د.عبدالرحيم ريحان

د.عبدالرحيم ريحان

مستشار عام لشئون الحضارة والتراث بمجموعة كاسل جورنال ورئيس اللجنة العلمية التاريخية بمجلة كاسل الحضارة والتراث

تراث مدينة رشيد من منظور جديد

تلك هى رسالة تتوجه بها المهندسة المعمارية  بسمة شاهين ( الباحثة بمركز فاروق الباز للاستدامة ودراسات المستقبل بالجامعة البريطانية فى مصر) من خلال دراسة لرسالة الماجيستير الخاصة بها بعنوان " نحو منهجية مقترحة لدراسة مدينة رشيد كمنطقة تراث مختلط لتأهيلها للتسجيل على قائمة التراث العالمى"

رشيد المدينة التاريخية العريقة التى كانت شاهدة على العديد من اللحظات التاريخية المؤثرة فى كتابة تاريخ البشرية وفك رموزها.المدينة التى تعتبر متحفا مفتوحا للعديد من المبانى الأثرية التى يعود تاريخها للعصر الاسلامى العثمانى برصيد 38 مبنى أثرى منهم 22 منزلا و14 مسجد وحمام عام وطاحونة وغيرهم .كثيرا ما تناولها الجميع من الناحية التاريخية مع دراسة وتحليل لمفردات هذه المبانى التراثية وكيف يمكن المحافظة على تراثها .

ولكن عندما تسير بين شوارعها لا تجد فقط نمطا مميزا من البناء بل تجد نسيجا انسانيا متداخلا مع النسيج العمرانى للمكان. تسير بين الأروقة والأزقة لتجد صيادا  يسير الى جوارك ومزارعا يقف أمام ورشة صانع الكراسى والاقفاص ومجموعة من العمال يرتاحون قليلا من تعب تصنيع اليخت الكبير على الضفة المقابلة للمقهى الصغير. وهنا يتبادر الذهن أكثر من سؤال ؛ كيف حدث هذا التلاحم الشديد بين الانسان وبين الطبيعة المحيطة؟ هل هذا الامتزاج مستحدث أم أنه منذ النشأة؟ هل يمكن فصل هذا الانسان الرشيدى عن هذه البيئة المحيطة ويظل يحمل هذه الهوية المعاصرة الممتزجة بروح الاجداد وثقافاتهم المنبعثة من بقايا إرثهم المتواجد حاليا بين صفوف المبانى الحديثة؟

أصبحت الاجابة ملحة بعد كل زيارة قامت بها المهندسة بسمة عبد الحميد منذ أن كانت طالبة فى كلية الهندسة جامعة المنصورة  لمدينة رشيد ولم يقتصر التساؤل على الحيرة مع الاندهاش ولكن تحول الى بحث ودراسة وتحليل لمعطيات المدينة ومقوماتها لمعرفة ما الطرق المناسبة للحفاظ على هذه المدينة المنسية بين طيات الحاضر نظرا لما بها من طابع خاص مميز لها. وهكذا تحولت المهندسة بسمة إلى باحثة وطالبة للماجيستير فى الحفاظ على التراث بجامعة طنطا. بالمزيد من البحث تفاجأت الباحثة بأن المدينة تمتلك أحد أهم الفرص المجمدة -التى من شأنها أن تغير من الخريطة التنموية لمنطقة رشيد- وهى الترشح للتسجيل على قائمة التراث العالمى كتراث ثقافى منذ 19 عام ولكن لم يتم اتخاذ اى خطوات جادة للتسجيل بالفعل حتى الآن.

  

ومن هذا المنطلق بدأ التركيز على هذه الفرصة التى لا تعوض وبالدراسة المتعمقة لاتفاقية التراث العالمى وأيضا لمدينة رشيد وتاريخ نشأتها تاريخيا و جغرافيا وانسانيا تم ملاحظة التفاعل المباشر  بين الانسان وثقافته والبيئة المحيطة به منذ نشأة المدينة وحتى الآن. وهذا التفاعل هو ما أوجد نظرة جديدة لتراث منطقة رشيد من منظور المشاهد الثقافية والتراث المختلط (Cultural LANDSCAPES) وليس فقط الارث الثقافى المتمثل فى مجموعة المبانى التاريخية فى قلب مدينة رشيد بل يتعداها لمنظور اشمل يجعل من كل شبر فى هذه المنطقة إرثا ثمينا يجب المحافظة عليه لانه لو تم اهماله  سيختفى وتختفى معه هذه المدينة العريقة.أسفر هذا المنظور الجديد عن رسالة ماجيستير بعنوان" نحو منهجية مقترحة لدراسة مدينة رشيد كمنطقة تراث مختلط لتأهيلها للتسجيل على قائمة التراث العالمى"

Towards a Proposed Methodology for Studying the City of Rashid as a cultural landscape Area to Qualify for Registration on the World Heritage List

وهكذا تم تحديد المشكلة البحثية وهى " ترشيح مدينة رشيد وبالتحديد مركز المدينة القديم للتسجيل على قائمة التراث العالمى كتراث ثقافى فقط منذ 19 عام مع أنها تمتلك المؤهلات والمقومات التى تعطيها بعدا أفضل وتصنيفا أدق كمنطقة تراث مختلط او كمشهد ثقافى وفقا لتوصيف اليونسكو " ليكون الهدف البحثى هوتحديد هذه المقومات والمؤهلات ودراستها للتأكد من تحقق هذه الفرضية. ومن ثم فإن الاضافة العلمية التى يطرحها البحث هو دراسة المناطق التراثية بمفهوم أشمل والوقوف على مقوماتها فالفهم الصحيح للموروث التاريخى والتصنيف الصحيح له هو المفتاح الاساسى فى عمليات ادارة الحفاظ الناجحة.وبالتالى فعند وضع خطط الحفاظ لمدينة رشيد على سبيل المثال لن يتم المحافظة فقط على المبنى الأثرى واعادة ترميمه ولكن النظر بعمق للمشاكل الاخرى فى المحيط العمرانى للمبنى حتى لا يتكرر أن يتم الانتهاء من ترميم أحد المبانى ثم انهياره فجأة او غرقه بالمياه الجوفيه او مياه الصرف الصحى.

 

واتخذ البحث من المنهج التحليلى المقارن وسيلة لدراسة مفهوم المشاهد الثقافية وتحليل بعض المواقع التى تم تسجيلها على قائمة التراث العالمى تحت هذا التوصيف ثم تحليل مدينة رشيد ومقوماتها الطبيعية والتاريخية وصولا الى بعض النتائج التى تثبت صحة هذه الفرضية مع استخلاص اهم النقاط التى طرحها البحث ووضع بعض التوصيات المتعلقة بالحفاظ على التراث عامة و بمدينة رشيد خاصة.

وقبل الغوص فى التفاصيل الاخرى للرسالة وجب توضيح بعض المفاهيم التى يطرحها البحث وأهمها هو الفرق بين التراث الثقافى والمشاهد الثقافية كما عرفتهم اتفاقية التراث العالمى وبناء على اى شىء يتم اختيار المواقع التى تسجل على قائمة التراث العالمى. يمكن لأى دولة ان ترشح ما تراه مناسبا من ممتلكاتها التراثية للتسجيل على القائمة اذا كان يحقق معيار واحد على الاقل من معايير الأهمية العالمية وهى 10 معايير منها6 معايير تختص بالمحددات الثقافية و4 منها تختص بالمحددات الطبيعية ان صح التعبير. وتصنف الاتفاقية التراث الى تراث ثقافى وتراث طبيعى وتراث مختلط يجمع مابين الاثنين السابقين والمشاهد الثقافية. ويكمن الفرق بين التراث الثقافى والمشاهد الثقافيه بالتحديد فى أن التراث الثقافى يطلق على ( الآثار او مجموعة مبانى تراثية او موقع تراثى بالمحيط الخاص به ) اما المشاهد الثقافية فتطلق على الموقع الذى ينشأ على التفاعل بين الانسان وبيته المحيطة ومنتجا لبعض الموروث الثقافى الخاص بهذا المكان ويكون المجتمع مؤثر ومتأثر بالبيئة المحيطة) أى أن هناك مستوطنة بشرية قامت من تفاعل الانسان ذو ثقافة معينة وحقبة تاريخية معينة وانتجوا بعض المبانى المعبرة عن هذا الموروث ومازال هناك تفاعل بين الانسان وهذه البيئة فى هذا المكان.وقد تم استعراض المفاهيم المتعلقة بالتراث والحفاظ على التراث  وادارته واتفاقية التراث العالمى وبعض المواثيق الدولية لحفظ التراث فى الفصل الثانى من الرسالة.

وتوضيحا لتلك المفاهيم السابقة بشكل افضل تم عمل تحليل لثلاثة نماذج من المواقع التى تم تسجيلها بالفعل على قائمة التراث العالمى والتى تصنف بأنها مشاهد ثقافية وهى كالاتى: وادى لوير بفرنسا ومنطقة هرار بأثيوبيا ومنطقة  ساحل سانك تيرا والجزر الثلاثة بايطاليا. وقد تم اختيار هذه النماذج لعدة اسباب تشابهها مع منطقة رشيد من عدة نواحى سواء كان بعض محددات الموقع كالاطلالة على عنصر مائى كالنهر او البحر او بعض المحددات الثقافية كالتأثربحضارة معينة او التشابه فى نمط التعامل مع البيئة المحيطة وكذلك أيضا التشابه فى بعض معايير الاهمية العالمية.وقد تم تحليل هذه الامثلة بنفس الطريقة وهى ذكر بعض المعلومات الاساسية عن كل مثال مثل الموقع وسنة التسجيل ومعايير الاهمية العالمية التى يحققها ثم يتبعهم تحليل لتأثير العناصر الطبيعية على المجتمع المحلى وماهى المظاهر الثقافية والتاريخية التى تمثل هذا الموقع وصولا الى شرح الاهمية العالمية للموقع وفقا لتقرير اليونسكو عنه. وفى الفصل التالى تم عمل تحليل خاص بمنطقة رشيد بنفس التسلسل الذى تم فى تحليل الامثلة السابقة  مع ذكر الخلفية التاريخية للمدينة وشرح معايير الاهمية العالمية التى تحققها رشيد كما اوصت الاتفاقية وهى المعايير التالية (ii , iv ,v). وقد تم استخلاص مجموعة من الجداول التى توضح اوجه التشابه بين النماذج الثلاثة وبين مدينة رشيد وما يعزز فرضية البحث أيضا.

وهذا ما قد دلت عليه نتائج البحث فالنتائج المباشرة تؤكد أن هناك تفاعل مستمر بين الانسان فى رشيد منذ بدايتها الى الان وبين البيئة المحيطة نتيجة وقوعها على أحد فرعى النيل وهو فرع رشيد ولقربها الشديد من البحر المتوسط الذى تبعد عنه 15 كيلو متر,فالعنصر المائى كان وما زال وسيكون السبب الرئيسى فى نشأة واستمرار وانهيار مدينة رشيد أيضا.حيث كان لموقعها الجغرافى الاثر الاكبر فى جعلها ثغرا حربيا على البحر المتوسط لتنشأ كمدينة عسكرية محاطة بالاسوار والبوابات وتم انشاء قلعة قايتباى بها والتى لها أهمية تاريخية اخر لاكتشاف حجر رشيد بها وهو أحد أهم القطع الأثرية فى العالم.ثم تحولت لمدينة تجارية نظرا لموقعها أيضا ومرت بفترات ازدهار فى العصور الاسلامية التى جعلت من رشيد متحفا لنماذج العمارة الاسلامية من البيوت والمساجد وغيرها من المبانى  وأيضا مرت رشيد بفترات من الاهمال كثيرة وخاصة بعد تولى محمد على الحكم ومشاريع النهضة التى أحدثها فى النقل البرى والاهتمام بمدينة الاسكندرية بشكل كبير  الى أن أصبحت تم اهمال المدينة بالكامل بشكل كبير فى العصر الحديث وأصبح تراثها مهددا بالانهيار والاندثار هذا التراث الذى بنى من المادة المحلية وهى الطمى المستخرج من النيل ليصبح هو أهم السمات المميزة لعمارة مبانى مدينة رشيد "الطوب المنجور او الطوب الرشيدى".

ولم يقتصر التأثر بالبيئة المحيطة على العنصر المائى فقط بل ايضا تعامل الانسان الرشيدى الاول مع مناطق الكثبان الرملية التى وجدت بين مدينة رشيد وادكوا وكانت تغزو المنطقة العمرانية من خلال زراعة احزمة النخيل التى أصبحت اليوم غابة هائلة وكانت السبب فى تسمية رشيد ببلد المليون نخلة. وقد تم الاستعانة بخرائط زمنية توضح اتساع الرقعة الزراعية حول الجزء العمرانى للمدينة القديمة ولم يقتصر دور النخيل على مصدات للرمال فقط بل أيضا قامت عليها العديد من الحرف التراثية القديمة والتى مازالت قائمة حتى اليوم  فلا يخلو شارع من شوارع رشيد من بيت يصنع الاقفاص وقطع الاثاث وبعض الاغراض من جريد وسعف النخل وأيضا صناعة التمور وغيرها وكذلك حرفة الصيد التى ينتسب اليها اغالب اهالى رشيد وأيضا صناعة مراكب الصيد واليخوت فهى من أهم المناطق التى تقوم عليها هذه الصناعات فى مصر.

