كاسل الحضارة والتراث Written by  حزيران 07, 2020 - 410 Views

الأندلس فردوس العرب الضائعة

Rate this item
(0 votes)

كتبت:   شيرين رحيم

أخصائى شؤون هيئة التدريس وباحث ماجستير فى التاريخ الإسلامي – كلية الآداب – جامعة دمنهور

   لقد شدت أسمهان "ليالى الأنس فى فيينا ,فيينا قطعة م الجنة" مسافرة بخيالنا الى سحر تلك البلاد البعيدة عنا جغرافيا وعرقيا وتاريخيا غير أن صوتها غاص بنا وسط محاسنها فعشنا فيها دونما نراها وأحسسنا إبداعها وبهائها دون أن نلمسه وإستنشقنا رحيقها دون أن نتجول فيه ونأنس به رغم البعاد وطول المسافات غير أن سحر صوت أسمهان كان الطائرة التى رست بنا فى قطعة من الجنة يصورها لنا , والجسر الذى عبرناه إليها ,وفى غفلة منا إنفرط عقد إنبهارنا ببديعة الكون الفردوس المفقود "الأندلس"إن جال بخيالنا إستنشقنا فيه ريح أجدادنا وعظمة تاريخنا ومهارة قادتنا ومجد ديننا وتملكنا إحساس البعاد بأقرب الاماكن وأجمل البقاع الساحرة الطبيعة والعمارة الأندلس والتى لن يُجمل محاسنها شعرا ولا نثرا ولا أدبا ولاعلما فتغنى بها أبرع الشعراء فقال فيها إبن خفاجة شاديا

يأهل أندلس لله دركم

ماء وظل وأنهار وأشجار

ماجنة الخلد إلا فى دياركم

ولو تخيرت هذا كنت أختار

لا تحسبوا بعدها أن تدخلوا سقرا

فليس تدخل بعد الجنة النار...........فإن كانت فينا جزء من الجنة فالأندلس هى جنة الحياة لبديع موقعها ولجمالها صورة وأرضا.

      الأندلس هى دولتى أسبانيا والبرتغال حاليا أو ما يعرف بشبه الجزيرة الأيبيرية وتبلغ مساحتها نحو ستمائة الف كم مربع أى أقل من ثلثى مساحة مصر ,تقع فى الجنوب الغربى لاوروبا يفصلها عن بلاد الغول(فرنسا حاليا)سلسلة جبال البرتات ويفصلها عن المغرب مضيق جبل طارق "المسمى بذلك نسبة للقائد طارق بن زياد"وهى شبه جزيرة تحيط بها المياه من ثلاثة جوانب وإن تعمقت النظر لصورتها للحظة لوجدتها تُولى وجهها عن أوروبا مائلة ومتوجههة نحو المغرب فتعد إمتدادا لأفريقيا أكثر من أن تكون جزء من أوروبا وخاصة وأنها تتشابه فى الأقاليم المناخية والطبيعية مع المغرب وخاصة فى مدينتى سبتة وطنجة .

    عرفت الاندلس بهذا الاسم نسبة الى قبائل الفندال أو الوندال الجرمانية والتى إستوطنتها وتميزت بالوحشية والهمجية والاساليب البدائية غير الحضارية Vandalism  فعرفت بلادهم بفانداليسيا وحرفت بعد ذلك الى أندوليسيا  فالأندلس .

وقبيل الفتح الإسلامي كانت الأندلس جزءا من أوروبا خاضعة لقبائل القوط الغربيين ,وكان حالها ككل البلاد الأوروبية التى إنتشر فيها الفقر والبؤس والجهل والظلم وإستئثار الطبقة الحاكمة بكل المزايا من أموال وقصور ومدنية وعلم فلم تجد الشعوب مسكنا ولا مأوى وغرقوا فى الحرمات وتدنى الأخلاق وحرموا من أبسط مظاهر الحياة وانعدمت النظافة بينهم فكانت شعورهم منسدلة على وجوههم دونما تهذيب ,لا يستحمون إعتقادا بأن تراكم الأوساخ على أجسامهم صحة للجسد ,لتمر القرون ويثبت العلم العاجز أمام فيرساً ضعيفاً أن فى الاسلام النجاة  وهوالدين الذى أتى بالنظافة ركناً من أركانه ،هكذا كانت الجنة قبلما تعمر بالإسلام وقبلما تُكتشف كالأرض قبل أن يطأها البشر .

