د.رضا محمد عبداللرحيم

د.رضا محمد عبداللرحيم

عضو اتحاد كتاب مصر

زيارة إلى المعهد العربى الإسلامى فى طوكيو

يرجع تاريخ الدين الإسلامى فى اليابان إلى سنة 1891م، عندما اعتنق عدد من اليابانيين الإسلام. ولن أفوت هذه الفرصة لأحدثكم عن رجل لا يعرفه كثير من القراء، وهو رجل جدير بأن يعرفوه ويدرسوا آثاره،أنه  الصعيدى فاتح إمبراطورية اليابان ،وهو الشيخ الأزهرى على الجرجاوى ففى عام 1906 م، بقرية "أم القرعان" فى مركز"جرجا" بصعيد مصر،قرأ الشيخ أن رئيس وزراء اليابان الكونت (كاتسورا) أرسل خطابات رسمية إلى دول العالم ليرسلوا إليهم العلماء والفلاسفة والمشرعين وكل أصحاب الديانات لكى يجتمعوا فى مدينة "طوكيو" فى مؤتمر عالمى ضخم يتحدث فيه أهل كل دين عن قواعد دينهم وفلسفته،ومن ثم تختار الحكومة اليابانية ما يناسبها من هذه الأديان ليكون دينا رسميا للإمبراطورية اليابانية بأسرها ،وسبب ذلك أن اليابانيين بعد انتصارهم المدو على الروس فى معركة "تسوشيما"عام 1905م،رأوا أن معتقداتهم الأصلية "الكونفوشيوسية" لا تتفق مع تطورهم الحضارى وعقلهم الباهر ورقيهم المادى والأدبى الذى وصلوا إليه،فأرادوا أن يختاروا دينا جديدا للإمبراطورية الصاعدة يكون ملائما لهذه المرحلة المتطورة من تاريخهم.

عندها أسرع هذا الصعيدى البطل إلى شيوخ الأزهر يستحثهم بالتحرك السريع لانتهاز هذه الفرصة الذهبية لنقل دين محمد إلى أقصى بقاع الأرض ،فى مهمة لو قدر لها النجاح لتغير وجه الكون،فلم يستمع الشيخ الجرجاوى إلا لعبارات"إن شاء الله"،"ربنا يسهل"،فكتب الشيخ على الجرجاوى فى صحيفته الخاصة "الإرشاد" نداء عاما لعلماء الأزهر لكى يسرعوا بالتحرك قبل أن يفوتهم موعد المؤتمر،ولكن لا حياة لمن تنادى،فهل فوض الشيخ على أمره لله وقال اللهم إنى قد بلغت؟هل استسلم هذا الشيخ لأولئك المثبطين وواسى نفسه بأنه قد عمل ما عليه؟

لقد قام هذا الصعيدى البطل ليحمل هم أمة كاملة على كتفيه،وانطلق إلى قريته الصغيرة ليبيع خمس أفدنة من الأرض كانت جل ثروته،لينفق على حسابه الخاص تكاليف تلك المغامرة العجيبة التى انتقل فيها على متن باخرة من الإسكندرية إلى إيطاليا ومنها إلى عدن ،ومنها إلى بومباى فى الهند ،ومنها إلى كولمبو فى جزيرة سيلان(سيريلانكا الآن)،ومن هناك استقل باخرة لشركة إنجليزية متجهة لسنغافورة ،ثم إلى هونج كونج،فسايغون فى الصين،ليصل أخيرا إلى ميناء "يوكوهاما"اليابانى بعد مغامرة بحرية لاقى فيها هذا الصعيدى البطل ما لاقاه من الأهوال والمصاعب.وهناك فى اليابان كان العجب،وانظروا الآن إلى عظمة هذه الأمة –أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)- فلقد تفاجأ هذا الشيخ الصعيدى على الميناء بوجود شيخ هندى من مشايخ مدينة "كلكتا"،وشيخ أمازيغى من مشايخ "القيروان"فى تونس ،وشيخ صينى من "التركستان الشرقية"،وشيخ من مسلمى "روسيا"،كل هؤلاء جاءوا مثله على نفقتهم الخاصة ،ليجدوا أن الخليفة العثمانى البطل (عبد الحميد الثانى) جزاه الله خيرا كان قد أرسل وفدا كبيرا من العلماء الأتراك،ليجتمع أولئك الدعاة جميعا ويكونوا وفدا إسلاميا ضخما مكونا من مسلمين من أقطار مختلفة،وبدأت جلسات مؤتمر الأديان ،وتكلم أصحاب كل دين عن دينهم، حتى جاء الدور على الوفد المسلم،فشرح الوفد المسلم لليابانيين تعاليم الدين الحنيف،وأوجزوا فى شرح الإسلام بشكل يسمح لليابانيين فهمه بشكل مبسط،وتم عقد أكثر من جلسة فى هذا المؤتمر،أعلن بعدها الإمبراطور شكره لكل الوفود ،وأعلن لهم أن حرية الدين مكفولة فى اليابان،فمن شاء من اليابانيين اتباع أى دين فهو حر فى اختياره ،فخرج الجرجاوى رحمه الله إلى شوارع طوكيو برفقة الوفد المسلم ومعهم الترجمان،ليُسلم على أيديهم آلاف اليابانيين،ويصف الجرجاوى ما قاموا به فى اليابان فى كتابه الرحلة اليابانية قائلا: "فلو كان المسلمون أرسلوا وفودهم إلى اليابان قبل هذا الأوان واستعملوا هذه الطريقة التى استعملناها لكان عددهم الآن يعدون بالملايين لا بالألوف،أما الذين أعتنقوا الإسلام على أيدينا فبلغ عددهم نحو الاثنى عشر ألفا".

وما بين عامَيْ 1923 إلى 1952م، هاجرت مجموعات من المسلمين التتار من آسيا الوسطى إلى اليابان واستقرت في مناطق طوكيو وكوبي وناقويا، كما أقام عدد من المسلمين الهنود في مدينة كوبي. وفي عام 1956م قدم إلى اليابان أفراد من جماعة التبليغ في باكستان وكانت لهم جهود كبيرة في نشر الإسلام في اليابان. وفي تلك الأثناء عاد إلى اليابان عدد من اليابانيين الذين أسلموا في مناطق جنوب شرق آسيا والصين، في حين استمر توافد جماعة التبليغ إلى اليابان بشكل دوري، وفي أواخر الخمسينيات من القرن الماضي بدأ توافد الطلبة المسلمين من مختلف البلدان الإسلامية للدراسة في الجامعات اليابانية، وقام عدد منهم في عام 1960م بتأسيس «جمعية الطلبة المسلمين» وفي عام 1974م تم تأسيس المركز الإسلامي.