 

فهناك مجتمع قائم الان على ما تركه الاجداد من إرث عمرانى ومعمارى وما أبدعته الطبيعة من حولهم.وقد حققت منطقة رشيد معادلة المشاهد الثقافية فالانسان تأثر بثقافة معينة وطبيعة محيطة وأوجد موروث تراثى فى مستوطنة بشرية مذهلة بتاريخها وتقاليدها وثقافتها. ومن هنا كان أحد أهم النتائج والمخرجات الاخرى هو عمل تحليل رباعى (SWOT Analysis) للوقوف على نقاط القوة والضعف ودراسة المخاطر والفرص التى يمكن أن تؤثر وتتأثر بها المدينة.وقد خلص التحليل الى ان رشيد تمتلك العديد من المقومات الطبيعية والتاريخية كأحد أهم عوامل القوة وأن نقص العديد من الموارد والخبرات والدراسات وغيرها من سلسلة النواقص هناك هما اهم نقاط الضعف وان أحد أهم المخاطر التى تتعرض له المنطقة قبل المخاطر البيئية ( كارتفاع مستوى سطح البحر والنيل ما يعرضها لخطر الغرق) هو الاهمال هو أشد خطورة من الغرق المادى وصولا الى أهم الفرص التى يمكن أن تحقق نقلة نوعية لمنطقة رشيد وهو التسجيل على قائمة التراث العالمى والفرصة الاخرى التى من شأنها ان تساعد فى رفع الوعى بأهمية المكان وتأكيد لارتباط الانسان  بتراثه وهويته هى خلق قضية قومية يلتف حولها المجتمع المحلى لتخاطب المجتمع الدولى حول عودة حجر رشيد (أحد أهم القطع الأثرية فى العالم) من المتحف البريطانى الى موطن اكتشافه الاصلى وهناك بالفعل نداء تم اطلاقه فى 10 سبتمبر2021 لعودة حجر رشيد الى موقع اكتشافه ببرج رشيد ضمن المبادرة العلمية لعودة حجر رشيد وهى خطوة من ضمن خطوات مستقبلية لحملة حقوق حضارة لبناء حضارة التى قد اطلقها ويعمل عليها  الدكتور أحمد يحيى راشد وأخرون.

ثم انتهى البحث بوضع مجموعة من التوصيات المتعلقة بالحفاظ على التراث بمدينة رشيد من خلال وضع خريطة لمناطق التنمية المقترحة ثم وضع مجموعة من التوصيات العامة للحفاظ على التراث فى المناطق التاريخية  لكل المهتمين بهذا المجال. وهنا تكون التوصية الاهم هى الحفاظ على منطقة رشيد بالكامل (المدينة التراثية ومنطقة النخيل والكثبان الرملية ومناطق الصناعات الحرفية بها) والعمل على وضع خطط الحفاظ وخطط التنمية المستقبلية المدروسة بشكل أعمق للحفاظ على منطقة رشيد.الحث على زيادة الاهمية القومية للمدينة وتحسين الوضع السياحى هناك وتوجيه الاستثمارات الى تلك المنطقة بشكل أكثر فاعليه والتأكيد على توجيه العائدات السياحية لتنمية المجتمع المحلى وتحسين أداء مرافقه بالاضافة الى التسويق الجيد والمدروس للمنتجات التراثية الخاصة بالمنطقة.بالاضافة الى رفع وعى العامة بأهمية التراث لديهم  للحفاظ على هويتهم التراثية.

ولينتهى البحث بطرح هذا التساؤل " هل يمكن الحفاظ هلى تراث مدينة رشيد دون المحافظة على البيئة المحيطة بها؟ "

ولتبقى الاجابة بين سطور هذه الدراسة وبين سطور الابحاث الاخرى التى تدعم او ترفض هذه الاطروحة العلمية التى تعتبر مدخلا جديدا لدراسة المناطق التراثية والتى تحوى بين صفحاتها رسالة لكل قارىء

"انها مسئوليتنا المشتركة للحفاظ على تراثنا لتسليم إرثنا من الاجداد الى الاحفاد والاجيال المستقبلية فعلينا ان نحافظ على التاريخ وحقوق الحضارة"

وقد تم مناقشة الرسالة يوم الثلاثاء الموافق 1/2/2022 بكلية الهندسة جامعة طنطا بحضور مجموعة من الاساتذة من قسم الهندسة المعمارية بالجامعة وجامعات أخرى. وقد أثنى الاساتذة من لجنة الحكم والمناقشة على الرسالة وأعتبروها  على حد تعبيرهم "صرخة للحفاظ على منطقة رشيد المعرضة للخطر".

وتتوجه المهندسة بسمة شاهين بخالص الشكر والامتنان لكل من ساعدها فى انتاج هذا العمل بداية من المهندس كريم الدالى الذى حفزها للمضى قدما فى الرسالة وصولا الى الاساتذه من لجنة الاشراف الذين ساعدوها كثيرا فى هذا المشوار الشاق .فكل الشكر للاستاذ الدكتور أحمد عبد الوهاب والاستاذة الدكتورة شهيرة شرف الدين والاستاذ المساعد الدكتورة مى وهبة مدكور.كما تتوجه الباحثة بالشكر والتقدير للجنة الحكم والمناقشة على مجهودهم المبذول فشكرا للاستاذة الدكتورة لميس سعد الدين الجيزاوى والاستاذ المساعد الدكتورة نيفين يوسف عزمى.

كما تتوجه الباحثة بالشكر الخاص لأستاذها الاول للعمارة والمعلم الاول لمفهوم حقوق الحضارة وهو الاستاذ الدكتور أحمد يحيى راشد على دعمه المستمر للباحثة.

كاسل الحضارة تطالب بتعيين ملحق آثارى فى سفارات مصر بالدول المختلفة

أكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بمناطق آثار جنوب سيناء بوزارة السياحة والآثار أن مصر باعتبارها أكبر دول العالم فى الآثار كيفًا وكمًا لدرجة وجود علم خاص باسم مصر يطلق عليه "علم المصريات" ولا يوجد أى دولة فى العالم لها علم بإسمها لذا فهناك ضرورة لوجود ملحق آثارى بالسفارات المصرية خاصة فى الدول التى تقتنى آثارًا مصرية وتعرضها فى متاحفها وتستنسخها وتبيح بيعها فى المزادات العلنية علاوة على الدول السياحية الكبرى حيث ستكون مهمة الملحق الآثارى مهمة مزدوجة

وأضاف الدكتور ريحان بأنه فى حالة تعذر وجود ملحق آثارى تضاف المهمة للملحقين الثقافيين بسفاراتنا بالخارج         فمن ضمن مهامهم حاليًا متابعة ما ينشر في وسائل الإعلام مما يهم الدولة المصرية من الناحية العلمية والثقافية وإبداء الرأي حيالها ومعرفة الجوانب الحضارية والثقافية التي تكون محل اهتمام مشترك بين البلدين ومن أهم تلك الجوانب الآثار المصرية في تلك الدولة والاطلاع على تراث البلد المضيف والتعريف به للجهات المناظرة له بمصر علاوة على أنه حلقة وصل بين الجامعات المصرية ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي ونظيراتها في الدولة المضيفة ودور الملحق الثقافي هنا يستند الي مواد الدستور المصري المعنية بالحفاظ علي الإرث الثقافي الذي يشكل مقوم من مقومات الشخصية المصرية

ويقترح الدكتور ريحان أن تكون مهمة الملحق الآثارى والتى يمكن أن تضاف للملحق الثقافى فى حالة تعذر ذلك هى متابعة كل ما يخص ملف الآثار من تسجيل الآثار تراث عالمى باليونسكو ومتابعة الآثار المعروضة بالمتاحف وطريقة عرضها والحفاظ عليها وعمليات استنساخ الآثار واستخدام مفردات الحضارة المصرية علامات تجارية وعمل منتجات سياحية مستوحاة من الحضارة المصرية كما يحدث بالمتحف البريطانى وطلب احصائيات لإيرادات كل هذا لوضعه فى الحسبان حين وجود تكييف قانونى للمطالبة بحقوق حضارة ناتج عرض هذه الآثار وتسويقها فى المتاحف باعتبارها آثارًا مصرية بصرف النظر عن طريقة خروجها فالتسويق يتم على أساس مصريتها وبهذا تستغل الحضارة المصرية واسم مصر بشكل تجارى مما يعنى حقوق مادية نتيجة هذا الاستغلال وكذلك متابعة الاستنساخ ومدى مشروعيته والحقوق المادية المترتبة على التربح منه مع البحث عن صيغ قانونية لمنع هذا الاستنساخ واستغلال مفردات الحضارة المصرية علامات تجارية

ونوه الدكتور ريحان بأن مهمة الملحق الآثارى ستكون آثارية سياحية تتمثل فى دراسة السوق السياحى فى البلد المتواجد به وعمل خطة للترويج السياحى لكل مقومات السياحة المصرية بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار فى مصر وتكوين مجموعات سياحية من المرشدين السياحيين تتحرك فى كل مكان فى كل بلد لا يقتصر على المشاركة فى معارض وتعليق بوستات بل عمل فعلى ميدانى واحتكاك بالسوق السياحى ويتم تقييمه سنويًا من خلال عدد السياح القادمين من هذا البلد وعدد الليالى السياحة التى يقضونها فى مصر وبروتوكولات التعاون فى مجال الاستثمار السياحى

وأشار الدكتور محمد عطية هواش المدرس بقسم الترميم بآثار القاهرة وباحث دكتوراه في القانون الدولي الخاص إلى أن الملحق الآثارى بالخارج يجب أن تضاف إليه مهمة غاية فى الخطورة وهى إحصاء وتسجيل كل الآثار المصرية الموجودة فى هذا البلد داخل المتاحف وفى المجموعات الخاصة وصالات المزادات على أن تتضمن قاعدة البيانات التوصيف الأثرى الشامل بالرسومات والمساقط الرأسية والأفقية فى حالات الآثار المعمارية والرسم الأثرى فى حالات القطع الفنية وتوصيف الحالة الفنية بدقة ومقارنتها وقت خروجها ووقت تسجيلها وتاريخ خروج الأثر من مصر والسبب القانوني لخروجه هل بيع أم إهداء أم القسمة وغيرها وتوثيق أدلة ذلك القانونية من سندات تصدير أو موافقات وأى سندات تؤكد خروجه بطريقة شرعية من مصر وكذلك تسجيل وتتبع القطع الأثرية من حيث انتقالها من مالك لآخر ويجب تحديث هذا البيان باستمرار حيث تقوم صالات المزادات بالتلاعب فى هذه الجزئية لتضفى شرعية زائفة على الآثار المعروضة للبيع بالمزادات ويقوم بعمل قاعدة البيانات بمساعدة آثاريين وإخصائى ترميم ومهندسين من وزارة السياحة والآثار وقانونيين من المتخصصين فى القانون الدولى وكل هذا يتم بالتنسيق مع إدارة الآثار المستردة بوزارة السياحة والآثار

وأضاف الدكتور محمد عطية هواش بأن الدول التى تقتنى آثارًا مصرية تعرض فى متاحفها وخرجت بطرق مشروعة ستساعدنا بالطبع فى عمل قاعدة البيانات لأنه سيعطى شرعية للآثار المصرية بها وفى ظل الأوضاع الحالية والقوانين والمعاهدات الدولية  وتجاهل حقوق الملكية الفكرية للآثار فإنه لا يحق لمصر المطالبة بعودتها وهذا واقع دولى يستحيل تجاهله وفى نفس الوقت يكشف عن الآثار الأخرى التى خرجت بشكل غير شرعى وليس لها أى سندات خروج وخرجت فى ظروف تاريخية معينة مثل حجر رشيد وغيره والذى يحق لمصر المطالبة بعودتها ويكشف للعالم مدى تعنت هذه الدول فى رفض عودتها

وأوضح الدكتور محمد عطية هواش أن وجود الملحق الثقافي أو الآثارى ضمن فريق عمل قاعدة البيانات يعطي الصفة الرسمية لهذا العمل علي المستوي الدولي وأن مخاطبة الدولة المضيفة بتلك القاعدة البياناتية سيكون له مردود يتمثل فى التأكيد علي متابعة آثارنا في الخارج بصرف النظر عن طريقة خروجها شرعية كانت أم غير شرعية ويساهم فى عقد اتفاقيات ثنائية تعالج بعض مشاكل الإثبات الخاصة بملكية التراث علي المستوي الدولي