ودعنا نتساءل لماذا كانت الاندلس وجهة للمسلمين ؟ ولما كان اختيارها وهى فى أقصى الغرب من بلادهم ؟,ولم يكملوا الفتح جنوبا فى صحراء أفريقيا الواسعة قليلة السكان بعد أن إستتب لهم فتح شمال أفريقيا ,وربما إختاروها لقربها من الشمال الأفريقي ولعدم درايتهم بدروب صحراء أفريقيا ولان هدفهم الأساسي كان نشر كلمة الله وإعلاء رايته دونما الإهتمام بالأراضي الواسعة والاموال الكثيرة ,ويعد فتح الاندلس درة من الماس فى تاج الدولة الأموية وعلامة حسنها وإحدى مفاتن عصرها تلك الدولة التى شرعت بأربعة أجنحة للفتوحات فى بلاد الهند وبلاد ماوراء النهر وبلاد القوقاز ,والأندلس فى آن واحد لتحلق راياتها فى رقعة واسعة ومتباينة الأجناس والأعراق والتضاريس ,ليتم فتح الاندلس (92هـ/711م)في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك .

    لقد أبرز فتح الاندلس مهارة القائد وحنكة التخطيط والإعداد وحسن التعامل مع الأزمات ومجابهة المخاطر بما يتناسب مع الموقف زمانا ومكانا ؛وعدة وعتادا ,وتجلى لنا فيه ذكاء وقدرات إدارية سبقت ما رصدته علوم الادارة الحديثة من أسس ومبادئ قد يعجز علمائها الأن عن تطبيقها فيما هو أقل قياسا بذلك الفتح الذى حدث فى مكان بعيد عن مركز الدولة ومختلف فى الأجناس والعادات والظروف المناخية وطبيعة الأجناس التى واجهتهم إلاأن المسلمين فيه قد سطروا سجلا من البطولات نتفاخر ونزهو به ومازال فيه من سراديب العلم ما إن حسن رصده لأصحاب الحياة العلمية والثقافية ما يصيبنا بتخمة في التاريخ والأدب والإدارة والفن والمعمار إضافة لما سجل عن تلك الحقبة من عمالقة التخصص وليكن مرشدا لنا فى متاهات الحياة فما زالت جملة القائد طارق بن زياد "البحر من خلفكم والعدو من أمامكم "تجسد بين العامة والخاصة ملحمة من التحدى والصمود والثبات والبسالة وما نتج عنها من نصر مؤزر وفتح مبين.

وإن إرتبط فتح الاندلس باسم طارق بن زياد ذلك القائد البربري الأمي  إلا أن سياسة قائده ومعلمه موسي بن نصير كانت هي الدافع والحافز حين أرسي دعائم ذلك الفتح بتأمين المحاور التي كانت بمثابة  عقبات له سواء من البربر سكان المغرب كعناصر يتكون منها جيش الفتح وهم حديثى عهد بالإسلام أو عقبة السفن والعبور نحو الشاطئ الأخر وعقبة تأمين المدن التي لم تستكن بعد كطنجة وسبتة والعقبة الأخرى فيما وراء ذلك البحر من أهل تلك البلاد وغرائب طباعهم التي كانوا يجهلونها إضافة لطبيعة تلك البلاد جغرافيا غير أن بن نصير قد وضع لعلوم الإدارة دونما يدرى دعائم القيادة والتخطيط البناء الذى يحقق الهدف المنشود وبنجاح .