قامت المملكة العربية السعودية بإنشاء المعهد العربى الإسلامى فى طوكيو ،وتم إفتتاحه عام 1982م،لإستقبال الطلاب اليابانيين لإشباع رغبتهم فى تعلم اللغة العربية ،والتعرف على ثقافتها وعلومها.

 وقد كان هذا المعهد يمثل هدية من المملكة للشعب اليابانى عامة وخدمة للمسلمين خاصة.وتم تكليف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالإشراف الإدارى والعلمى عليه،وهى إحدى الجامعات الحكومية العريقة ذات السمعة الأكاديمية العالمية.ولها العديد من الفروع داخل المملكة وخارجها فى آسيا وأفريقيا وأمريكا .

والمعهد مقام على أرض السفارة السعودية القديمة فى منطقة (ميناتوكوموتو أزابو)على مساحة قدرها 1398 مترا مربعا بتكلفة سبعة وعشرين مليون ريال سعودى،ونُفذ على طراز عمرانى مميز. وقد تم تجهيز المعهد بالمعامل الصوتية  والأثاث المكتبى والتعليمى على أحدث المواصفات.

كما يحظى المعهد بهيئة تدريس مؤهلة ومتخصصة فى تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ،وبوصفها لغة أجنبية أو ثانية.

يبلغ عدد الطلاب فى الفصل الدراسى الواحد لجميع الدورات والبرامج أكثر من 260 طالبا وطالبة،،وقد بلغ عدد خريجى البرامج الدراسية والدورات المصاحبة فى المعهد حتى 2015م قرابة (2637) طالب طالبة.

وقد درج المعهد على إقامة نشاطات سنوية للطلاب الدارسين للغة العربية بمقره،مثل مسابقة اللغة العربية الكبرى (الأولمبياد) ،وهى مسابقة سنوية ،وتشمل مهارات اللغة العربية الأربع:

المحادثة والإستماع والقراءة والكتابة بالإضافة إلى قواعد اللغة .كما تحرص إدارة المعهد على إقاة الأنشطة الطلابية المنبرية مشتملة على الخطابة ،وقراءات شعرية ،وقصصية،ومشاهد تمثيلية قصيرة ،وحوارات باللغة العربية الفصحى .

كما ينظم المعهد دورات فى تدريس جميع أنواع الخطوط العربية وجمالياتها للمبتدئين وحتى مراحل متقدمة منها،ويقوم بالتدريس فيها البروفسيور هوندا المتخصص فى الخط العربى.

وتقام مسابقة سنوية للخط العربى يتنافس فيها الدارسون للخط العربى ويمنح الفائز فيها ميدالية تقديرية من المعهد ولوحة فنية من إنتاج البروفسور هوندا.

وقد قمت بزيارة مكتبة المعهد بالدور السفلى من المبنى الرئيسى ، وهى زاخرة بأمهات المصادر والمراجع والكتب والدوريات المتخصصة فى الثقافة الإسلامية و العربية وهى بثلاث لغات اللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة اليابانية ،إضافة لترجمة معانى القرآن الكريم باللغة الإنجليزية و اليابانية ،وتتيح المكتبة نظام البحث الإلكترونى مما يسهل عملية البحث عن الكتب والمراجع.وقد أهدانى القائمون على المكتبة مجموعة من الكتب  الإسلامية باللغة العربية والإنجليزية.

وبجوار المكتبة  معرض تراثى مصغر وبديع. يحكى تاريخ وتراث المملكة العربية السعودية ،ويحتوى على العديد من الآثار التراثية والقطع النادرة من مختلف الأنواع مثل مجموعة من السيوف،والخناجر ،وأنواع من السجاد والعبايات .

ستة وثلاثون وجها للمقدس فوجى

    يحظى جبل فوجى ذو الإرتفاع الشاهق (377624 م ) والجمال الأخاذ بتقديس كبير عند اليابانين منذ قرون عديدة ويُعد مصدرا كبيرا لإلهام الفنانين،وقد نالت تلك الصفات الرائعة إعتراف العالم فى عام 2013 م عندما أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمتها للتراث العالمى تحت عنوان فوجى سان مكان مقدس ومصدر للإلهام الفنى.

وعلى الرغم من مظهره الذى يوحى بالهدوء نظرا لموقعه الإستراتيجى وبعده عن الأماكن الحضريه ، فهو يضم فى تاريخه وجها أخر يجعله جبلا رهيبا ويبرر تصنيفه كبركان نشط ،وقد حدث آخر انفجار ضخم لهذا البركان فى عام 1707م أى منذ أكثر من ثلاثمائة واحد عشر عاما كاملة.

وقد أقام اليابانيون مرصدا فى أعلى قمة الجبل المقدس،حيث تبلغ مساحة قمة الجبل حول فوهة البركان 3 كم تقريبا. ويحيط به خمس بحيرات ،ويقع بالقرب من شاطىء جزيرة"هونشو"على المحيط الهادى،على الحدود بين محافظتى شيزوكا وياماناشى ،وتحيط به ثلاث مدن هى : غوتيمبا إلى الجنوب،فوجى يوشيدا إلى الشمال،وفوجينوميا إلى الجنوب الغربى.

وقد أكتسب الرسام اليابانى الأشهر كاتسوشيكا هوكوساى (1760-1849) شهرة بالغة كرسام للمناظر الطبيعية بمجموعته "ستة وثلاثون نظرا لجبل فوجى"،وهذا الرسم المطبوع والذى يعرف شعبيا باسم "فوجى الأحمر" مشهور بصفة خاصة.

 ولا أجد وصفا لعظمة هذا الجبل المقدس" فوجى" أبدع مما جاء برواية سقوط الملاك للأديب اليابانى  يوكيو مشيما(أشهر الكتاب اليابانيين فى القرن العشرين):

"شمخ جبل فوجى عاليا فوق التلال.بدت القمة وحدها جلية للعيان،كأنما ألقيت صخرة بيضاء عاليا من خلال سحب الظنون".

وكان من حسن طالعى أن  أرى  قمته من القطار كهالة الضوء(الناروز) التى تحيط برؤوس الشهداء عند أخوتى من المسيحيين.

وعند سفح جبل فوجى تنضم المياه الموجودة تحته إلى نهر يتساقط فوق شلال "شيرايتو نو تاكى"ويصل أحيانا معدل تساقط المياه على الشلال إلى 1,5  طن فى الثانية الواحدة.

وفى الأزمنة القديمة كان هناك اعتقاد بأن الأرواح التى تغادر الجسد بعد الموت تصعد عبر الجبال حيث تصبح آلهة "كامى" عندما تصل إلى القمة ،وتتحول بعد ذلك إلى آلهة فى المنزل "أوجى-غامى"لتحمى أفراد العائلة (تبعا للديانة الشنتوية).