قصة صورة "رحلتى إلى اليونان"

سافرت فى منحة إلى اليونان عن طريق دير سانت كاترين ورغم أن قيمتها كانت قليلة جدًا عام 1996 كانت بما يعادل 1300 جنيه مصرى لكن مرتبى كان بالآثار أقل من 400 جنيه ووصل إلى 400 بعد عودتى من اليونان كنت خذت الدرجة الثانية الوظيفية أثناء سفرى وقبلتها أملًا فى الحصول على الدكتوراه مهما كانت الظروف ولأنها منحة خاصة من الدير ولم تأتينى عن طريق المجلس الأعلى للآثار فقد أخذت أجازة بدون مرتب من عملى وكان مطلوب منى دفع تأمينات ومعاشات حين عودتى مما زاد الأمور صعوبة فبعد سنتين كان مطلوبًا منى مبلغًا كبيرًا بالنسبة لدخلى فاكتفيت بدفع التأمينات والمعاشات ولم استطع الوفاء لصندوق الزمالة الخاص بالعاملين بالمجلس فقام بشطب اسمى وحرمانى من الحصول على ما دفعته سابقًا فى الصندوق وأصبحت حتى الآن من غير المشتركين فى الصندوق والذى يعطى مبلغًا لا بأس به بعد الخروج إلى المعاش والحمد لله على كل شئ فهو الرزّاق من حيث لا نحتسب

استقبال بحفاوة

سافرت إلى اليونان رغم كل هذه الظروف واستقبلنى مسئول دير سانت كاترين بمقر دير سانت كاترين بأثينا المسيو نيقولًا وكان أبًا لى ألجأ إليه فى كل شيء استقبالًا حافلًا وعرفنى كيف أذهب إلى جامعة أثينا صباح اليوم الثانى وأتعرف على أساتذة الآثار بنفسى وهم يعلمون أنى من طرف الدير وبالفعل تعرفت عليهم وعزمونى على الغذاء فى مطعم الكلية وأخذنا نتحدث عن الآثار وكنت اتحدث معهم الإنجليزية فلم اتعلم اليونانية بعد وارتحت لهم ولحديثهم وقالوا لى غدا اختبار قبول الدراسات العليا

وذهبت فى اليوم الثانى ووجدت أن من كان يجلسون معى هم أنفسهم من سيختبرونى وبالطبع كانوا قد أعلنوا النتيجة من الأمس فقد عرفونى جيدًا

تعلم اليونانية

وبدأت اليوم التالى فى دروس اللغة اليونانية وكان يدرس لنا معلم ومعلمة المعلم اسمه مينالاوس لشرح القواعد والمعلمة أفروديتى لشرح كيفية التحدث باللغة واستخدام الأغانى والموسيقى وهم شعب عاشق للموسيقى بشكل جنونى وكان الطلبة من جنسيات مختلفة عربية من مصر ولبنان وفلسطين وسوريا وأوروبية من النرويج وروسيا وأفريقية وكان الأكثر تفوقًا فى اللغة اليونانية هم العرب وكان من أنبغهم طالب لبنانى تعلم اللغة  فى لبنان قبل مجيؤه إلى اليونان وطالب مصرى اسمه عبد الرحيم ريحان لم يعرف شيء عن اليونانية إلا فى اليونان ورغم ذلك عشق اللغة وكان من المتفوقين هو والشاب اللبنانى والأكثر تجاوبًا مع المعلمين وكنت بأقاوح كثير مع المعلمة تقول “رف” باليونانى أقولها أصلها عربى تقول “خصابس” باليونانى وتعنى جزار أقولها أصلها عربى “قصّاب” تعنى جزار وهكذا كلمات كثيرة فقالت لى انت جاى تتعلم يونانى ولا تعلمنا العربى؟ قلتلها أنا  مش جاى من أى بلد دى بلد العلم والحضارة جاى أتعلم وأعلّم وهكذا كانت تحب مناوشاتى معها وكل ما تقول كلمة تقولى دى أصلها ايه بالعربى ولا الهيروغليفى

صدمة اختبار اللغة اليونانية

وكان اختبار اليونانية فى نهاية العام فى غاية الصعوبة الذى لم أتوقعها فلم يرد مما تعلمته من دروس وأخذته من كلمات فى الامتحان بل كله قطع جديدة ومفردات جديدة تعتمد فقط على القواعد الأساسية للغة وكان هناك اختبار تحريرى واختبار شفوى وفى الاختبار التحريرى صدمنى الامتحان ووجدت ضالتى فى موضوع الإنشاء والذى كان عن الإيجابيات والسلبيات التى شاهدناها فى اليونان ومن الطبيعى أن أنبرى فى كتابة الإيجابيات حتى أنجح فى اللغة ولكنى فعلت عكس ذلك فقد بدأت بالسلبيات والتى جاوزت ثلاثة أرباع الموضوع والإيجابيات أقل من ربع الموضوع قلت كده كده مش هنجح فى امتحان بالشكل ده لأنه تحدى مش اختبار

ثم تلاه الاختبار الشفوى وكان الممتحن هو صديقى العزيز مينالاوس وأمامه ورقة  إجابتى فى الامتحان التحريرى وهو الذى يدرس لى طوال العام  ويعرفنى جيدًا وأول حاجة قالها أنت جاى اليونان ليه؟ قلتله عشان احصل على الدكتوراه قالى واشمعنى اليونان؟ قلتله عشان جاتلى بعثة لليونان قالى ليه مش عاجبك إنى احنا بنعمل مظاهرات كثير؟ قلتله عشان بتعطل الحياة تمامًا وأنا عن نفسى كل ما اروح الجامعة ألاقى مظاهرة أخذها مشى للجامعة غير تأثيرها على اقتصادكم وأنا عشان بحبكم نبهتكم لسلبياتكم لأنى حسيت إنى فى بلدى ومحستش لحظة واحدة هنا إنى غريب ولا حسيت بمعاملة مختلفة إنى مسلم ودير سانت كاترين هنا هو بيتى الثانى

واكتفى بذلك واجتزت أول خطوة للحصول على الدكتوراه وهى اللغة

السكن بأثينا

على الجانب الآخر كانت المنحة لا تفى إلا بالإعاشة يدوب والأسعار كانت مش غالية قوى كانت العملة الدراخمة ولكن يستحيل أن أجد سكن ولو بكل قيمة البعثة فأقمت فى فندق لمدة 15 يوم استضافة من الدير ثم جاء بى للإقامة فى مكتب دير سانت كاترين نفسه بأثينا أمام السفارة الأمريكية وكان عبارة عن مكتب وحجرة للنوم وكنت أجلس مع مدير المكتب الأستاذ جورج بعد عودتى من الكلية لأذاكر على المكتب فحجرة النوم بها سرير فقط وكانت تأتى إلى المكتب تبرعات مالية من وقت لآخر ليقوم الدير بتوزيعها وفى البداية كان جورج حذرًا منى فهو لا يعرفنى ويضع أمامى كل هذه الأموال وبعد يومين فقط وجدته يترك كل الأموال أمامى على المكتب كما هى دون أن يضعها فى درج ويترك المكتب مفتوحًا فحمدت الله على هذه الثقة الغالية فى فترة وجيزة وحمدت الله على نعمة الإسلام الذى علمنى الأمانة والإخلاص وكانت نتيجتها محبة وثقة الناس

شقة فاخرة

وبعد فترة قلت لمسيو نيقولا أن إقامتى فى المكتب لا تتيح لى فرصة للمذاكرة ناس داخلة وخارجة ومش عارف ألآقى وقت كويس للمذاكرة كنت باروح أقرب حديقة وأذاكر هناك

فأبلغ مطران دير سانت كاترين قداسة المطران داميانوس متعة الله بالصحة والعافية فقام بإعطائى شقة فى أرقى أحياء أثينا منطقة كاليثيا قرب مطار أثينا وكانت شقة واسعة حولى 200 متر مربع مع أزمة السكن فى أثينا يسكنها جيلين وربما ثلاثة الجد والإبن والحفيد بأسرهم حيث أن السكن الغالب فى اليونان هو “جرسونيره” حجرة بمنافعها وهذا سكن معظم الشباب، وكانت الشقة مليئة بالأيقونات معلقة على الحوائط والأيقونات صور دينية مسيحية من الكتاب المقدس وسير القديسين والشهداء ولم أحرك حتى أيقونة من مكانها وكنت أمارس كل صلواتى داخل الشقة وختمت القرآن عدة مرات

بركات رجل مخابرات

كان لى زملاء الدراسة من عرب وجنسيات أخرى وأصدقاء آخرين غير زملاء الدراسة من الطلبة المبعوثين من أقسام اليونانى واللاتينى بكليات الآداب لعمل الدكتوره وعلى رأسهم الدكتور طارق رضوان والذى أصبح المستشار الثقافى لمصر باليونان فيما بعد وهو صديق عزيز حتى الآن

وعندما علم زملائى وأصدقائى بسكنى فى كاليثيا بدأت تساورهم الشكوك خاصة أننى دائم الحديث عن مصر وقيمة مصر وكل كلامى رسائل فى حب مصر لدرجة أننى عرفت “بركات المصرى” وهناك أنادى بإسم الجد اسمى عبد الرحيم ريحان بركات، وكانوا يهتمون بمعنى الأسماء وكلمة بركات وبركة لديهم لها قيمة كبرى ومعنى جميل ولدى كل الشعوب، وكانت حين تأتى سيرة مصر يرشحونى للحديث فقد ذهبنا فى رحلة مرة إلى متحف الإسكندر الأكبر فقالوا بركات هو اللى يشرح وهكذا

ومع كل هذه الحيثيات شك كل زملائى أننى أعمل بالمخابرات المصرية وجئت لكتابة تقارير عنهم وما زاد فى ذلك صداقتى ٌلزميلين يدرسان اللغة اليونانية وكانا ضباطًا فى القوات المسلحة المصرية يدرسا اليونانية ويأتيا الجامعة بالزى العسكرى وأنا ماشى معاهم طبعًا، غير ذلك كان أول ما سألت عليه أين أصلى الجمعة؟ ففى البداية قالوا فى جامع فى السفارة المصرية روح صلى فيه فكنت أصلى معهم حوالى شهر حتى عرفت مكان المسجد فتجمعت كل الشواهد لتؤكد شكوكهم بأننى أعمل مع المخابرات المصرية، أولًا عشقى الغير عادى لمصر، صداقتى لضباط قوات مسلحة، ترددى على السفارة المصرية، سكنى فى أجمل أحياء أثينا

بركات وزيرًا لنصف ساعة

كان قداسة مطران دير سانت كاترين أمد الله فى عمره وأكرمه بموفور الصحة والعافية هو الأب الروحى لى فى اليونان وكان يحبنى حبًا شديدَا وكان أول من يسأل عليه حين قدومه من مصر إلى اليونان بركات عامل ايه ويسألنى عامل ايه فى الدراسة ووقت نتيجة امتحان اللغة كان حريصًا على الاطمئنان على وقابلنى قائلًا “بيرسا” يعنى عديت باليونانية قلت له الحمد لله

وكان طيلة إقامته فى اليونان يأخذنى فى كل الندوات والتشريفات معه لدرجة مرة قالى أنا عازمك النهاردة على مفاجأة كبيرة فالمفاجآت لدينا هى ما لذ وطاب من مشهيات اللحوم والطيور مشوية ومحشية وكانت فعلًا مفاجأة فهى فول وطعمية وباذنجان وبطاطس مقلية قلتله جات فى وقتها قالى مش قلتلك مفاجأة قلتله بس مرة واحدة كفاية قعد يضحك وربت على كتفى

وذات يوم كنا فى احتفالية كبرى يحضرها قداسة مطران دير سانت كاترين ويحضر بها كبار الشخصيات الدينية والسياسية والدبلوماسية ودعانى بالطبع وقبل بدء الجلسة وكان يجلس قداسته استعدادًا لبدء الجلسة مع كبار الشخصيات فشاهدنى فنزل بنفسه ليسلم علي وحينها نظر لى كل الحاضرين فى دهشة وإعجاب واحترام شديد سائلين أنفسهم من يكون هذا الشخص الذى ينزل المطران بنفسه ليسلم عليه؟ لا بد أن يكون مسئول مصرى كبير وزير أو دبلوماسى لذا حرص كل الموجودين على ان يسلموا عليا ويلتقطوا الصور التذكارية معى وعشت وزيرًا لمدة نصف ساعة حتى أعلن بداية الجلسة

احترم دينك يحترمك الجميع

أول ما سألت عليه فى اليونان ما معنى كلمة خنزير قالوا لى “خرينو” وذلك حتى لا أقع حتى ولو خطأ فى أكله وكانوا هناك يسألونى “مسلمانو أوشى خرينو” انت مسلم يبقى بلاش لحم خنزير