       أقام المسلمون بالاندلس حضارة لا تباهيها حضارة فجعلوا منها جنة الله في الأرض فأقاموا بها العمران ماديا ومدنيا واتخذوا من قرطبة عاصمة لهم بديلا لطليطلة نظرا لقربها من بلاد "فرنسا" وبرز فيها نوابغ الفكر والعلم في شتى العلوم كالإشبيلي والرندى وأبو الحسن الضرير في النحو واللغة وبن طفيل وحى بن يقظان في الفلسفة وذاع فيها المتصوفة وعلماء الرياضيات والفلك والطب ,كما شيدوا فيه أبرز المعمار وأجمله والذى اختلط فيه الفن الإسلامي مع التراث الأوروبي فأخرج المهندسين بدائع المعمار فى مسجد قرطبة ,و جامعة قرطبة  وتميزت أبنيتها بالجمال الفاتن وزخارفها الملونة على الجدران والأسقف وأقواس الأعمدة والممرات والنوافير والقصور كالحمراء فى غرناطة والذى يعد جوهرة للذوق العربى والإبداع الهندسي المترف والسخى في ابهى صوره ولا سيما فيما يحيط به من حدائق وجنان الزهور والرياحين والظلال ,ومن الحدائق حديقة الرُصافة التى أنشأها عبدالرحمن الداخل "صقر قريش" وجعلها على غرار ُرصافة الشام لهشام بن عبدالملك وجعل بها أندر النباتات وأعجبها كنواة لبلاد العالم وقد كتب فى إحدى نخيلها قائلا :

يانخلُ أنت غريبة مثلى   فى العرب نائية عن الاصل

فأبكى وهل تبكى مكبسة    عجماء لم تطبع على خُبل

لو انها بكت إذاً لبكت      ماء الفرات ومنبت النخل

إلا أن بزغت فى الافق بوادر النهاية والتى تجسدت فى المشاحنات بين المسلمين العرب والمسلمين البربر وإن تغلب عليها القائد عبدالرحمن الغافقى ومن بعده عبدالرحمن الداخل الا انها كانت بداية التلاشى لدعائم زوال المسلمين فى الأندلس وما تبعها من فتن طائفية وعرقية ثم جرأة النصارى المنفجرة من الصخرة فى أقصى الشمال الغربى من الأندلس تلك المنطقة التى  تركها موسي بن نصير ومولاه البربرى طارق بن زياد دونما يدركوا أنها منبع الانفجار لضياع الاندلس وهما من  وصلا بفتوحاتهم حتى فرنسا وتبعهم الولاة والامراء على حكم الأندلس مرورا بموقعة تور بواتيه(732م)أو ماعرفت ببلاط الشهداء التى توقفت عليها عجلة الفتوحات الإسلامية بعد أن دانت لها 70% من الأراضي الفرنسية وسرت بعدها النار فى الهشيم من خروج على الحاكم وفتن وعصيان أدى فى النهاية الى ضياع الاندلس بعد سقوط مملكة غرناطة عام 1492م التى تعددت بها دروب المحاسن وطرقات الإبداع وميادين الجمال الساحر الممزوج بإبداع الخالق وإتقان البشر ليقدم لنا مظهرا جماليا بديعا يسحر العقول ويأسر القلوب

لجنة الكون ُلب الاجداد وخيالنا الحالم المتعلق بالأفئدة التي طالما يميل حتى فى الساحرة المستديرة إلى منتخبي أسبانيا والبرتغال لا لشيء سوى لإرتباط باطن وأصيل ببقايا تراثنا ومجد تاريخنا.

وتبقى الاندلس حلما حلمت به الأرض الإسبانية انقضي تاركا فى الأجواء بقايا عطر وأريج ذكريات ساحرة ومضى جزء من التاريخ العربى الإسلامي إستمر مضيئا لنحو ثمانمائة سنة قبل أن تتحالف قوى الشر لتطفئه فتجرعته ألسنتنا مذاقا من العسل المُر،لا نملك سوى أن نذكره بشيء من الحنين والإعجاب وبعض من التفاخر بحقبة نقشت فى صفحات التاريخ بلون ذهبى السمات عبقري الكيان بديع الألوان تاركا للأندلس طابعا مميزا خاصا تمتزج فيه عبقرية الفكر بجمال البيئة وتسامح الفتح وإبداع الحضارة وذكرى لنبراس من ضوء شقه العرب فى بحر الظلمات بنور دينهم وبراعة حضارتهم ومهارة قادتهم .

وتبقى بديعة الكون "الأندلس"فى العقل قلبا وجنة نحن إليها ونحلم بأيامها الضائعات .

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.