وعندما وصلت الديانة البوذية إلى اليابان فيما بعد جلبت معها الإعتقاد بالبعث وبأن الأرواح تمر بعد الموت بعوالم ستة بينما تشق طريقها فوق الصخور وعبر الغابات حتى قمة الجبل وهناك تتحقق لها صفة الكمال الروحى أو "هوتوكى" ،

ومن هنا أصبحت الجبال هى مقر اآلهة الشنتوية القديمة والآلهة البوذية أيضا لأنها أعلى الأماكن على سطح الأرض وأكثرها قدسية.

ومع تتطور هذا النوع من عبادة الطبيعة تأصل عند اليابانيين الإحساس بأن الجبال يجب التطلع إليها بإجلال من أسفل لأن الآلهة تسكن عند قممها فى العالم الآخر.حيث يعتقدوا أن الطبيعة ليست بوجه من الوجوه طبيعية حصرا،وإنها دائما مثقلة بقيمة دينية.وهذا جلى ما دام الكون خلقا إلهيا:

إن العالم الذى خلقتة الآلهة بيدها يظل مغموسا بالقداسة.

وعلى قمة جبل فوجى يوجد معبد شنتوى يسمى"سينغين جينجا"وهو مقر آلهة الجبل الشنتوية،وقد أقيمت أيضا معابد أخرى كثيرة تحمل نفس الأسم على منحدرات الجبل وبتأثير من الرغبة القوية لدى اليابانيين نحو تعظيم جبل فوجى باعتباره إله فى حد ذاته.

وهذا المعتقد فى قدسية الجبال  إنسانى ،ولا يختلف فيه اليابانيين عن غيرهم ففكرة الجبل الكونى الذى يربط بين السماء والأرض سواء كان الجبل أسطورى أو واقعى نجدها فى جبل ميرو فى الهند،وجبل هارابرزايتى فى إيران،والجبل الأسطورى المسمى جبل البلاد فى العراق،وجبل جرزيم فى فلسطين.

هذا الاعتقاد نراه مسجلا فيما يسمى"مان يوشو"وهى مجموعة أشعار من طراز "واكا"- مقاطع شعرية  لفظية على وزن ( 5-7-5-7-7 ) - تم تجميعها خلال مئة سنة تقريبا ابتداء من النصف الثانى من القرن السابع الميلادى،وفيما نجد أن أحد شعراء البلاط ويدعى "يامابى نو أكاهيتو"يمدح ارتفاع جبل فوجى وجماله وطبيعته المقدسة قائلا:

"كامى سابيتى – إيرو"ومعناها "يتصرف مثل إله"،وهنا نرى إشارة أدبية مبكرة وواضحة جدا للطبيعة المقدسة لجبل فوجى.

خرجت من الفندق (يوكو) مبكرا ،عاقد العزم على أختراق طريق هاكونى هاتشيرى وفى يدى خريطة ورقية ملونة للوصول إلى هدفى المقدس فوجى سان ،هبطت سلم  محطة المترو وقمت بتزويد الماكينة الإليكترونية بـ170 ينا معدنيا وسجلت اسم المحطة التى سأنزل إليها وهى محطة Shinjuku  وهى تبعد عن الفندق سبع محطات فقط.منحتنى الآله تذكرة ورقية  زرقاء نظرت إلى الخط الأزرق على أرضية المترو الذى قادنى  حتى المصعد الذى هبط إلى الدور الثانى .حيث شاهدت عجبا.! رصيف المترو أيضا له بوابات إليكترونية تفتح أمام أبواب قطار المترو وتغلق بعد التأكد من سلامة هبوط وصعود الركاب . بعد خمسة عشر دقيقة تقريبا كنت قد وصلت إلى محطتى،أشتريت زجاجة مياه ،ثم قمت بشراء تذكرة قطارسريع (الطلقة) بـ2320 ينا ولم أستطع النوم بل تعلقت عيناي بالطريق. ما كل هذا الجمال .!

سبحان الله جبال شاهقة وصخورتتلألأ عليها امطار الخريف الخفيفة فتزيدها حسنا فوق حسنها الأخاذ.سبحان الله  ساعة كاملة وأنا مشدو لا أنطق غيربكلمة سبحان الله ،ما أجمل الترحال بين أحضان الطبيعة الجميلة، هنا بحروبحيرات وبرك مائية  وهناك نهر وفى الأسفل شلالات  ،وأشجار ضخمة .

علمت بعدها أنها غابة ساحل "ميهو نو ماتسوبارا" الصغيرة وهى على بعد 45 كيلومتر جنوب غرب قمة جبل فوجى ،وهى غابة من أشجار الصنوبر،وهناك معبد "ميهو"الذى أقيم لتبجيل شجرة صنوبر مقدسة، وتخبرنا الأسطورة اليابانية  القديمة  أن أنثى ملاك نزلت من السماء إلى هذه البقعة وخلعت الرداء التى كانت ترتديه (هاغورومو)  لكى تسبح ، وقامت بتعليقه فوق تلك الشجرة.

أشتم رائحة  دخان بركان فوجى ، وأشترى "بيضة" تم سلقها بواسطة الأبخرة المتصاعدة بفعل سخونة الحمم البركانية السائلة  الصغيرة الهابطة من جسده ، وأزور مرتفاعات "نيهونديرا" التى تقع أسفله، وأشاهد السفن العتيقة الأسطورية  الطراز على شاطىء "كوماجوى".

زهور الكرز"الساكورا".. وبداية فصل الربيع اليابانى

حظيت زهرة اللوتس بمكانة مقدسة لدى الحضارات القديمة فى كلا من مصر والهند ،وترمز هذه الزهرة وبتلاتها الخمسة إلى الأطراف الأربعة للإنسان ورأسه .كذلك الحواس الخمسة..والأصابع الخمسة لليد الواحدة.. وتشبه الهرم وأيضا الجهات الأربعة للبوصلة.

وكانت زهرة اللوتس،رمز الخصب كما هو وارد فى الرسوم القديمة فى مصر والهند،تبرز من المياه وتفتح بتلاتها الخمسة كى تشعر بدفء حرارة الشمس ويتم تخصيبها.

ففى مصر تظهر زهرة اللوتس الزرقاء فى الرسومات الجدارية للأسرة السادسة فى هرم سقارة المدرج وكافة لوحاته الجنائزية،حيث تظهر فى شكل هدية للموتى تحملها الأيدى وكأنها تحمل فى طياتها القدرة على إعادة الموتى إلى الحياة من جديد ونجد هذه الزهرة ضمن الكنوز الجنائزية –التى عثر عليها بمقبرة الملك توت عنخ آمون- منحوته على حجر اللازورد السماوى إلى جانب الصقر الذهبى والشمس،وكلاهما يرمز إلى الإله حورس.