الموقف الثانى الذى هزنى من أعماقى كنا فى أحد العزومات الكبرى وجلست مع شخصيات قاماتها عالية على نفس الطولة نتجاذب أطراف الحديث وأثناء الطعام عزم عليا أحد الشخصيات الكبرى أن أشرب خمرة فقلت له بأدب أنا لا أشرب الخمر قال لى لماذا؟ قلت له لأننى مسلم؟ قال لى ولماذا يمنعها الإسلام وفيها فوائد قلت له الإسلام ذكر أنه فيها فوائد ولكن ضررها أكثر قال لى وما دليلك على ذلك؟ فقرأت له الآية الكريمة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}

سورة البقرة آية 219 والآية الكريمة التى تؤكد مفاسد الخمر

 {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ- رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}  المائدة 90- 91

وشرحت المعنى بالتفصيل ومدلولاته بأسلوب هاديء بسيط مقنع

فصمت العالم الكبير لبرهة ثم قام وأحضر لى زجاجة مياه غازية وقالى لى تفضل قلت له كبيرة جدًا من حضرتك تقوم وتجيبها فقال لى الكلمة التى لم أنساها طيلة عمرى “ مش كبيرة على دينك وبلدك وشخصك الكريم” لقد رآنى هذا العالم الكبير قامة بثلاثة أشياء دينى وفهمى له الفهم الصحيح بلدى واعتزازى بها أينما ذهبت احترامى لنفسى والذى أوجب احترام الآخرين

وهذا أبلغ رد على من يرفضوا  التحدث مع الغرب بلغة القرآن الكريم على أساس أنهم لا يعترفون به ولكنهم تناسوا شخصية المتحدث وكيفية التحدث حتى تصل الرسالة صحيحة

وأضرب مثلًا بسيطًا حين سأل معلم اللغة اليونانية  كل طالب أول السنة الجديدة هل ذهبت إلى الكنيسة؟ وسألنى نفس السؤال هل ذهبت إلى الكنيسة؟ قلت له لا، قال لماذا؟ قلت له لأنى مسلم، فخرجت منه كلمة عفوية لا يقصدها بل هى ميراث إعلام غربى مضلل فقال لى “بس انت كويس” ثم تراجع ليؤكد لى أنها ذلة لسان قلت له ليست ذلة لسان ولكن ميراث إعلام مضلل أوصلكم لهذا وسألته هل كنت تعرف أنى مسلم أم مسيحى إلا فى هذه اللحظة؟ قال نعم، قلت له إذا فسلوك المسلم مثل المسيحى والفرق هو إعلام الفرقة الذى يزرع الفتن بين الشعوب وربط أى حدث إرهابى بالإسلام وأعطيته أمثلة لإرهابيين فى جميع الأديان

سلمولى على مصر

وقد أتيحت لى أثناء تواجدى لعامين باليونان رجعت بإرادتى بعدها للظروف المادية أن أزور معظم اليونان من سالونيكى وقولا شمالًا إلى جزيرة كريت جنوبًا والذى وجدت معظم من فيها من البحارة البورسعيدية والدمايطة لدرجة إنى لما نزلت كريت لقيت الناس بتتكلم باللهجة البورسعيدى “تعالى يله” فسألت أنتوا متأكدين إننا فى كريت ولا بورسعيد، كما زرت جزيرة سانتورينى المشهورة بجزيرة العشّاق ونحن مقبلون على عيد الحب وزرت أوليمبيا وغيرها  

وساعدنى سكنى قرب مطار أثينا أن أذهب وقت المغربية وكنت أعلم بميعاد الطائرة المغادرة من أثينا إلى القاهرة وكنت أنظر إليها وأرقبها وأحمّلها سلامات لأهلى فى مصر وكانت ترد فى ذهنى الكلمات التى تغنت بها المطربة صباح من كلمات حسين السيد ألحان محمد الموجى

 

سلمولي على مصر سلمولي .. سلمولى ع الحبايب وابعتولي

سلام أمانة والنبى سلام أمانة .. والشوق أمانة والنبى الشوق أمانة

سلمولي ع الحبايب وابعتولي .. سلمولي على مصر سلمولي

وأمانة لما تفوتوا من جنب الحسين

تجيبولي شوية من النور اللي على الصفين

خان الخليلى على يمينكم هداياه وحشانى

تبقوا تجبولى توت عنخ المنقوش فى صوانى

وابقوا افتكرونى من الصاغة باسورة لولى

سلمولى على مصر سلمولى

 

سلمولى ع الشوارع .. سلمولى عل الكبارى

والسما والبدر طالع .. والهوا ساعة العصاري

سلمولى ع الحبايب اللي فاكر واللي ناسى

وإن لقيتوا حد غايب ابعتولوا مية تماسى

رشوا دموعي وضحكتي واجمل سلامي

على كل حته شاركتني أسعد أيامي 

من يوم ما مشيت أول خطوه وفردت طولي

سلمولي على مصر سلمولى .. سلمولي ع الحبايب وابعتولي

حتى شاءت الأقدار أن أعود إلى بلدى المحبوب لأكمل ما لم يتحقق مؤمنًا أن كل خطوة نصيب متمنيًا أن أدفن فى البلد الذى أحببته، فمهما كانت بلاد العالم جميلة فلا يوجد أجمل من بلدى

بلادى وإن جارت عليا عزيزة      أهلى وإن ضنوا عليا كرام

كشف الدكتور ريحان للتزوير الصهيونى لطريق الحج المسيحى بسيناء

تعمدت سلطة الاحتلال الصهيونى أن تزور طريق الحج المسيحى بسيناء أثناء الاحتلال وقامت بنقش علامة "المينوراه" المرتبطة باليهودية على محطة هامة من محطات طريق الحج المسيحى بسيناء يطلق عليها "هضبة حجاج" قرب سانت كاترين، وقاموا بتشويه النقوش الصخرية المسيحية على هذا الطريق فى منطقة وادى حجاج وصوروا أكثر من 400 نقش بوادى حجاج، وهى نقوش للعرب الأنباط ونقوش يونانية، لاتينية، أرمينية، قبطية، آرامية، ورغم ذلك زعم عالم الآثار اليهودى أفينير نجف أن هذا الطريق كان للحجاج اليهود

ولم يكتف الدكتور ريحان بكشف تزويرهم بل قام بتوثيق طريق الحج المسيحى بسيناء وتحقيق محطاته ونشره بكتاب مؤتمر الآثاريين العرب، تحت عنوان "طريق الحج المسيحى بسيناء وادعاءات اليهود، كتاب المؤتمر السابع للاتحاد العام للآثاريين العرب 2-3 أكتوبر 2004، القاهرة، 2004.

وأضاف الدكتور ريحان أن نقش الشمعدان أو المينوراه ذي السبعة أو التسعة أفرع والذي يتخذه اليهود شعارًا لهم قد ورد توصيف له فى سفر الخروج 25  - 37 كأداة إضاءة مثل المسرجة "وَصَنَعَ الْمَنَارَةَ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. صَنْعَةَ الْخِرَاطَةِ صَنَعَ الْمَنَارَةَ، قَاعِدَتَهَا وَسَاقَهَا. كَانَتْ كَأْسَاتُهَا وَعُجَرُهَا وَأَزْهَارُهَا مِنْهَا. 18وَسِتُّ شُعَبٍ خَارِجَةٌ مِنْ جَانِبَيْهَا. مِنْ جَانِبِهَا الْوَاحِدِ ثَلاَثُ شُعَبِ مَنَارَةٍ، وَمِنْ جَانِبِهَا الثَّانِي ثَلاَثُ شُعَبِ مَنَارَةٍ. 19فِي الشُّعْبَةِ الْوَاحِدَةِ ثَلاَثُ كَأْسَاتٍ لَوْزِيَّةٍ بِعُجْرَةٍ وَزَهْرٍ، وَفِي الشُّعْبَةِ الثَّانِيَةِ ثَلاَثُ كَأْسَاتٍ لَوْزِيَّةٍ بِعُجْرَةٍ وَزَهْرٍ، وَهكَذَا إِلَى السِّتِّ الشُّعَبِ الْخَارِجَةِ مِنَ الْمَنَارَةِ. 20وَفِي الْمَنَارَةِ أَرْبَعُ كَأْسَاتٍ لَوْزِيَّةٍ بِعُجَرِهَا وَأَزْهَارِهَا. 21وَتَحْتَ الشُّعْبَتَيْنِ مِنْهَا عُجْرَةٌ، وَتَحْتَ الشُّعْبَتَيْنِ مِنْهَا عُجْرَةٌ، وَتَحْتَ الشُّعْبَتَيْنِ مِنْهَا عُجْرَةٌ. إِلَى السِّتِّ الشُّعَبِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا. 22كَانَتْ عُجَرُهَا وَشُعَبُهَا مِنْهَا، جَمِيعُهَا خِرَاطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. 23وَصَنَعَ سُرُجَهَا سَبْعَةً، وَمَلاَقِطَهَا وَمَنَافِضَهَا مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. 24مِنْ وَزْنَةِ ذَهَبٍ نَقِيٍّ صَنَعَهَا وَجَمِيعَ أَوَانِيهَا" سفر الخروج 27

ويوضح الدكتور ريحان أن الكثيرين يعرفون مسار العائلة المقدسة ولكن هناك مسار آخر معروف منذ القرن الرابع الميلادى حين جاءت الإمبراطورة هيلانة أم الإمبراطور قسطنطين فى رحلة حج إلى القدس وسيناء، وبنت فى حضن شجرة العليقة المقدسة بالوادى المقدس بسيناء كنيسة صغيرة خصصت للعذراء مريم وحين إنشاء الإمبراطور جستنيان لدير طور سيناء فى القرن السادس الميلادى الذى تحول اسمه إلى دير سانت كاترين بعد العثور على رفات القديسة على أحد جبال سيناء والذى حمل اسمها إلى دير سانت كاترين

ومنذ القرن الرابع الميلادى أصبحت سيناء وجهة الحجاج المسيحيين من الشرق والغرب وبعد بناء الدير كان هناك خط زيارة محدد للحجاج حيث يصعدون إلى جبل موسى وهناك بوابتين على الجبل، بوابة الاعتراف وبوابة الغفران ثم يهبطوا من الجبل إلى الدير عبر الباب الشمالى الشرقى وهو باب الزيارة الحالى بعد التطوير وتغيير مسار الزيارة ثم يتجهوا إلى الوادى المقدس وبعده كنيسة التجلى وحين زيارة كنيسة العليقة المشتعلة يخلعون أحذيتهم تأسيًا بنبى الله موسى

طرق الحج المسيحى بسيناء

وينوه الدكتور ريحان إلى وجود طريقان مشهوران للحج عبر سيناء، طريق شرقى وطريق غربى،  أمّا الطريق الشرقى فهو للمسيحيين القادمين من القدس إلى جبل سيناء ويبدأ من القدس إلى أيلة (العقبة حاليًا) إلى النقب ثم وادى الحسى إلى وادى وتير الذى تتوفر فيه المياه من بئر الحسى وبئر صويرا ويجاور وادى وتير أيضًا عين فرتاقة وبها جدول صغير يفيض بالماء طوال العام، ثم يسير الطريق فى وادى غزالة إلى عين حضرة ثم وادى حجاج وبه تلال من حجر رملى بها نقوش نبطية ويونانية وأرمينية ثم يسير إلى سفح جبل جونة

إلى وادى مارة ثم يدخل سفح جبل سيناء وطول هذا الطريق حوالى 200كم من أيلة إلى الجبل المقدس الذى أطلق عليه عدة أسماء منها جبل موسى وجبل سيناء وجبل المناجاة

 وقد قام ميخائيل ستون بأعمال مسح أثرى ودراسة لنقوش وادى حجاج بهذا الطريق حين زيارته لسيناء عام 1979، وقد وجد بهذا الوادى نقوش أرمينية عددها 55 نقش أرّخها ما بين القرن (الأول إلى الرابع الهجرى / السابع إلى العاشر الميلادى) منها نقش لأحد المسيحيين يقول (أنا ذاهب حول موسى) يعنى جبل موسى وآخر يقول (أنا رأيت القدس) وأن وجود مثل هذا العدد من النقوش الأرمينية فى الطريق الشرقى بسيناء وعدم وجودها فى الطريق الغربى يدل على كم المسيحيين الأرمن القادمين إلى جبل سيناء من القدس

و الطريق الغربى يبدأ من القدس عبر شمال سيناء وشرق خليج السويس إلى جبل سيناء ويبدأ من القدس، عسقلان، غزة، رافيا (رفح)، رينوكورورا (العريش) أوستراسينى (الفلوسيات) ،كاسيوم (القلس)، بيلوزيوم (الفرما)، سرابيوم (الإسماعيلية)، القلزم (السويس)، عيون موسى، وادى غرندل،  وادى المغارة، وادى المكتّب، وادى فيران إلى جبل سيناء وطول هذا الطريق من القدس إلى القلزم 400كم ، ومن القلزم حتى جبل سيناء 300كم فيكون الطريق من القدس إلى جبل سيناء 700كم

