كاسل الحضارة والتراث Written by  أيلول 17, 2020 - 146 Views

ثوب المرأة السودانية تراث وهوية مميزة

Rate this item
(0 votes)

  كتبت - د. سهام عبد الباقى محمد

الباحثة فى الأنثروبولوجيا الثقافية- بكلية الدراسات الأفريقية العليا

يعد ستر الجسد فطرة إنسانية فالإنسان خلق ولديه نزوع فطرى الى ستر جسده وتغطية عبر العصور، وحتى أن آدام وحواء لما أكلا من الشجرة التى حرمها الله وبدت سواءتهما، بدأو يغطون جسدهم بأوراق الشجر دون تلقى أمر من الله ، وقد اختلفت المجتمعات فى طريقة إختيار وتصميم الأزياء الخاصة بها حتى أصبح لكل مجتمع زيه الخاص الذى يميزة عن غيره من المجتمعات، وخاماته، ومسمياته الخاصة. ويبقى الزى التقليدى  هوية خاصة لكل المجتمعات الإنسانية ولا سيما التوب السودانى بصفته الزى التقليدى للمرأة بالسودان.

تاريخ ظهور الثوب السودانى:

ظهر الثوب السودانى منذ الحضارة البجراوية أي منذ أكثر من عشرة آلاف سنة فكان زياً قومياً للملكات آنذاك وأوضحت بعض الدراسات أن الملكة الكنداكة أول من أرتدت الثوب السوداني. وقد مر الثوب السوداني بمراحل جمالية فرضتها الظروف الإقتصادية والإجتماعية التي مر بها ذلك البلد الثري بالمورثات والقيم الإجتماعية المختلفة. ففي بداية الأربعينات كان الثوب يصمم لأغراض الحشمة والسترة، وفي بداية الخمسينيات ومع إزدهار صناعة النسيج في السودان والتي طورها الكوريون، ظهر موديل من الثياب يسمي “ثوب الزراق” أو ما يُعرف بـ”النيلة” وهو ذات لون نيلي. يصنع هذا الثوب من خيوط مغزولة من القطن وهو ثوب خشن ثم ظهر ما عرف بـ”الطرقة”. وفي تطور نوعي ظهر ثوب “الكرب” السادة الذي جلبه تجار من صعيد مصر، وكانوا يعرفون في السودان بـ”النقادة” نسبةً للبلد الذين إنحدروا منه. ويمتاز هذا النوع من الثياب بلونه الأسود الناعم نسبياً وكان تقتنيه المترفات من النساء كما كان يسمى(بمصر البيضاء)(1). ثم ظهرت ثياب(الفردة) وهي مصنوعة أيضا من القطن السوداني التي إشتهر السودان بزراعتها منذ عام 1925، لكن منذ بداية الستينيات بدأت المرأة السودانية تبحث عن التطوير والتجديد عبر إرتداء ثوب بنقوش ملونة بطريقة توحي بالأنوثة، وأصبح الثوب رمزاً للجمال والمكانة الإجتماعية التي تحظى بها المرأة. ثم شهد الثوب السوداني تغيرات كثيرة في شكله وحجمه حسب الزمان والمكان ففي السابق كان يتكون من قطعتين من قماش ذو شكل واحد طولهما لايقل عن اربعه أمتار ونصف وتتم حياكتهما بالتوازي مع بعضهما لتظهر الحياكة في الوسط فيصبح طول الثوب تسعة أمتار وهو الطول المثالي لإرتداءه لستر سائر ما ترتدية المرأة من ملابس وكافة جسدها ، أما الآن فصار الثوب المستورد يتكون من قطعة واحدة تحمل ذات العرض والطول للثوب السوداني القديم (أربعة أمتار ونصف) ولها ميزة في تحسن الشكل بجانب الميزة الإقتصادية لأنها لاتحتاج إلى حياكة في الوسط وهناك نوعين من الثياب:الثوب الكامل: عبارة عن قماش بطول أربع أمتار وعرض متر ونصف، ويتم ارتدائه عن طريق مسك طرف الثوب من الخلف على أن يكون الجزء الطويل من الثوب في الجهة اليمين، ويمر طرف الثوب فوق الكتف الأيسر من الخلف للأمام، ويلف باقي الثوب من الجهة الأخرى  النوع الثانى ثوب الربط: يربط على منطقة الخصر ثم يلف على باقي الجسد عن طريق مسك طرف الثوب من الخلف على أن يكون الجزء الأكبر من جهة اليمين، ويلف الجزء الأيسر إلى اليمين حول منطقة الخصر لفة واحدة، ويعقد الطرف الأيسر مع جزء صغير من الطرف الأخر، ويمر باقي الثوب من الجهة اليمني إلى تحت اليد اليسرى، بحيث يكون باقي الثوب منسدل خلف الكتف الأيسر(2).