ومنذ الرسومات الأولى لهذه الزهرة على الأحجار فى "سانشى" فى القرن الأول قبل الميلاد فى الهند،ارتبطت زهرة اللوتس فى الأذهان بـ"سرى" إلهة الخصوبة والتى تحولت فيما بعد إلى "لاكشمى"إلهة الغنى والنماء والتى يعبدها البوذيون واليابانيون والهندوس على حد سواء.

وقد ترسخت عقيدة تقديس الطبيعة والتعايش معها على سطح كوكب اليابان ، و طغى هذا المبدأ على جميع جوانب الثقافة اليابانية. ويمكن أن نراه في كل شيء من تصميم الحديقة، الذي غالبا ما يحاكي مشاهد الطبيعة أو يقوم حتى بدمج صور الطبيعة المحيطة بها ”مشاهد مستعارة“ (شاكّيئي)، إلى الهندسة المعمارية المحلية العادية، باستعمال أوراق "شوجي" التي يمكن فتحها لمحو الحدود بين الداخل والخارج، ثم غلقها دون أن يمنع صوت الرياح والحشرات. بالنسبة لليابانيين  فإنهم كانوا دائماً يعتبرون كل ما يخص الطبيعة في مظاهرها المتنوعة من الأصوات والروائح وحتى الإحساس (بالحرارة والبرودة) نعماً إلهية.

 وترجع جذور هذا التقديس للطبيعة إلى مفهوم السكان الأصليين حول الغابات باعتبارها أماكن مقدسة تسكنها الآلهة أو تزورها. و"هيموروغي" وتعني الغابة البدائية ويتم تقديسها بشكل كامل، ولكن من بين ذلك يتم تقديس أقدم الأشجار وأضخمها بوجه خاص، حيث يؤمن اليابانيون بأنها تجسيد للإله. ويمثل هذه الفكرة شجرة كاموو نو أوكوسو (معبد كاموو هاتشيمان)، شجرة كينومييا ساما نو أوكوسو (معبد سوغيهوكوواكين نو ميكوتو)، وشجرة ريوجين بوكو (معبد تسيتسيبو إيماميا) وغيرها.

وتتماثل وتتجسد فكرة زهرة اللوتس كفكرة رئيسية تمثل دورة الميلاد ثم الموت والبعث بعد ذلك بكل معانيها فى

 زهرة الكرز"الساكورا"،التى تتميز بان لها العديد من الألوان النقيه وان كان الاغلب هى البيضاء والورديه والمهجنه فيما بينهما، فهى رمز يستلهم اليابانيون منه عبره قصرالحياه كون هذه الزهرة تتفتح أيام قليلة فقط ثم تتساقط ،فالساكورا تمثل الجمال المتألق والموت السريع ولهذا يتم ربطها بالفناء ومن أجل هذا السبب أكتسبت الساكورا كل هذه الرمزية فى المجتمع اليابانىلأنها تذكرهم بإنسانيتهم وفنائهم.
حيث كانت تزهر فى العصور القديمة فى الجبال فتأصل فى ذهن اليابانى إن آلهة  الجبل - كانّابي“ هي الجبال الشامخة أو رائعة الجمال والتي تعامل على أنها مقدسة وتعبد باعتبارها آلهة في حد ذاتها. لعبت الجبال دورا بارزا في الديانة اليابانية منذ عصور ما قبل التاريخ. واعتبرت الجبال الشاهقة أماكن عدائية خطيرة للإنسان لا ينبغي المغامرة فيها. وفي الوقت نفسه، كانت تبجل باعتبارها مصدراً للجداول التي تهب الحياة وللأنهار التي تتغذى عليها المزارع والقرى الموجودة في سفوح هذه الجبال، أو قد تغمرها بالمياه عندما تفيض ضفتاه.- تسكن فى بتلات أزهار الكرز ،وأن آلهة الجبل تزور القرى فى موسم حصاد الأرز(فى فصل الخريف) ثم تعود إلى الجبال مرة اخرى بعد الحصاد ( فى فصل الربيع ) حيث تزهرأزهار الكرز.

وتفتح زهور الكرز يبدأ فى "أوكيناوا" فى شهر فبراير ويصل إلى "كيوتو وطوكيو" فى نهاية مارس أو بداية شهر أبريل - مُعلنةً بذلك بدء "هانامي"  أو موسم مشاهدة الزهور- وبعد ذلك تواصل موجة أزهار الكرز تفتحها فى الشمال وصولا إلى هوكايدو بعد بضعة أسابيع .وتختلف فترة ومدة تفتح زهور الكرز باختلاف المنطقة والطقس كل عام .وفى الأرخبيل اليابانى الذى يمتد من الشمال إلى الجنوب تسير "موجة تفتح زهور الكرز"بالعكس من الجنوب إلى الشمال ،ومن مستوى الأرض إلى الأماكن المرتفعة كالهضاب والجبال ،حيث

تبدأ بـ "هيكان" بمحافظة أوكيناوا فى شهر يناير وينتهى بـ" إيزوياما" فى هوكايدو فى  شهر مايو. وفي بعض السنوات تزهر أشجار الكرز في "طوكيو" قبل إزهارها في "كيوتو" المتواجدة على بعد ما يقارب الـ ١٠٠٠ كيلومتراً جنوب غرب العاصمة. كما أن توقيت ومدة الإزهار يختلفا من عام إلى آخر إلى حد يثير الدهشة، وحتى بالنسبة لنفس الأشجار. وعندما تتفتح زهور شجرة ساكورا معينة تتم الإعلان عنها فى الأخبار ،ثم يتم بعد ذلك الإعلان عن حالة التفتح مثلا التفتح 10 % والتفتح 50% والتفتح الكامل.

ويقال إن اليابانيين في عصر "نارا" (٧١٠-٧٩٤) كانوا يستمتعون بمشاهدة تفتح زهور المشمش الياباني والتي أتت من الصين في ذلك العصر. ولكن في عصر "هيّأن" (٧٩٤-١١٨٥) بدأ الناس ينقلون أشجار الساكورا البرية إلى العاصمة ويستمتعون بمشاهدة تفتح زهورها. وبالتدريج بدأ النبلاء في ذلك العصر في إقامة حفلات وولائم تحتها.

وفي ذلك الوقت كان لزهور الساكورا شعبية كبيرة جداً إلى درجة أن كلمة "زهرة" كانت تشير إلى الساكورا.