دير أبو مينا

ولفت الدكتور ريحان إلى أن المسيحيين القادمين من أوروبا يقيمون لعدة أيام بدير أبو مينا (مارمينا) بمريوط غرب الإسكندرية وكان به عدة حجرات كانت تستخدم مكاتب خاصة لشئونهم مما يدل على كم المسيحيون القادمون من أوروبا إلى سيناء وكان الحاج يجهز نفسه روحانيًا ويرتدى ثوب الحج ويضع الصليب الأحمر على الثوب ورداء الرأس، ويأخذ نقود كافية ثم يتجه إلى البندقية أو جنوة أو مارسيليا ويأخذ الحاج طريقه بسهولة

   أما الراغبين فى الحج إلى جبل سيناء ودير سانت كاترين فلهم الحق فى الإعفاء من الرسوم وهى 23 دوقة ويجهز الحجاج بالجمال إلى سيناء، وللحجاج سواءً كانوا من الشرق أو الغرب الحرية فى قراءة القداس طبقًا لطقوسهم الخاصة فى كنيسة لاتينية خاصة قرب سكن الضيوف بدير سانت كاترين

وفود الرحلة المقدسة

 ويتابع الدكتور ريحان بأن المسيحيين من كل بقاع العالم توافدوا لزيارة الأماكن المقدسة بسيناء وهم آمنين مطمئنين فى ظل التسامح الإسلامى التى سارت عليه الحكومات الإسلامية فى المنطقة حيالهم  وقد زار سيناء عددًا من المسيحيين لا يمكن حصرهم وكثير منهم كانوا من شخصيات ورتب عالية، وعددًا من الرّحالة الأوربيون أمثال بورخارت الذى جاء من سويسرا مرتين عام (1232هـ/ 1816م) وعام (1238هـ / 1822م) وشاهد ثمانمائة من المسيحيين الأرمن جاءوا من القدس ومسيحيين روس وخمسمائة مسيحى من أقباط مصر

  وكان كثير من العظماء والملوك والأمراء على اتصال دائم بدير سانت كاترين ويمدونه بالهدايا ومنهم من ملوك فرنسا شارل السادس ولويس الحادى عشر والرابع عشر  وإيزابيل ملكة أسبانيا والإمبراطور مكسيمليان الألمانى  وقياصرة روسيا  ولا تزال هداياهم بالدير حتى الآن

وأثناء زيارة نعوم بك شقير لدير سانت كاترين عام (1323هـ / 1905م ) وجد أن هناك رحلات مستمرة للروس يزورون الدير رجالًا ونساءً كل عام ومتوسط عدد الزوار مائتى فرد فى العام وتدوم زيارتهم للدير ثمانية أيام يزورون خلالها الجبل المقدس وضواحى الدير وكانوا يأتون عادة بعد زيارتهم للقدس فى عيد الميلاد وعيد الغطاس أو يأتون مباشرة من بلادهم لحضور عيد القديسة كاترين يوم 7 ديسمبر من كل عام ، إذ يحتفل الرهبان بهذا العيد احتفالًا بالغًا وكان الروس يأتون إلى سيناء عن طريق السويس ثم يبحروا إلى ميناء الطور ومن الطور بريًا إلى سانت كاترين بعد زيارة الأماكن المقدسة بالطوروالبعض كانوا يحضرون من السويس بطريق البر إلى سانت كاترين ومنه إلى مدينة طور سيناء، وفى مدة إقامتهم بالدير ومراكزه بالسويس أو الطور أو القاهرة يتكفل الدير بنفقتهم ، وكان بعضهم يقدم نذورًا للدير من نقود وحلى

ملحوظة

بعد إثارتى للقضية منذ عدة سنوات قامت الإدارة المركزية للصيانة والترميم بالمجلس الأعلى للآثار بحسن نية بإزالة هذا النقش وإن كانت رغبتى فى غير ذلك لأن وجود النقش هو دليل الجريمة، ورغم ذلك فإن حزف النقش أعطى قيمة كبرى لبحثى المنشور بالآثاريين العرب فقد أصبح الوثيقة العلمية الوحيدة بالصورة المنشورة أمام حضراتكم على جريمة سلطة الاحتلال الإسرائيلى فى تزوير معالم طريق الحج المسيحى

الكشف الذى أكد هوية سيناء المصرية وكذّب الادعاءات الصهيونية

قامت بأعمال الحفائر منطقة آثار جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية واشترك فى هذا الموسم موسم 1988 – 1989.

طارق النجار – محمد عمران -  عبد الرحيم ريحان – خالد عليان – جمال سليمان تحت إشراف عبد الحفيظ دياب مدير المنطقة 

 وكان لى شرف أن أكون المفتش المسئول عن الحفائر حين كشف هذه اللوحة الهامة الخاصة بفرن تصنيع أسلحة داخل قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون بطابا وقمت باكتشافها على بعد 10سم فقط من سطح الأرض وكانت مقلوبة على ظهرها وكان معنا عمال عاديين وليس عمال حفائر فنيين لضعف الميزانية ولو تركته لحظة لأجهز عليها، كما حمدت الله إن إسرائيل لم تقم بعمل حفائر فى هذا الموقع وإلا كانت معالم اللوحة ستضيع إلى الأبد بتدميرها أو تشويهها وقمت بعدلها ورأيت المفاجأة الكبرى من وجود هذا النص وكانت هذه أول مرة فى عمرى أشعر بسعادة الكشف الأثرى الذى اكتشفته بنفسى أو ما يطلق عليه " نشوة الكشف الأثرى " ثم أبلغت زميلى الأستاذ طارق النجار وكان متواجدًا داخل القلعة ويقوم بأعمال مرور ومتابعة العمل الأثرى بالقلعة وتركنى لأتعلم بنفسى فنون الحفائر الأثرية وقد تعلمت وشرفت بهذا الاكتشاف العظيم الذى أعاد تأريخ القلعة وأكد بناؤها فى عهد صلاح الدين الأيوبى وقمت بأول قراءة للنص أى كتبت شهادة ميلاد هذا الأثر العظيم فى لحظة مولده وهى لوحة من الحجر الجيرى والنص فى ستة سطور

بسم الله الرحمن الرحيم أعمر هذا الفرن المبارك 

  العبد الخاضع لله على بن سختكمان الناصرى

 العادلى فى أيام الملك الناصر يوسف بن أيوب

 صلاح الدنيا والدين محيى دولت أمير المؤمنين

 سلطان جيوش المسلمين وذلك بتاريخ تسعة

شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة

وكتبتها فى ورقة صغيرة واحتفظت بها ثم أبلغت زميلى ورئيسى فى العمل الأستاذ طارق النجار وهو عالم فاضل لم يبخل بعلمه على أحد وتعلمت منه الكثير مهما اختلفنا ولكن أمانة الكلمة أقوى منى ومنه فقد جاءت فى سورة متكاملة فى القرآن الكريم سورة القلم }ن والقلم وما يسطرون{بهذا الاكتشاف الهام فى سرية تامة فحولنا عدة جهات من الممكن أن ترسل الخبر قبلنا وتحرق المفاجأة وقمنا بلف الحجر فى قطعة قماش وعبرنا به إلى الجانب الآخر حيث مقر تفتيش الآثار ودخلنا به المخزن بعيدًا عن العاملين بالتفتيش وبدأنا فى قراءة النص سويًا وتأكدت من سلامة قراءتى ,وبالتالى فأنا وزميلى العزيز الأستاذ طارق النجار أصحاب هذا الاكتشاف وتم إرسال قراءة النص إلى مدير عام المنطقة الأستاذ عبد الحفيظ  دياب تيلفونيًا فلم تكن هناك وسائل التواصل الحديثة وفى البريد سيستغرق عدة أيام وقام بدوره بإرسالها لرئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية فى ذلك الوقت المرحوم الدكتور فهمى عبد العليم والذى نشرها بالصفحة الأولى من جريدة الأهرام العدد 37411بتاريخ 13 مايو 1989 وطبعًا لم يذكر إسمى ولا إسم زميلى ولا إسم مدير المنطقة ولا مدير عام المنطقة ولم تكن تهمنا الأسماء ففرحتنا بالكشف الأثرى ودلالته الأثرية وإعلانه أكبر من كل شيء

وعكفت على توثيق هذا الكشف وإعداد النشر العلمى عنه كعادتى فى كل كشف واحتفظت به لحين الوصول إلى دورية علمية لنشره وكنت مطمئن وسليم النية بأنه لن يقفز أحد على هذا الاكتشاف لينشره قبلنا ويتجاهل ذكر أصحاب الكشف الحقيقيين وهذا حقهم القانونى فألف باء النشر العلمى هو ذكر اسم البعثة التى قامت بالكشف وتاريخ الكشف وأسماء المكتشفين وإذ لم يعرفهم يتوجه إلى منطقة العمل ويسأل عن أسماءهم لأنه حق قانونى وشاءت الأقدار أن أسافر إلى اليونان فى منحة علمية لدراسة الدكتوراه بجامعة أثينا والذى لم أكملها لظروف مادية واكتفيت بدراسة اللغة والحصول على ما يعادل الماجستير والذى لم يعترف به فى مصر وبدأت بعد عودتى من تمهيدى ماجستير والحمد لله فكل شيء بقدر

وأثناء وجودى فى المكتبة البريطانية بأثينا لتحصيل مادة علمية لأبحاثى تعرفت على مدير المكتبة وحين عرف أنى مصرى وأعمل بسيناء بدأ فى النقاش العلمى معى وقال لى بصيغة ود: على فكرة عندكم قلعة يهودية، قلت له: قلعة يهودية فى مصر إزاى؟  قالى لى: قلعة صلاح الدين فى طابا، قلت له: صلاح الدين محرر القدس له قلعة يهودية؟، قال لى: فى بحث علمى عندنا بيقول كده، فطلبت منه البحث  

وهو بحث خاص  بالباحث الإسرائيلى Alexander flinder  قام بأعمال مسح أثرى حول جزيرة فرعون عام 1968م بمجموعة من الغواصين البريطانيين والإسرائيليين وتركزت الأعمال البحرية  في المساحة بين الجزيرة والبر ونشر بحثه عام 1977م فى مجلة the international journal of nautical archaeology and Underwater Exploration  تحت عنوان

The island of jezirat faraon its anchient harbour anchorage and marine defence

وهذا البحث هو المصدر الأساسى فى الغرب عن جزيرة فرعون، وهو مصدر معلومات المرشدين اليهود لزوار قلعة صلاح الدين من إيلات من جنسيات مختلفة وكذلك بعض المرشدين المصريين والأجانب،  حيث يذكر Flinder   أن جزيرة فرعون كانت ميناء ومرسى قديم أيام نبى الله سليمان وأن ذلك العصر يتوافق مع عصر الملوك فى إسرائيل حيث شهد شمال خليج العقبة نشاطًا بحريًا هائلًا حسب زعمه

وبعد أن قرأت البحث مع مدير المكتبة وعدته أن أحضر له صورة كشف أثرى فى الغد يفنّد كل هذه الادعاءات الغير علمية ولم يكن معى موبايل فى ذلك الوقت لأعرض له الصورة  فلم يكن الموبايل معروفًا فى مصر قبل سفرى إلى اليونان ولكنى وجدته فى اليونان وكان مرتفع الثمن بالنسبة لدخلى وأحضرت له صورة اللوحة وشرحت له قصة الكشف وقلت له سينشر كل هذا علميًا حين عودتى إلى مصر وتم نشر بحثى الهام فى كتاب الاتحاد العام للآثاريين العرب بعد إلقاؤه فى مؤتمره العلمى وكانت الآثاريين العرب فاتحة خير لنشر إنجازاتنا العلمية بسيناء وتم تفنيد كل ما عرضه الباحث الإسرائيلى فى بحثه وكانت نقطة انطلاقنا لتكون حفائرنا من أجل تأكيد الهوية المصرية فى سيناء وتفنيد كل الادعاءات الصهيونية فى سيناء ومنها الادّعاء بأن طريق الحج المسيحى هو طريق حج يهودى ولنا معه قصة إن شاء الله تعالى وهذا ما تحقق منذ عودة سيناء

 

حكاية صورة نقش الغورى محطة هامة فى طريق الحج بوسط سيناء، وإسهاماتى فى وضع طريق الحج بسيناء على القائمة المؤقتة للتراث العالمى باليونسكو 2003