رمزية اللون الأبيض للتوب السودانى

ترجع الأهمية الرمزية للثوب الأبيض وطرحة الرأس منذ الاستعمار البريطانى التي كان قد منع إرتدائها في الفصول الدراسية. وقد قوبلت تلك السياسة بالرفض. وظلت المرأة السودانية تعانى فى عهد الإستعمار من إضطهاد المستعمر للثوب الأبيض مما عظم هذا الزى وإلى اليوم هو الثوب الذي ترتديه النساء السودانيات نهارا ًفي الحياة العامة، والجهات الرسمية، والمناسبات الرسمية وهو يختلف كلياً عن تلك الثياب الجريئة الملونة التي يرتدينها ليلا ًفي حفلات الأعراس والمناسبات الإجتماعية الأخرى، وفي نهاية الأربعينيات صار الثوب هو الزي الوطني والقومي للنساء الحديثات، وصار من المعتاد رؤية المرأة وهي مرتدية للثوب وتتحرك به دون قيود. أما العاملات بالدولة فما زلن يتفردن بالثوب الأبيض وأن ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الثياب البيضاء المختلطة بالألوان الأخرى إلا إنها غير مسموح بالدخول  بها إلى بعض الجهات الرسمية خاصة القصر الجمهوري ومجلس الوزراء. كما كان للثوب السودانى الأبيض حضوراً قوياً فى الثورة السودانية على نظام البشير وظهرت المعتصمات وهن يرتدينة مؤكدين على التمسك بالعادات والتقاليد السودانية. حيث ظهرت العديد من النساء يرتدين الثوب الأبيض بساحات الإعتصام وشمل ذلك العديد من الفئات العمرية، وهن يمسكن بلافتات مكتوب عليها( كنداكة وأفتخر) حيث كانت الملكة الكنداكة أول من رتدت هذا الثوب الأبيض، وظهرت العديد من المتضامنات مع الثورة السودانية على مواقع التواصل الإجتماعي وهن يرتدين الثوب السوداني، تشريفاً ومؤازرة للمعتصمات في ميدان القيادة العامه،كما أنه ثوب (الحداد) للتي توفي عنها زوجها فتواظب على لبس الثوب الأبيض طيلة فترة العدة فالأبيض عموماً هو اللون المعبر عن الحزن في السودان على عكس الدول الأخرى التي ترتدي فيها النساء اللون الأسود بمعنى أن لون الثوب له إعتبار خاص في بعض المناسبات(3).

 الدلالات الثقافية،الإجتماعية، والإقتصادية للثوب السوداني :