 وقد أحب اليابانيون زهور الساكورا التي تتفتح وتسقط في فترة قصيرة كـزهرة تعبر عن الجمال قصير العمر ونظم النبلاء شعر ياباني "واكا"تحدث عن الساكورا كثيراً.

أما في عصر" إيدو" (١٦٠٣-١٨٦٨) فقام الشوغون-الحكومة وقتئذ- بغرس أشجار الساكورا في كل مكان في العاصمة إيدو ودعا إلى الاحتفال بمشاهدة زهور الساكورا، وهذا كان سببا في انتشارها بين عامة الشعب. كما أصبحت الاحتفال بمشاهدة تفتح زهور الساكورا موضوعا لـ"الراكوغو" الذي كان بمثابة الشيء المسلي بين عامة الشعب من حينها حتى الآن حيث يقوم اليابانيون بإفتراش الحدائق أو على ضفاف الأنهار التي تتفتح على جانبيها زهور الساكورا ويستمتعون بالأكل والشرب مستمتعين بالمناظر الخلابة لتلك الزهور البديعة. وفي هذه الولائم يشرب اليابانيون أنواعاً من الكحول مثل البيرة والساكي أو الشووتشوو (مشروب كحولي قوي) مع فول الصويا الأخضر والدجاج المقلي والسوشي وكرات الأرز أو الاستمتاع بحفلات شواء اللحم.

كما أن مشاهدة زهور الساكورا المضاءة بالليل أصبح أمراً له رواج وشعبية كبيرة في الآونة الأخيرة. توقعات توقيت تفتح الأزهار هي نوع من ألعاب الرياضة والتكهن في اليابان.

وأصبحت هذه العادة سمة مميزة من سمات الربيع في اليابان.

 وهناك معلومات تشير أن ٦٠٪ من اليابانيين يقومون بمشاهدة زهور الساكورا المتفتحة كل عام.

الـ"كوجيكى" الكتاب اليابانى المقدس

إن كتاب الـ" كوجيكى" يتجاوز التقديس إلى كونه دمآ وروحا يسريان فى العروق اليابانية ،على الرغم أنه لا يقرأ فى معبد أو فى بيت.. فى صباح أو فى مساء،ولكن على حد وصف أحد الشعراء:

 ننثر محتواه نثرا وديعا فى الريح ،فى الحياة،فى الظلام،فى الحكايات ،فى الكتب ،فى الصحف ،هكذا يأتى سلوك اليابانى،أى يابانى منسوجا من دروس هذا الكتاب.

لا يوجد بيت يابانى يخلو من نسخة أو أكثر من كتاب الـ "كوجيكى "بنصه الأصلى - دون أنذاك باللغة الصينية القديمة التي كانت تُعد اللغة الثقافية في اليابان القديمة- مرفقا بترجمة إلى اللغة اليابانية الحديثة ويكثرون الشروحات والتعليقات.

فما هى قصة هذا الكتاب ؟وماذا يتضمن ؟وما هى أهميته؟

منذ عودة الإمبراطورمييجى  إلى العرش 1868م ،بصفته إلها،كانت حكايات الـ"كوجيكى" ذات الدلالة الخاصة،داخل مناهج التدريس الماقبل الجامعى،لاسيما الحكايات والقصص ذات الطابع التعليمى،حيث يكون الأمر متعلقا بالإمبراطور ،أو بإحدى الشخصيات القوية القريبة من الإمبراطور.

والكتاب بالكامل مُكرس لإثبات الأصل"السماوى" الإلهى للجزر اليابانية ولأباطرتها من القديم حتى الآن،ولا يوجد أى فصل بين اليابان الإلهية والأباطرة الإلهيين..الجزر منهم،وهم من الجزر،ولهذا المعنى بُعث هذا الكتاب من القبر وصار مقدسآ حالما أُُعيد تنصيب الإمبراطور زعيما سياسيا وروحيا ،وبهذا المعنى أيضا أريد لهذا الكتاب أن يكون الدرع الروحى فى وجه الأفكار الغربية التى حُسب حساب إمكانية دخولها مع التكنولوجيات المستوردة ،كما أريد لهذا الكتاب أن يحافظ على الروح اليابانية التى تتجلى فى حكايات وأساطير هذا الكتاب حيث هناك تداخل وترابط وإنسجام بين التاريخى والسياسى والجنسى والدينى والوطنى والعام والخاص ،وكل ذلك داخل إطار دائرى كبير هو السلطة الإمبراطورية .

يقول الأستاذ الدكتور/محمد عضيمة  لكى تكون الأمور أكثر وضوحا لدى القارىء العربى فإذا كان الله سبحانه تعالى قد تجلى فى الديانات السماوية الثلاث من خلال الكتب المقدسة،فإن آلهة اليابان قد تجلوا على شكل جزر .هذه الجزر هى القانون الذى يجب أن يعاش على إيقاعه،وكل ما فيها وما عليها من جبال وأنهار وأشجار وغير ذلك ينبغى إستلهامه من الحياة ينبغى العيش وفق قوانين طبيعيةهذه الجزر،أى وفق طبيعة الفعل الإلهى .بهذا المعنى يقدس اليابانى طبيعة بلاده.مُلهمته فى الحياة ، ودستوره فى الحكم وبهذ المعنى الوطن  مُقدس من المقدسات الدينية عنده.

وفى المتن الفرعونى القديم نفس التصور عن بداية الخلق ونشوء الكون ( الأسطورة الكوسموغونية) تقول إيزيس:

 فى الأول كنت فى الظلام ،ولم يكن غير الظلمة والصمت شىء،ثم تجمع وسط الظلام ماء واشتاقت الظلمة للنور فأشرقت شمس رع،ولما كان النور تلألأ الماء وطفت من ألقه جزر صغيرة وكان يعتلى كل جزيرة إله.

ولأن جزر اليابان جزر إلهية كما ذكرنا آنفا فإن حكمها يجب أن يعود إلى الآلهة أنفسهم أو إلى أولاد الآلهة،وبهذا المعنى لا يوجد فى اليابان فصل بين دين ودولة منذ القدم وحتى الآن.

 وإن لم يكن للإمبراطورذلك الدور الكبير فى الإدارة والسياسة لسبب أو لآخر لكن الروح اليابانية تريد هذا الوجود "الرمزى" الذى لا يزعج احدا ،ولأن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفاؤها من الغرب أدركت هذا المطلب الروحى ،وهذه الضرورة الروحية ،أبقت على النظام الإمبراطورى ولم تمس شخصة الأمبراطور الحاكم-بعد الحرب العالمية الثانية- بأى أذى.