قام الدكتور عبد العزيز دولاتى "تونسى الجنسية" خبير اليونسكو بمهمة علمية بمصر لتسجيل مواقع على القائمة المؤقتة باليونسكو عام 2003 حيث أوفد الدكتور زاهى حواس الدكتور شعبان عبد الجواد مدير عام الآثار المستردة حاليًا بسيارة خاصة لخبير اليونسكو ورافقتهم فى رحلة كاملة زرنا فيها طريق الحج بسيناء وطلب منى خبير اليونسكو مادة علمية متكاملة عن طريق الحج وعرفت من خبير اليونسكو حين مقابلته لى فى أحد مؤتمرات الآثاريين العرب بأنه قدم المعلومات الخاصة الذى حصل عليها من العبد الفقير إلى الله عبد الرحيم ريحان ووافقت اليونسكو على وضع طريق الحج على القائمة التمهيدية عام 2003 وقالى لى أن الدور عليكم فى إعداد الملف لتسجيله تراث عالمى

ويبدأ طريق الحج  ببركة الحاج "بالقاهرة الكبرى حاليًا" وكان بها سوق عظيمة يقضى فيها الحجاج يومين أو ثلاثة قبل بدء الرحلة ويتزود منها الحجاج بكل احتياجاتهم وأن المرحلة بين القاهرة وعجرود تستغرق ثلاثة أيام وكان الحجاج يعبرون خمس محطات من بركة الحاج إلى عجرود  تبدأ من بركة الحاج ثم منها إلى البويب، الطليحات ، المنفرج ، مراكع موسى ومنها إلى عجرود وبها بئر مصن

ويستكمل الحجاج طريقهم عبر سيناء وأول محطة بها وادى مبعوق ثم نخل بوسط سيناء وفى نخل أنشأ السلطان الغورى خان وقد قام بتنفيذ ذلك خاير بك المعمار أحد المقدمين فى عام (915هـ / 1509م) وكان الخان ضيقًا فتمت توسعته فى عام (959هـ / 1551م) وبنخل ثلاث فساقى وبئران إحداهما  بساقية والأخرى بسلم ، ومن نخل إلى حسد الحى، بئر بيدرا، ثمد الحصا، ظهر العقبة ، سطح العقبة وهو عرقوب البغلة كما وصف هذه المحطات المؤرخون ومنهم الجزيرى ذاكرًا المحطات من نخل إلى وادى الفيحاء ويسمى وادى القريص، عراقيب البغلة،  ثمد الحصى ، سطح العقبة إلى عقبة أيلة

وتعد دبة البغلة أو مقعد الباشا من المحطات الهامة وقامت منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية بترميمها وأحاطتها بسور بشكل إسلامى لدرجة أن الحجاج والمعتمرين المارين بهذا الطريق فى الطريق البرى الحديث إلى ميناء نويبع ومنها إلى العقبة  وهو نفس الطريق البرى القديم يعتقدون أنه ولى من أولياء الله الصالحين وينزلون إليها ليقرأوا اللوحة الخاصة بالآثار ويعرفون حقيقة هذه العلامة الهامة فى طريق الحج القديم المستخدم حتى الآن

وقد قام السلطان قانصوه الغورى بتمهيدها ووضع علامة هامة تحدد معالم الطريق يطلق عليها صخرة الغورى وعليها نقوش صخرية تتضمن الآيات }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا{

 والنص الخاص بتمهيد الطريق (رسم بقطع هذا الجبل المسمى عراقيب البغلة ومهد طريق المسلمين الحجاج لبيت الله تعالى وعمار مكة المكرمة والمدينة الشريفة والمناهل عجرود ونخل وقطع الجبل عقبة ايلا وعمار القلعة والآبار وقلعة الأزلم والموشحة ومغارب ونبط الفساقى وطرق الحاج الشريفة مولانا المقام الشريف والإمام الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين الملك الأشرف أبو النصر قنصوه الغورى نصره الله تعالى نصرًا عزيزًا)

وعلى الصخرة رنك للسلطان الغورى نصه (لمولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قانصوه الغورى عز نصره )

ومن عقبة أيلة تسير قافلة الحجاج بمحاذاة البحر الأحمر إلى الجنوب إلى حقل، مدين، ينبع،  بدر، رابغ، بطن مر، مكة المكرمة ، وظل درب الحاج المصرى مستخدمًا حتى أبطل سيره وتحول إلى الطريق البحرى عام (1303هـ / 1885م

حكاية صورة أثناء شرحى معالم قلعة صلاح الدين بطابا لجورج بوش الأب نائب الرئيس الأمريكى الأسبق والرئيس فيما بعد وجلالة الملك حسين ملك الأردن السابق

بدأت الحكاية عندما تعاقدنا أنا وزميلى الأستاذ خالد عليان والدكتور جمال سليمان للعمل بهيئة الآثار المصرية عام 1986 أيام الدكتور أحمد قدرى رحمة الله عليه وكان قيمة العقد الشهرى 60 جنيه صافى وكانت المواصلات إلى طابا 40 جنيه ذهاب وإياب

وذهبت إلى الدكتور فهمى عبد العليم رحمة الله عليه رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية لتوزيعنا بعد التعاقد ولم تكن فى بالى منطقة معينة للعمل ولكنى كنت أعشق حياة الصحراء فكانت خدمتى العسكرية فى الغردقة وقال لى الدكتور فهمى: عايز تروح فين انت وزملاءك فجاءت على لسانى كلمة عفوية ربما لا أقصدها زلة لسان يعنى فقلت له سيناء

فانتفض الدكتور فهمى واقفًا وكان رحمة الله عليه يقف فى حالتين إمّا فرحًا أو غضبًا وفوجئت بقوله: أدى الرجالة اللى أنا مستنيهم من زمان أنا مش لاقى حد يروح سيناء فارتبكت وأحسست بالخوف وقلت لنفسى سيناء ايه اللى نروحها وعقدنا 60 جنيه وعدت فقلت له: يا دكتور أنا مقصدش دى زلة لسان قال لى: أنا خلاص وافقت

ولكن الأقدار هى التى تختار لنا مصائرنا دون أن نشعر فيدخل علينا أثناء الحديث الأستاذ أحمد حجازى مدير عام سيناء رحمة الله عليه وكانت شمال وجنوب منطقة واحدة ويجلس فى المقعد المقابل لى

فقال له الدكتور فهمى: انا لقيلتك الرجالة إللى عايزهم فى سيناء فنظر لى الأستاذ أحمد حجازى وقال: يعنى يوم ما تجبلى حد يا دكتور فهمى تجيبلى شوية عيال

ونزلت هذه الكلمة عليا كالصاعقة وانتفض العرق الصعيدى داخلى فقلت للدكتور فهمى

إحنا موافقين على سيناء يا دكتور بأى أجر فنظر إلى مدير عام سيناء نظرة تحمل عدة معانى استشعرت منها معنى واحد وكأنه يقول لى أنت جيت تحدى وأنا هعلمك الأدب

فقلت للدكتور فهمى: نسافر ازاى طابا وكان لسيناء مقر واحد فقط فى الجنوب هو طابا ومقر فى الشمال بالقنطرة شرق، فقال لى تاخذه أتوبيس سوبر جيت بعشرين جنية وتنزلوا طابا هتلاقوه "البيت الأزرق" هو مقر التفتيش

وكان الدكتور أحمد قدرى رحمة الله عليه شخصية وطنية محب لبلده جريء فى اتخاذ قراراته فقرر ترميم قلعة صلاح الدين بطابا وأخذ أكبر مساحة من الأرض أمام القلعة على الشاطيء المصرى ونصب استراحة خشبية ضخمة تتكون من عشر حجرات كبيرة ومطبخ وصالة استقبال ضخمة مدهون باللون الأزرق لذا أطلق عليه "البيت الأزرق" وكان البعض يعتقد أنه فندق من بعيد وكان هذا البيت مضيفة طابا كلها لوجود تيلفزيون 24 بوصة وكانت الآثار مسئولة عن إنارة كل المنطقة بمولد كهربائى يستمر حتى منتصف الليل يتجمع بعدها كل العاملين بالمنطقة من جهات مدنية وأمنية حول مبنى الآثار ويفترشون شاطيء خليج العقبة

فسافرنا طابا أنا وزميلى خالد من القاهرة وسبقنا الدكتور جمال حيث كان يسكن القليوبية

وعند وصولنا إلى البيت الأزرق قابلنا الأستاذ حامد حسين متعه الله بالصحة والعافية مفتش آثار المنطقة وكان يبدو عليه آثار الشهور العديدة فمنذ بداية الترميم منذ عدة شهور لم ينزل إلى أسرته وكنا باب النجاة إليه فسلم علينا وخرج بنا من البيت الزرق وأشار إلى قلعة أمامنا وقال: انظروا إلى هذه القلعة فنظرنا

قال: هذه موقع عملكم  مساكم الله بالخير وغادر إلى بلدته، بعدها بساعتين وجدنا عمالًا يدخلون علينا لا يعرفونا ولا نعرفهم، فعرفونا بأنفسهم فكان منهم اثنين عمال كهرباء وعامل عادى، وبدأوا يشكوا لنا حالهم واستمعنا إلى شكواهم بالطبع أولها أنهم يعملون فى هذه الظروف القاسية فماء الشرب ماء تحلية بحر "ليس بنقاوة المياه حاليًا فقد تحسنت عدة مرات" ويؤدى لأمراض الكلى ومعظمهم يشتكى من ألم فى الكلى وهذا ما سنشرب منه بالطبع، ثانيًا لا يوجد وسائل اتصال بأهلهم فلم نكن فى زمن الموبايل ولم يكن هناك سنترال للاتصال بالأهل، وهذا ما سنعانى منه بالطبع ولكن صداقتنا بالجهات الأمنية أتاحت لنا تطمين أهلنا عن طريق المخابرات العامة أو أمن الدولة مما زاد من قلق أهلنا، النقطة الثالثة أن هناك عقارب وثعابين وهم يقتلون بين يوم وآخر ثعبان أمّا العقارب فحدّث ولا حرج فهى صديقة دائمة

وبعد كل هذا وتبشيرنا بكل هذه الأمور كانت الصدمة الكبرى حين سألناهم عن أجرهم وهو أجر نظير عمل وكان الأجر اليومى لهم 15 جنيه
أى 450 جنيه شهريًا، فى هذه الحالة لو قلنا لهم أننا حاصلون على ليسانس الآثار وأجرنا الشهرى 60 جنيه لأخذونا إلى أقرب نقطة فى خليج العقبة ليتخلصوا منا لأنهم لن يصدقونا فآثرنا الصمت

وفى صباح اليوم التالى جاء أحد جنود المسطحات المائية قائلًا لنا" الملك حسين وجورج بوش فى الجزيرة وعايزين حد يشرحلهم، وكان العبور الوحيد إلى جزيرة فرعون حيث قلعة صلاح الدين عن طريق القارب المطاطى للمسطحات المائية الذى ينقلب فى المياه لو زادت السرعة أو الأمواج، فلم نتخيل الموقف، ده احنا لسة مرحناش القلعة عشان نعرف ايه اللى فيها، قوم تجيلنا زيارة نائب رئيس أميركا ولم يكن قد تولى الرئاسة بعد وملك الأردن فانتقلنا إلى المسطحات المائية للعبور إلى القلعة فقابلنا ضابط أمن الدولة ولم يعرفنا بالطبع وطلبنا العبور فرفض، فقلنا له هذا عملنا ونحن مصرون على العبور، فوافق وكتب أسماءنا عنده وكانت بداية أفضل صداقة حيث كان شخصية خدومة إلى أقصى درجة

وقابلنا الوفد الرفيع المستوى وتعرفنا عليه وبدأنا فى الشرح مما تعلمناه بالكلية عن القلاع وتكوينها والأسوار والأبراج وكلما شاهدنا عنصر معمارى نشرحه حتى وصلنا إلى صهريج المياه الخارجى بالقلعة وقال جلالة الملك حسين رحمة الله عليه، شكرًا جزيلًا هنكمل جولة حرة، وقام ضابط أمن الدولة بتصويرنا أثناء الشرح أنا وزميلى الأستاذ خالد عليان مدير عام آثار جنوب سيناء حاليًا

وانتهت الرحلة وحمدنا الله أنهم لم يستكملوا لأننا لا نعرف كيفية الدخول إلى باقى مكونات القلعة حيث كانت هذه أول زيارة لنا للقلعة ولكنها جرأة منا وإصرار على ممارسة عملنا ونحن لا نعرف عنه أى شيء، وبعد بيومين أحضر لنا ضابط أمن الدولة الصور ومن يومها نحتفظ بها وسترالله يغطينا منذ أن وطئت أقدامنا هذه الأرض المقدسة والأمثلة على ذلك كثيرة سنأخذ منها مثلًا واحدًا فقط أننى كنت أجلس على عقرب أثناء قعدة شاى مع زملائى بالبيت الأزرق ثم قمت لأحضر شيء من حجرتى وأثناء عودتى لمكانى وجدت عقربًا مقتولًا قلت لهم أين وجدتموه؟ قالوا لى تحتك وأنت جالس

