnan & Kumar, Dance Of  The Peacock , P 143

[15] - ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 18.

[16] - عبد الكريم ، صناعة الحلي فى الهند ، ص 18 .

[17] -  ديفى ، المشغولات اليدوية  ،  ص 17 .

[18] -  عيسى ( مرفت محمود ) ، المرأة فى التصوير المغولى الهندى والمحلى المعاصر ، دراسة لملامحها ، أزيائها وزينتها ، ندوة اللآثار الإسلامية فى شرق العالم الإسلامى ،1998م ، ص 553 .

[19]-Akhtar ( Nasim ) , Islamic Art of Indian , Islamic Arts Museum Malaysia , 2002 ,p 153.

[20] - زكى ( عبد الرحمن ) ، الحلى فى التاريخ والفن ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، الطبعة الثانية ، يوليو ، 1998م ، ص 121 .

[21] - زكى ، الحلى فى التاريخ ، ص 120 .

[22]-Akhtar, Islamic Art of Indian ,p. 154 .

[23] - الندوى ( مسعود ) ، تاريخ الدعوة الإسلامية فى الهند ، الدار العربية للنشر ، بيروت ، 1951 م ، ص 135.

[24]-Akhtar, Islamic Art of Indian ,p. 154 .

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.