وسأعرض وبإختصار شديد لأهم الشخصيات والأحداث التى بداخل هذا الكتاب: 

إيزاناكى وإيزانامى: 

تبدأ أحداث ووقائع الـ كوجيكى مع هذين الإلهين الزوجين ،فهما الإلهان اللذان ،وبأمر من الآلهة ،انجبا الجزر ،أى هما الأبوان الحقيقان للأرخبيل ولأولاده .وسوف يتمتع القارىء بحكاية زواجهما وحكاية إنجابهما للجزر اليابانية وصراعهما أخيرا بعد وفاة الزوجة إيزانامى ثم رحيلها إلى الآخرة (أو إلى بلاد الجحيم كما يعرفها اليابانيين)..وعندما اشتاق الزوج إيزاناكى لرؤيتها  فذهب إليها فى تلك البلاد الكريهه ،وطلب منها العودة لإكمال الخلق والولادات الأخرى ،فقبلت شريطة أن تأخذ موافقة آلهة بلاد الجحيم،لكنها طالبته بإرار ألا ينظر إليها وهى فى الداخل،غير أنه أستغرب هذا الطلب المدهش وأثير فضولهُ،فمد عنقه ورأى زوجته على حقيقتها فى بلاد الجحيم. ياللمنظر المخيف!فأصيب بالذعر ولاذ بالفرار-والدرس المستفاد من هذا الكشف أن اليابانى المعاصر واقعى لا يصدق إلا ما تقع عليه عيناه- عندئذ أحست الزوجة بالأمر،فغضبت غضبا شديدا وأرادت معاقبته،فأرسلت من يطاردهُ.

لكن جميع من أرسلتهم فشلوا ،فراحت هى تلاحقه حتى وصلت وراءه إلى الحدود الفاصلة بين بلاد الجحيم وبين هذه الدنيا .آنذاك أخذ الزوج إيزاناكى صخرة كبيرة جدا وسد بها تلك الحدود،ثم قررا وكل منهما على حدوده الإنفصال بشكل نهائى. وهكذا أخذ هو بالتطهير من رؤيته لزوجتهُ فى بلاد الجحيم ،فولد له من هذه التطهيرات أربعة عشر إلهآ بينهم ثلاثة نبلاء هم:

 الإلهة الكبيرة أماتيراس "الشمس" والتى ولدت عندما طهر عينه اليسرى- وأصل العائلة الإمبراطورية في اليابان- ،وتُسكى"القمر"الذى ولد عندما طهر عينه اليمنى،وسُسانو الذى ولد عندما طهر أنفه ،ثم قسم حكومة العالم بين هؤلاء الثلاثه:

أوكل إلى أماتيراس أن تحكم مجال السماء الأعلى،وإلى تُسكى أن يحكم مجال الليل وإلى ياسُسانو أن يحكم مجال البحر.وبطبيعه الحال سُسانو هو رمز الأرض بجميع مشكلاتها،ومحور الأحداث سيكون بينه وبين أخته أماتيراس ،وهكذا سوف تكون جميع أحداث الكوجيكى بين سُسانو واحفادهُ (الآلهة الأرضيين) من جهه،وبين أخته أماتيراس وأحفادها (الآلهة السماويين) من جهة أخرى. 

سُسانو وأخته أماتيراس:

نستكمل معا فصول نشأة الكون فى الفكر اليابانى من خلال استعراض فصل آخر من فصول كتاب الـ كوجيكى فبعد أن وزع إيزاناكى حكومة العالم على ابنائه الثلاث، وكان لـ سُسانو مجال البحار كما ذكرنا ،لم يحكم بل أخذ بالبكاء،فى حين مارس اخواه الحكم طبقا للأوامر.

وعندما سألهُ الأب عن سبب بكائه أجاب بأنه يريد الذهاب إلى ديار أمهُ،فقرر الأب نفيه - ونجد فى المجتمع اليابانى المعاصر علاقة الذكر الحميمة والمعقدة مع الأم من جهه وعلاقته المتوترة باستمرار مع الأب من جهه آخرى- وأحب سُسانو أن يسلم على أخته أماتيراس قبل الرحيل إلى المنفى ،وعندما صعد إلى عندها فى الماء،زلزلت الجبال والبحار وأرتعدت أخته من هذا القدوم المفاجىء،فظنت أنه قادم من أجل الإستيلاء على ديارها.لكنه طمأنها بعدم وجود أية نوايا سيئة تجاهها،وبأنه جاء ليسلم عليها،وتعاهدا على القسم والإنجاب :

بعد القسم ،طالبته بتسليم سيفهُ الذى أخذته فكسرته ومضغت قطعة ثم نفستها،فولدت ثلاث أميرات إلهات هن بنات سُسانو لأنهن ولدن من سيفه.ثم طالبها هو الآخر بأن تسلمه الحلى التى تتزين بها،فأخذها ومضغها ثم نفسها،فولد خمة أمراء آلهة ،هم أبناء أماتيرا لأنهم من حليها.

أعتبر سُسانوهذه النتيجة إنتصارا له،ولنواياه الحسنه على أخته فقال لها:أرأيت، قلبى تقى وصاف،لذا جاءتنى ثلاث نساء وديعات- يفضل الأب اليابانى المعاصر أيضا إنجاب البنات عن الذكور- ولكى يخلد هذا الإنتصار راح يعربد ويعبث فى ديار أخته،لدرجة أنها خشيت عنفه فأختبأت فى المغارة السماوية الصخرية.آنذاك عمت الوجود ظلمة حالكة .فجن جنون الآلهة جميعا،واجتمعوا للبحث فى طريقة لإخراجها ،وإعادة النور إلى الوجود.

وهنا يظهر دور الإلهة "أزُميه"،فقلبت أزُميه برميلا وصعدت فوقه ترقص وتتعرى حتى إهتاج الآلهة جميعا ،فأخذوا بالفرح والضحك والقهقهات عندئذ دهشت أماتيراس وتساءلت بصوت مسموع عن سبب هذه الأفراح مع أن بغيابها الظلمت قد عمت.فأجابتها أزُميه الراقصه،بأنهم وجدوا ألهة أجمل منها،فشقت أماتيراس باب المغارة قليلا كى ترى،فوضع إله المرآة فى وجهها،فرأت نفسها،ثم وضع إله آخر الحبل من ورائها وقال:لا تمرى من هنا،ثم شدها إله ثالث إلى الخارج بقوة..وهكذا عاد النور إلى الوجود من جديد.