واستمرت بنا الأيام من اكتشاف وراء اكتشاف وعمل دؤوب من بعثات مصرية وأجنبية وخبرة كبرى فى أعمال الحفائر والترميم والتسجيل والتوثيق والأبحاث العلمية التى قدمت قراءة جديدة لتاريخ سيناء بعمل وروح مصرية وكنا مشاركين فى تسجيل سانت كاترين تراث عالمى وما زلنا نعترك الحياة وتعتركنا حتى يقضى الله أمرًا كان مفعولا والحمد لله رب العالمين  

حكاية صورةأثناء الرفع الأثرى لتل المشربة فى دهب

الحكاية بدأت بعد عودتى من دراسة الآثار البيزنطية لمدة عامين وطلبت من مدير المنطقة أن يكلفنى مديرًا لمنطقة سانت كاترين حيث أننى أجيد اللغة اليونانية ودارس للآثار البيزنطية فرفض وقال لى نصًا أنا مش عايزك فى كاترين عندى منطقة دهب عايزة حد مشاكس ومفيش غيرك ممكن يسجل تل المشربة بدهب وقالى بكده يبقى ضربنا عصفورين بحجر لمشاكستى معه فى الحق وقالى "إمّا نخلص منك ويدفنوك فى التل هناك أو تسجل التل ويبقى عملنا أكبر إنجاز"

وقبلت التحدى ولم أبدى أى اعتراض فهو رئيسى وأكثر منى خبرة وله رؤية يجب على قبولها، الأرض المقام عليها تل المشربة فى ذلك الوقت قبل تسجيل التل عام 2008 كان ثمنها 20 مليون جنيه وبتسجيها ستصبح ملكًا للمجلس الأعلى للآثار وهذا ما لا يقبله الأهالى بالمنطقة حيث كانوا ينظرون إلينا كآثاريين أننا جئنا لانتزاع أرضهم فلم يكن هناك تمييز بين أرض أثرية وأرض خالية من الآثار ولن أتحدث عن ما تعرضت له من تهديد ولكنى أتحدث عن ما تعرضت له من إغراءات فلن أذكر المبلغ الذى عرض عليا فى مقابل إثنائى فقط عن استكمال إجراءات التسجيل وهم يعلمون أننى موظف غلبان كان مرتبى لا يتعدى 400 جنيه فى ذلك الوقت بعد عودتى من اليونان ولم أستكمل دراسة الدكتوراه فى اليونان لظروف مادية ولكنى استكملتها فى بلدى بحمد الله وكان المبلغ المعروض كافيًا لتقديم استقالتى وعمل أكبر مشروعى استثمارى لى

ولكنى أقول لشباب الآثاريين أن كل إغراءات الدنيا لا تساوى لحظة واحدة تقف فيها أمام نفسك لتشعر إن شريط حياتك منقوش بالذهب محفور بطهارة يدك وحفاظك على تعاليم دينك واحترامك لنفسك وبلدك وإرثك الحضارى الذى تركه الأجداد ونستفيد منه ونتحمل أمانة الحفاظ عليه لتسليمه للأجيال القادمة، كلمات بسيطة ولكن معناها أكبر مما تتخيل

وكان استمرارى فى إجراءات التسجيل أشد من الأول وحرصت بنفسى على الإلحاح على الأستاذ شحاته مدير عام أملاك الآثار الإسلامية فى ذلك الوقت متعه الله بالصحة والعافية وجاء المنطقة واتخذ إجراءاته كاملة طبقًا لرؤيتى الأثرية وتابعت الإجراءات بنفسى فى اللجنة الدائمة والإجراءات القانونية لدى المستشار القانونى للمجلس بالزمالك وذهبت إليه عدة مرات حتى تم استصدار القرار رقم 820 لسنة 2008 وتم دراسة الأثر دراسة علمية وتوثيقه والرفع الأثرى له ونشر ذلك فى كتاب مؤتمر الآثاريين العرب باعتباره من آثار الأنباط بسيناء وقمنا بأعمال حفائر بالتل منذ عام 1989 قبل تسجيله بسنوات

ومن فرحتى بالقرار التاريخى بالنسبة لآثار سيناء قمت بإرسال خبر عنه للصحف القومية الثلاث الأهرام والأخبار والجمهورية ونشر فى الثلاث جرائد فى أماكن هامة، فى الجمهورية صفحة أولى، فى الأهرام صفحة أخيرة، فى الأخبار صفحة الأخبار المحلية   

وفى اليوم الذى نشر فيه الخبر كان الأستاذ عبد الله العطار رحمة الله عليه رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية فى ذلك الوقت ومعه الأستاذ عبد الحفيظ دياب مدير عام جنوب سيناء عائدين من أثينا للقاهرة بعد رحلة عمل وبدأ الأستاذ عبد الله العطار بتصفح الجرائد بالطائرة ففتح الأهرام ووجد الخبر فصعق ثم فتح الأخبار تلتها الجمهورية قائلًا للأستاذ عبد الحفيظ دياب "ألحق الولاد انتهزوا فرصة غيابك فى اليونان واستقلوا بالمنطقة" وطلب من الأستاذ عبد الحفيظ الإتيان بى حيًا أو ميتًا وطبعًا الأستاذ عبد الحفيظ متعه الله بالصحة والعافية وجزاه عنا كل خير كان من أكبر المدافعين عنا لأنه يعلم مدى إخلاص ونقاء رجاله وعدت على خير بفضل الله طالما تزرع الخير لن تحصد إلا الخير وستجد ستر الله يغطيك أينما ذهبت اللهم استرنا تحت الأرض وفوق الأرض ويوم العرض عليك

خبير آثار: وضع مدينة إسنا على خارطة السياحة العالمية مكسب كبير لمصر

أكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمى بمناطق آثار جنوب سيناء بوزارة السياحة والآثار أن اهتمام الدولة ممثلة فى وزارة السياحة والآثار بأعمال ترميم وتطوير مدينة إسنا التى تعد من المحطات السياحية للبواخر السياحية النيلية والتى تذخر بالآثار المتنوعة والعامة هى إضافة جديدة للسياحة فى مصر ودافع رئيسى لمزيد من الاستثمارات السياحية بها وتنشيط لكل مقومات السياحة بها

وأوضح الدكتور ريحان أن اسم اسنا المصرى القديم سنى و القبطى اسنى  اليونانيين سموها لاتوبوليس وتشتهر بمعبد خنوم الذى يتوسط الآثار المسيحية والإسلامية بها ممثلة فى كنيسة السيدة العذراء ووكالة الجداوي الأثرية والمسجد العمرى ومسجد الزاوية البيضاء وقيسرية إسنا وقد شيد في العصر البطلمي بواسطة الملك بطليموس فيلوميتور عام 181 ق.م. وانتهى العمل به في العصر الروماني عام 250م وخصص لعبادة خنوم ونيت ومنحيت.

والمعبد الحالي شيد على أنقاض معبد الملك تحتمس الثالث، حيث قام عالم الآثار الفرنسي شامبليون بزيارة المعبد عام 1828م، واكتشف وجود اسم الملك تحتمس على جدران المعبد وأطلق عليه معبد إسنا عام 1834 ويتميز بوجود صالة الأعمدة التي يحمل سقفها 24 عمود اسطوانى يصل ارتفاع كل عمود إلى 5 م، ذو تيجان بزخارف نباتية متنوعة تحمل مزيجًا من الفن المصري واليوناني، علاوة على المناظر التصويرية المتنوعة وتم إضافة أجزاء للمعبد في العصر الرومانى ومنها قاعة أساطين ونقوش تعود إلى عصور مختلفة

ونوه الدكتور ريحان إلى كتاب الدكتور حسن نور أستاذ ورئيس قسم الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة سوهاج "مدينة إسنا وآثارها فـــــي العصور الإسلامية" الذى يتضمن إشارات  إلى أسواق مدينة إسنا وسويقاتها وقيسارتها ووكالاتها وحوانيتها ودكاكينها وفنادقها وأحيانا مواضع هذه الأسواق وأيام انعقادها حتى لا تكاد توجد سلعة زراعية أو حيوانية أو صناعية إلا وذكرتها سجلات المحكمة الشرعية بإسنا فذكرت سوق البياعة وسوق الغنم والدواب وسوق القصابين وسوق القصاصين وسوق المعادن وسوق الزيوت وسوق السمك وسوق الصاغة وأغلب العاملين بها من المسيحيين وسوق العطارة وسوق الحبوب وسوق الورق

وأشار الدكتور ريحان إلى أن كتاب الدكتور حسن نور رصد الآثار المسيحية بإسنا ومنها مغارات المتوحدين بأصفون وقد قام المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالكشف عنها ووجد أنها عبارة عن أماكن لسكني الرهبان تحت مستوى الأرض وينزل إليها بسلالم وترجع هذه المباني للعصور الأولي لمتوحدي إسنا ، ودير الرومانية بقرية الدير على الجانب الشرقي من النيل وعلى بعد 3كم شمال إسنا، وبقايا دير غربي الطوايع، وآثار الكنيسة أمام معبد إسناكشف عنها عام 1987

وهي تشبه الكنائس التي حول معبد الأقصر وتعود إلى القرن السادس الميلادي ودير الشهداء غربي القرايا ويعرف بدير إسنا أو دير الثلاثة آلاف وستمائة شهيد ذلك لأنه ارتبط بتاريخ الشهداء فيما يعرف بمذبحة الشهداء في  إسنا ويحمل هذا الدير أيضا اسم القديس أمونيوس أسقف إسنا في نهاية القرن الثالث الميلادي وتحيط بالدير جبانة كبيرة من جهة الغرب لشهداء إسنا في العصر الروماني ولا تزال قائمة حتى اليوم يدفن فيها المسيحيون موتاهم ويقع هذا الدير على بعد 5كم إلى الجنوب الغربي من إسنا مقابل قرية القرايا

ودير الأنبا متاؤس الفاخوري على مسافة 16كم  شمال إسنا ويعتبر من أهم الأديرة ويحجون إليه بكثرة حتى الآن وإن كان حجهم إليه في الأزمان القديمة أكثر ، كما يعتبر من أهم أديرة محافظة الأقصر الباقية نظرًا لبناء كثير من أجزائه المعمارية التي تجمع خليطًا من القديم الذي يمكن تأريخه بالعصر الفاطمي وبين الحديث الذي يرجع إلى عصور مختلفة ، كما أشار الكتاب إلى الكنائس ومنها كنيسة السيدة العذراء بشارع الكنيسة بوسط المدينة وهي كنيسة ضخمة ولكنها مجددة حديثا ما بين عامى 1954- 1958

ولفت الدكتور ريحان إلى الآثار الإسلامية الذى يتضمنها الكتاب ومنها الجامع العمري (469- 470 هـ/1077 – 1078م)  أو الجامع العتيق الذى يقع شرق معبد إسنا ولا يفصله عن نهر النيل غير شارع الكورنيش، ولهذا الجامع تاريخ عريق فقد تجدد عدة مرات وكان سقفه يرتكز على ثلاثة عشر عمودًا من عصر البطالمة، تكسرت في التجديد الأخير معظم تيجانها وفي 15 يوليو عام 1964 م شرع مجلس المدينة في بناء المسجد العتيق  ثم افتتح فى 27 أكتوبر 1969 والواقع أن هذا الجامع يرجع إلى ما هو أقدم من هذا التاريخ بتسعمائة وعشرين عامًا، فقد تخلفت عن المسجد القديم اللوحة التذكارية لإنشائه وكانت مثبتة على يمين المحراب وهي عبارة عن لوح من الرخام مقاسه 49×54 سم ، يتضمن عشرة سطور من الكتابات الكوفية البارزة أفادت بأن المسجد أسس في عصر الإمام المستنصر بالله الفاطمي (429-487هـ/1036- 1094م) وأمر بإنشائه بدر الجمالي المستنصري

وتعتبر مئذنة جامع إسنا من أقدم المآذن المؤرخة في مصر الإسلامية وعلى غرارها أنشئت مآذن الوجه القبلي  فلم يتبق من الجامع العمري بإسنا سوى هذه المئذنة والتي كانت تقع بركنه الجنوبي الغربي وبقيت أيضا اللوحة التذكارية لإنشائها وكانت مثبتة على يسار محراب الجامع وقد استقرت الآن بمتحف الأقصر

وتابع الدكتور ريحان بأن إسنا تضم عمائر مدنية هامة مثل الخانات وهي مبان عامة لإيواء الوافدين على المدينة من غير أهلها وعادة ما يحتوى الدور الأرضي منها على حوانيت للتجارة فهي من المنشآت التجارية ومن العمائر المدنية أيضا مجموعة الدور والمنازل الأثرية وهي كثيرة ومؤرخة ومنتشرة في بندر وقرى إسنا ومنها المنشآت الصناعية كمعاصر الزيت وقاعات نسج السجاد والكليم وأفران الفخار والجير

ورصد الكتاب خان حسن الجداوي 1207هـ/1792م على بعد 30م شمال معبد إسنا، ولا يفصله عنه سوي شارع وساحة رحبة جنوب الخان وقبل تخليص المعبد من الرمال في عصر محمد على كانت هذه المنطقة من المدينة متعرجة حتى طرأ عليها بعض التعديل   ويأخذ الخان شكل مربع طول ضلعه من الخارج 22,5مترا  وبه حوالي أربعين حجرة وملحقات أخرى تلتف في دورين حول فناء داخلي مكشوف، وله واجهات ثلاث، وتطل واجهة الوكالة الرئيسية على معبد الإله خنوم، ومواد البناء المستخدمة في الخان هي الطوب اللبن والآجر واستخدمت جذوع النخيل وجريده للأسقف القديمة (الأثرية) وأخيرًا استخدمت المونة التي تتكون من طمي وتبن وقصرمل متخمرة معا كمادة لاصقة بين القوالب والمداميك.

والجداوي الذي بنى الخان والإيوان بإسنا هو حسن بك الجداوي، مملوك على بيك، ومن خشداشين(أي رفاق الخدمة) محمد بيك أبي الذهب، مات بغزة بالطاعون عام 1215هـ/1800م وكان من الشجعان الموصوفين والأبطال المعروفين ، ولما انفرد على بيك بمملكة مصر ولاه إمارة جدة فلذلك لقب بالجداوي وذلك سنة 1184هـ/1770م

وأوضح الدكتور ريحان أن الدولة تقوم بمشروع (إعادة اكتشاف الأصول التراثية الثقافية بمدينة إسنا) بالتعاون بين عدة جهات هى محافظة الأقصر ووزارة السياحة والآثار، حيث يتم تنفيذ هذا المشروع بتمويل من الشعب الأمريكى من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية فى إطار الاتفاقية المشتركة بين حكومتى جمهورية مصر العربية والولايات المتحدة الأمريكية بشأن الاستثمار المستدام فى السياحة بمصر "سايت"، والذى يهدف إلى زيادة تنافسية قطاع السياحة فى مصر من خلال رفع مستوى إدارة المواقع التراثية وترويجها والحفاظ عليها، لتحسين العوائد الإقتصادية لسكان المنطقة، حيث يهدف المشروع إلى إطلاق إمكانات التراث الثقافى المتنوع لمدينة إسنا بما يمهد لإعادة إحياء تلك المنطقة بصورة مستدامة، ووضع المدينة بما تشكله من معالم تراثية متميزة على الخريطة السياحية بمصر

 

وتمت بوكالة الجداوى الأعمال الإنشائية والمعمارية وتجديد شبكة الصرف الصحى بها وتغذيتها بالمياه وأعمال الإضاءة والإنارة، إضافة إلى إعادة توظيفها بما يضمن بقائها عامرة بالأنشطة لخدمة البيئة المحيطة بها، وتطوير "سوق القيسارية" التراثي، وإعادة تأهيل عددًا من المباني ذات الطراز المعماري المتميز بمركز المدينة، وإحياء منطقة "معبد خنوم" والمئذنة العمرية والأسواق

 وأوضح الدكتور ريحان أن كتاب الدكتور حسن نور "مدينة إسنا وآثارها فـــــي العصور الإسلامية" رصد المنشآت الصناعية بإسنا وشملت معصرة ورثة أحمد بكوربشارع الكنيسة وهى معصرة لاستخلاص الزيت بالطريقة اليدوية المعروف في إسنا منذ عصور مصر القديمة وترجع مباني المعصرة وآلاتها إلى القرن التاسع عشر الميلادي و قاعات نسج السجاد والكليم ويوجد في إسنا وريفها حتى الآن قاعات صغيرة لصباغة الخيوط ولفها ونسجها بمختلف أنواع الصناعات النسجية كالسجاجيد والأكلمة والحصر والشقق والحبر والشيشان وغيرها علاوة على أفران الفخار والجير التي تبني عادة على ساحل النيل أو بالقرب من مورد ماء.

النجمة السداسية، رمزية بالحضارات المصرية القديمة والسومرية واليونانية

أكدت الاكتشافات الأثرية وجود النجمة السداسية قبل وجود الديانة اليهودية بقرون عديدة، ففى مصر القديمة وجدت منذ عصر ما قبل الأسرات وعند السومريين والآشوريين واليونان ومن بين رموز الديانة الهندوسية التي سبقت وجود اليهودية بآلاف السنين وانتشرت فى العصر الإسلامى بشكل كبير

وفى دراسة للباحثة ابتسام أحمد المغربية  تحت عنوان "بحث مفصل عن النجمة السداسية بالصور والتوثيقات" إشارة إلى العثور على قطعة أثرية مصرية تعود إلى تاريخ ما قبل الأسرات وقبل نشوء الديانة اليهودية تظهر عليها النجمة السداسية بإحدى المقابر الأثرية الموجودة بمدينة أون عاصمة مصر فيما قبل الأسرات بمنطقة عين شمس وكان صاحب المقبرة كاهن المراسم بالمعبد الكبير بالمدينة ووجدت لديه مجموعة من خبز القربان يتكون من 3 أرغفة بأحجام مختلفة أولها يحمل خاتم الملك وهو غطاء الرأس الملكي وثعبان الكوبرا الملكية وكان يزَيّن جبين الملك والرغيف الثاني يحمل بصمة قاعدة العصا الملكية أو الصولجان أمّا الرغيف الثالث وهو أصغرهم حجمًا فيحمل الرمز الشخصي للملك وهو النجمة السداسية

ارتبطت النجمة السداسية في العقيدة المصرية بالمعبود  "أمسو" الذي كانوا يعتقدونه أول إنسان تحول الى "إله" ثم أصبح اسمه حورس كما كانت تستخدم كشكل زخرفي في غالب الأحيان خاصة في فترة ما قبل الأسرات وقد ظهرت بوضوح في عصر الأسرتين 21 و22 الليبيتين وهما مصريتان وتحت لواء الحضارة المصرية وكانت النجمة بأنواعها تقام على واجهات ومداخل العمائر الضخمة والشهيرة ثم استمر استعمالها في العصور الإسلامية على الأطباق والكراسي

كما ظهرت النجمة السداسية فى الحضارة السومرية حيث اكتشف عالم الآثار العراقي مزاحم محمود ما بين عامي 1988م و1992 م في منطقة نمرود العراقية آثارًا تعود إلى تاريخ يقدر لثماني قرون قبل الميلاد وسميت هذه الآثار بـ"كنوز النمرود" ويتكون هذ الكنز من 613 قطعة من المجوهرات الذهبية كانت محفوظة في المخازن المحصنة الموجودة تحت الأرض بالمصرف العراقي المركزي ومن بين هذه الآثار هناك قطعة أثرية عبارة عن ختم آشوري مصنوع من الذهب على شكل نجمة سداسية وهذه القطعة موجودة حاليًا في متحف "لوفر" في باريس، وفي متحف فورديرازياتيش ببرلين قطعة أثرية عليها نجمة سداسية تعود إلى الحضارة السومرية وبالضبط إلى 2500 سنة قبل الميلاد

وهناك تأكيدات على وجودها فى الحضارة اليونانية حيث اكتشف  الباحث الآثارى الإيطالي دورو ليفي أحجارًا في كريت بجنوب اليونان بقصر فيستوس عليها آثار للنجمة السداسية تعود إلى 1700 سنة قبل ميلاد السيد المسيح وهو التاريخ الذي دمر فيه قصر فيستوس أي أن الأحجار تعود إلى أكثر من 700 سنة قبل ولادة نبي الله موسى محفوظة الآن في متحف هيراقليون باليونان، كما وجدت على قطع الفسيفساء الرومانية فى قبرص وبلغاريا وتونس

وظهرت النجمة السداسية فى الهندوسية إلى ما قبل 2000 سنة قبل الميلاد وتعد النجمة السداسية من أهم رموزها وتسمى شاتكونا وترمز إلى اتحاد القوى المتضادة مثل الماء والنار والذكر والأنثى كما تمثل بوروشكا (الكائن الأسمى) كما تمثل الطبيعة الأم حسب العقيدة الهندوسية وهي ترمز للتجانس الكوني بين شيفا وشاكتي

وارتبطت النجمة السداسية بالمسيحية بأنها  ترمز إلى المسيح القادم أو الميسيا وهذه الرمزية ترجع عند بعض المسيحيين إلى نبوءة بلعام التي تبشر بالمسيح القادم وتسميه "نجمة" (في ترجمة الحياة) أو "كوكب" في بعض الترجمات الأخرى (أراه ولكن ليس حاضرًا، وأبصره ولكن ليس قريبًا. يخرج نجم من يعقوب، ويظهر ملك من إسرائيل فيحطم طرفي موآب، ويهلك كل رجال الحرب) (عد 24: 17) ترجمة الحياة.

ولما ولد يسوع في بيت لحم أيام هيرودس الملك اذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم  قائلين "أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له" متى الإصحاح 2، وهذا يفسر وجود النجمة السداسية رمزًا عند المسيحيين حتى القرن الثاني عشر ميلادي وتظهر فى زخرفة الكنائس القديمة ومنها كنيسة سان مارتان ـ ليموكس ـ جنوب غرب فرنسا والتي يعود تاريخ بناءها إلى القرن الثاني عشر الميلادى ، وقطعة نسيج بكنيسة بلدة سافينيي بفرنسا يمثل المعمودية وترجع إلى القرن الثامن عشر الميلادى وتظهر فيها النجمة السداسية ولوحة في كنيسة القديس نيكولا في كروسيفو ـ مقدونيا تمثل السيد المسيح وسط نجمة سداسية

ونؤكد على أن النجمة السداسية وإن وجدت قبل الإسلام؛ إلّا أن الفنان المسلم أبدع فى زخارفها، حيث حملت مدلولًا دينيًا يؤكد العلاقة الوثيقة بين السماء والأرض، فالنجمة السداسية ناجمة عن تداخل مثلثين المتجه رأسه لأعلى وقاعدته لأسفل يمثل الأرض، والمتجه رأسه لأسفل وقاعدته لأعلى يمثل السماء، فأصبحت زخرفة إسلامية بحتة، وجدت على القطع الفنية الإسلامية المكتشفة بحصن رأس راية بطور سيناء، والذى يعود إلى القرن العاشر الميلاد

كما وجدت النجوم السداسية على المباني الإسلامية ومنها مدخل قلعة الجندي بوسط سيناء، والتي بناها صلاح الدين الأيوبي من عام 579هـ - 1183م

 إلى عام583هـ - 1187م، كما وجدت في الآثار الإسلامية بالقاهرة التاريخية في جامع ابن طولون الذي يعود إلى عام 265هـ - 878م، وجامع الطنبغا المرداني بشارع التبانة 740هـ، - 1393م ومدرسة الأمير قجماس الإسحاقي بشارع الدرب الأحمر 883هـ، - 1478م وعدة آثار إسلامية أخرى

والتساؤل المطروح بالطبع ماعلاقة النجمة السداسية باليهودية؟

لم تصبح النجمة السداسية رمزًا يهوديًا إلا في العصر الحديث وقام الفنانون التشكيليون اليهود في العصر الحديث أمثال مارك شاجال ممن ينتمون إلى تراث فني غربي بتصويرها ولم تكن النجمة السداسية رمزًا يهوديًا بل كانت شكلًا  هندسيًا وحسب،  وهي حين ظهرت على بعض المباني اليهودية لم تكن لها دلالة رمزية وإنما كان الغرض منها أداء وظيفة زخرفية، وفي القرن الرابع عشر الميلادى سمح تشارلز الرابع للجماعة اليهودية في براغ بأن يكون لها علمها الخاص، فصُوِّرت عليه النجمة السداسية ومن ثم أصبحت النجمة رمزًا رسميًا دنيويًا لليهود. واتخذها بعض طابعي الكتب اليهود في براغ علامة لهم وانتشرت منها إلى إيطاليا وهولندا، ويُلاحَظ أن النجمة السداسية كانت حتى ذلك الوقت مجرد علامة، لا رمزًا دينيًا قوميًا وانتشر استخدام هذه العلامة من براغ إلى الجماعات اليهودية الأخرى واستخدمها أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا سنة 1655، وحينما طُردوا منها حملوها إلى مورافيا ووصلت منها إلى أمستردام، ويُلاحَظ أنها لم تنتشر في شرقي أوروبا إلا مع بدايات القرن الثامن عشر الميلادى، ففي هذا التاريخ بدأت النجمة السداسية تتحول إلى شارة لليهود، وفي أوائل القرن التاسع عشر وفي عام 1822م تبنت عائلة روتشيلد في النمسا هذه النجمة رمزًا لها، بعد أن رُفع بعض أعضائها إلى مرتبة النبلاء

ومع ظهور الصهيونية تبنَّت النجمة السداسية رمزًا لها، ذلك الرمز الذي ظهر على العدد الأول من مجلة دي فيلت التي أصدرها هرتزل في 4 يونيه 1897، ثم اختير رمزًا للمؤتمر الصهيوني الأول ولعَلَم المنظمة الصهيونية

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.