ولكى لا يحدث هذا مرة أخرى ،قرر الآلهة معاقبة سُسانو بقص لحيته،وقلع أظافره وتقديم القرابين لأماتيراس علانيه،ثم نفوه إلى الأرض مرة أخرى.لتبدأ أسطورة أخرى هذه المرة ليست فى السماء ولكن على الأرض اليابانية التى حيث هبط سُسانو وسط حقول البوص على ضفة النهر وصعد إلى الأعلى قليلا فشاهد عجوزين يبكيان وبينهما صبية شابة.ولما سألهما عن سبب بكائهما وأجاباه بأن البواء العظيم (ربما حيوان ذى رؤوس ثمانية وذى جسد كبير) قد أكل لهما سبع شابات عذراوات على مدى سبع سنوات ،والآن حان وقته كى يأكل

الثامنة والأخيرة...طلب منهما أن يمنحاه إياها زوجة. فقبلا بعد أن قدم نفسهُ على أنه أبن إله سماوى وشقيق الإلهة الكبيرة –هنا ‘عتزاز بهذه القرابة،على الرغم مما حدث له فى السماء،لم يتخذ أخته عدوا وخصمآ- قتل البواء وتزوج الفتاه وشيد قصرا فى الإقليم نفسه حيث هبط ،وجعل والد زوجته رئيسا للقصر.

وهكذا تزوج أول فتاه التقى بها على الأرض وأنجب منها ومن زوجة أخرى اطفالا سوف يحكمون الأرض (اليابان) وسوف ينجب هؤلاء أطفالا يحكمون هم أيضا. وذلك دون أن نجد لدى أى واحد منهم أو من احفادهم فيما بعد أى حنين إلى جذورهم السماوية أو أية رغبة فى الإنتقام لجدهم سُسانو من الآلهة السماويين وهنا بيت القصيد الذى يوجز عقلية الإنسجام :لا حنين إليها ولا رغبة فى الإنتقام منها.

  

ترجع أهمية الكتاب من وجهة نظركاتب المقال غير أنه حفظ الأساطير اليابانية القديمة من الضياع فى أنه يساعد على فك شفرات الشخصية اليابانية القديمة والمعاصرة على حد سواء .لأنه ببساطة يقدم لنا درسا مفتوحا لفهم الحضارة اليابانية الروحية وغير الروحية القديمة والمعاصرة.

فالشعب اليابانى المعاصر له أساطيره الحديثة  الطبيعية منها والخارقة ! على الرغم  من أن العلم الحديث أوجد أهم  فرق بين إنسان المجتماعات القديمة والإنسان الحديث - من هذا المنظور الأسطورى- ألا وهو عدم قابلية الحوادث القديمة للإرتداد  فيما يعرف بنظرية الترس والسقاطه،وهو ما يشكل العلامة المميزة للتاريخ فى نظر الأخير(الإنسان الحديث)،إلا أنه ليس بالأمر البديهى فى نظر الإنسان القديم.

فإنسان المجتمعات القديمة  يعتقد أن ما حدث فى الأصل قابل أن يتكرر بقوة الطقوس .الأسا س فى نظره إذن هو أن يعرف الأساطير .لا لأن الأساطير تتيح له تفسيرا للعالم ولأسلوب وجوده الخاص فيه وحسب،وإنما لأنها تتيح له،إذ يتذكرها ويحييها القدرة على تكرار ما فعلته الآلهة أو الأبطال أو الأسلاف فى الأصل.

إن معرفة الأساطير لا تعنى تعلم سر أصل الأشياء وحسب،وإنما أين يجدها وكيف يجعلها تعود إلى الظهور عندما تختفى أيضا .

 وبتلاوة الأساطير يصار إلى إستعادة هذا الزمن الأسطورى ،وتبعا لذلك يصبح المرء معاصرا للحوادث التى جرت فى ذلك الزمان،يقتسم مع الآلهة أو الأبطال حضورهم.على وجه الإجمال ،يمكننا القول أن الإنسان إذ يعيش الأسطورة يخرج من الزمن الدنيوى،الكرونولوجى،ويدخل فى زمن مقدس ،وفى نفس زمن بدئآ،قابل للإستعاده دوما.

"السادو ".. طقوس الشاى اليابانية

لم ينشأ فى أى بُقعة من بقاع العالم طقس من طقوس إعداد الشاى يُمكن مُضاهاته بطقوس "السادو".إلا أنه تُوجد بالطبع فى العالم أشكال أخرى لإعداد الشاى ،تتجاوز بكثير مجرد فكرة استهلاك الشاى بوصفه مشروبا ساخنا ذا تأثير مُنبه.

أُدخل الشاى إلى اليابان فى عصر كاماكورا ، بواسطة رهبان بوذيين كشراب طبى .غير ان مراسم الشاى التى نشأت حوله كانت شيئا فريدا بالنسبة لليابان.

ويُعد "بودهيدهارما " مؤسس مذهب "الزن"البوذى ،كما تخبرنا الأسطورة : بعد أن أعتراه غضب عارم من نفسه ،أنتزع أو قص جفونه وقذفها بدفعة قوية على الأرض ،ومنها نبتت بين عشية وضحاها أول شجرتا شاى.ولم يكن من الصعب التعرف إليهما من شكل أوراقهما الذى يشبه الجفون !

وفى عصر موروماتشى،كان السادة المحاربون والتجار الأثرياء عندما يجتمعون لمناقشات سياسية أو تجارية،كثيرا ما ينتهزون الفرصة لتقديم الشاى.

ولمراسم الشاى سمتان بارزتان نشأتا تحت رعاية تويوتومى هيديوشى ( 1536-1598  ) وتعتبران انعكاسا لحياته وشخصيته الخاصة.فقد كان إخضاعه للبلاد يشكل خضوع الحكومة المركزية القديمة وفنها معا بواسطة قوة إقليمية وزراعية.

وكان سين- نو-   ريكيو(1522-1591) ، هو الذى إرتفع بشرب الشاى إلى مستوى فن من الفنون.حيث قام بتصميم غرفة الشاى( تاى-آن) ،وهى تبدو لأول وهلة بسيطة تماما بل وصغيرة جدا، ولكنها فى الواقع خططت بأكبر قدر من التروى المتسم بالعناية والدقة،حتى فى أصغر التفاصيل،وكانت مؤسسة بأبواب منزلقة مغطاة بورق يابانى نصف شفاف ناصع البياض،وكانت الأعمدة فى غالبها من الخشب الذى يحتفظ بقشرته الطبيعية،وقد صنع السقف من الخيرزان أو البوص ،بينما كانت البنية العارية للجدران موضع تقدير بالغ ،من أجل خلق تأثير كوخ ناسك فى غرفة الشاى،فقد ألغيت كل الزخارف التى لا فائدة لها وكذا الزينات الخارجية.

 

 

وهكذا ،فإن القصور الرائعة التى تتألق بالذهب ،وزخرفة غرفة الشاى التى توحى بجو بيت ريفى متواضع ذى سقف من القش،هى فى نفس الوقت زخرفة متباينة العناصر،ومع ذلك فإنها كانت جانبين لنفس العملة.حيث كان القادة العسكريون والتجار الأثرياء يظهرون المهابة والبهاء من الخارج،ولكنهم فى أعماق قلوبهم يتمنون العيش فى مناخ الهدوء والتأمل.

ولإعطاء إحساس الذوق الهادىء(وابى) والرزانة (شيبومى) –ولهما دورا مهما فى الإثنتى عشرة قاعدة أساسية ،التى يشتمل عليها طريق الشاى،ويُعتبر هذان المصطلحان حتى يومنا هذا تصورين محوريين فى فلسفة الجمال اليابانية- وضعت حواجز واحجار للعبور،وأحواض لغسل الأيدى ،وفوانيس حجرية على طول الطريق الضيق المؤدى إلى الغرفة..حيث يعد الإنسان روحه لدخول غرفة الشاى بالسير بخطواته على طول هذا الطريق ،ومثلت غرفة الشاى ذاتها حيزا سوف تمتلىء فيه الروح.

كما جاءت التقاليد الروحانية المصاحبة لعملية إعداد الشاى لتوضح جانبا هاما من جوانب الشخصية اليابانية،بإيمانه بأن كل من يخوض قتالا،فإنه يخوضهُ فى المقام الأول ضد نفسهُ هو- أنه تدريبا روحانيا وليس مجرد شرب الشاى- ومن ناحية أخرى فإن الممارسة العملية لقواعد مُحاربى الساموراى ،وكلك واقع تجاربهم قد حلفا أثرا مترسبا ملموسا للغاية فى طقوس الشاى،وهكا فقد كان- تبعا لمدرسة الشاى- من شأن الصوت الناتج عن سقوط مقبض المغرفة المصنوعة من الخيرزان على حصيرة "تاتامى"،أو صوت الفرقعة الجاف المنبعث من شد قماشة التنظيف الحريرية،أن يذكرا بنغمة الصوت الصادرة عند مفارقة السهم لوتر القوس.كما أن أصل بعض الحركات الإيمائية المحددة المستخدمة عند تناول أداة تحريك الشاى ،التى تشبه الملعقة،ووضعها يعود إلى تتابعات حركات فن المبارازة بالسيف

وعلى النقيض من أغلب طرق إعداد الشاى المنتشرة فى أيامنا هذه،فإن طقوس "السادو"

لا تشمل وضع أوراق نبات الشاى فى ماء مغلى وتصفيتها،وإنما يقذف مُعلم الشاى مسحوقا مطحونا ناعما كنعومة التراب مُستخلصا من أجود أصناف الشاى الأخضر،مُستعينا فى ذلك بمضرب من الخيزران"تشاسن"  فى صحن خزفى ،يماثل حجمهُ حجم يدين مضمومتين.

فيتحول الشاى بعد ذلك لما يشبه سائل عن طريق النقع فقط .فلا يجوز صب الماء مغليا على أوراق الشاى.ولا يجوز بأى حال من الأحوال أن تزيد درجة حرارة الماء على ثمانين

درجة بحد أقصى.

ولا غنى عند إقامة طقوس "السادو" عن أن يكون أحد المُعلمين حاضرا بنفسه،كى يُصدر توجيهاته لدرجة أن استيعاب المُمارسة العملية لمثل تلك الطقوس بطريقة مُستقلة
يُمكن أن يكون أمرا خطيرا بمعنى الكلمة.

ويمكن بسهولة أن يستغرق إجراء مجلس شاى أربع ساعات ،وبالإضافة إلى الشاى يتم عندئذ تقديم وجبات مُنتقاة،كما يُعيد الشخص المُضيف من حين لآخر ترتيب قطع الفحم فى الفُرن،وذلك وفقا لقواعد محددة ويشعل النار فى أعواد بخور نفيسة القيمة،ويجب  بذل كثير من الجهد من أجل تعلم هذين الأمرين مثل الجهد المبذول لتعلم إعداد الشاى ذاته.

وبحافز من شيوع مراسم الشاى ،بدأ إنتاج أدوات الشاى من الفخار على نطاق واسع-حيث تمثل استعراض الأوانى المستخدمة احدى النقاط الرئيسية لطقوس الشاى- وخاصة فى منطقة مينو ،والنماذج التى تمثلها هى ستو الأسود (سيتو جورو)،وستو الأصفر(شينو)،وأوانى "أوريبى" وكانت تصميماتها وأشكالها مصنوعة بحنكة بصورة رائعة للغاية ومنوعة،وكان التقدم الفنى الذى تمثلهُ لافتا للنظر،وفى كيوتو وبتوجيه من سين- نو-ريكيو،أبتكر تشوجيرو فنا جديدا لصناعة الفخار ،فقد أبتكر طاسة شاى يابانية أصلية(الراكو تشاوان)التى يعتبر شكلها مختلفا تماما عن الطاسات الصينية التقليدية(تنموكو تشاوان) والطاسات الكورية(كوراى تشاوان).

إلى جانب الأباريق الصغيرة التى تُسمى "كيوسو" الغير مطلية بطلاء زجاجى،بل تتكون من فخار رقيق للغاية وشبيه بطين التراكوتا.وأباريق "الهوبن" الأصغر من السابقة والخالية من أى يد.

أما عن أنواع الشاى اليابانى فهى:

 شاى "السينشا" المُميز الذى يرجع إلى محافظة شيزووكا،وشاى "الجيوكورو" الذى يرجع منشؤه إلى مدينة يوجى،وشاى"الكاريجانه" الذى يرجع منشؤه إلى جزيرة كيوشو،وشاى "هوجيشا" المحمص،وشاى "جينمايشا" وهو شاى مُضاف إليه نوع من الأرز المحمص. وشاى "الكابوسيشا"الى يزرع فى مزرعة توجد فى جزيرة كيوشو ،وشاى "كامايريشا" ،وشاى "البانشا"،وشاى "كابوسه كوكيشا"،وشاى "كوكيشا"،ولكل نوع مذاق ولون  يختلف تماما عن الآخر.ليس بسبب مادته فقط،بل ناتجا عن المادة الخام المصنوع منها أوانى الشاى،وجودة الماء المستخدم.فلا يجوز أن يكون الماء المستخدم فى إعداد الشاى عسرا، أى لا يكون ماء به رواسب كلسية أو غنيا بالمعادن أو الفلزات القلوية الترابية.

لذا يتكبد اليابانيون مشاق القيام برحلات لمسافات بعيدة لكى يُحضروا من ينبوع ماء جبلى معين الماء.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.