يعد الملبس أحد الرموز الثقافية والحضارية، وتشكل مفردات الأزياء الشعبية لكل المجتمعات الإنسانية، مكوناً أساسياً في معين تراثه التاريخي والثقافي وقراءة السلوك الإنساني، والوضع الإجتماعي، والإقتصادي لكل شخص فيه، ومعرفة نوع ودرجة الطقس بالبلدان. وطبيعة المجتمع وما يحمله من قيم فهو خير معبر، عن كافة تلك الجوانب. فلكونها وعي وكيان هي إمتداد وانبعاث للأصول الإنسانية، غير أن آليات الحفاظ عليها مرهونة بمكانيزمات كثيرة، ويعبر عن ملمح هوية ثقافية محددة ومتوارثة جيلاً بعد آخر، لذا عمل الوعي الثقافي على الحفاظ علية وعلى جمالياته وقيمته ودلالته ، كما يعد مؤشراً هاماً للوضع الإقتصادي للمرأة او لزوجها وفخامة الثوب لها دور كبير في تحديد من يقبل على شرائه، وبهذا يشكل الثوب مدعاة للتفاخر والتباهي بين النساء خاصة في المناسبات الإجتماعية، فنجد النساء يتنافسن على ارتداء أفخر أنواع الثياب فلكل لقاء ثوب فعندما تزور المرأة السودانية جيرانها ترتدي ثوباً بسيطا تطلق عليه ثوب الجيران، وعندما تستقبل أحدا في منزلها ترتدي ثوباً يتناسب مع المناسبة، وهكذا (4) أما أسعار الثوب فتحددها فخامته التي تتماشى مع أسعار الدولار في السوق العالمي، فالثوب يعتبر عنوان وضع المرأة الإجتماعي الإقتصادي ويتصدر قائمة الهدايا بالنسبة للمرأة في مختلف الأعمار، كما يعد الثوب حجر الزاويه الإجتماعي لإرتباطه بطقوس دورة الحياة بدء بالولادة، فالزواج ،فالوفاة ففى فترة الميلاد ترتدى المرأة السودانية الثياب الزاهية الألوان وتقوم بعمل ديكور خاص للمولود من ستائر ومفروشات وسجاد وأكواب كلها بنفس اللون ، كما تتطلب طقوس الزواج الخاصة بالشيلة والجرتق لبس ثياب حمراء مرصعه بحلي ذهبية  فالاحمر لون الدم والحياة وله دور حرزى فى طرد الجان والعين الشريرة، كما اختارت المرأة السودانية اللون الأبيض للحداد(5)

 الثوب السوداني إنعكاسا لحوادث سياسية:

شهدت المجتمع السودتنى فى فترة الحكم الثنائي وبعد الإستقلال ظهور مجموعة من الثياب المستوردة تشير أسماءها إلى الأحداث السياسية والإجتماعية كالسلك الدبلوماسي، إسبوع المرأة،شم النسيم، الكادر،الإستقلال الدلع ،أبو قجيجة، بوليس النجدة، والخرطوم بالليل وهو إسم ثوب نسائي كان مشهوراً عند النساء المسلمات في السودان الشمالي في خمسينيات القرن الماضي، عندما كان السودانيون يستشرفون بدايات جديدة مع بدء عهد الإستقلال، تشمل أدواراً جديدة تشارك بها المرأة السودانية في الحياة العامة(6) ثم ظهر ثوب في الأسواق في عام 2008م عندما اتهمت المحكمة الجنائية الدولية الرئيس عمر أحمد البشير بإرتكاب جرائم حرب في دارفور، وسمى ذلك الثوب الجديد "أوكامبو"،على أسم مدعي تلك المحكمة.وظهر ثوب آخر اشتهر في دارفور خاصة، وتمت تسميته "زنقة زنقة" عام 2011م، وهو مأخوذ من الأغنية الشعبية الليبية التي تمجد الإنتفاضة الليبية ضد القذافي، وتذكر مقولته الشهيرة التي تضمنت تهديده بالبحث عن المتاظهرين في كل مكان (زنقة زنقة). وعند انفصال جنوب السودان عن شماله في عام 2011م بعد عقود من الحرب الأهلية وإتفاقيات السلام الفاشلة ظهر ثوب سمى "الانفصال" وصار هو"موضة" ذلك العام(7).

الثوب السوداني هوية مميزة للمرأة السودانية:

مازال الثوب السوداني هو الزي المميز للمرأة السودانية مؤكدات تمسكهن به بقناعة راسخة وإن كثرت البدائل والأزياء الوافدة خاصة العباءة الخليجية مبينات أن كل ماهو وافد لن يكون بديلاً عن  الثوب السوداني الذي يحمل قيمته الحضارية والتراثية وهو زي محتشم يبرز أناقة المرأة السودانية رغم تجدد شكله وطريقة لبسه مشيرات إلى مايعرف بثوب الربط وهو ثوب يقل عرضه عن المقاس الأصلي للثوب ويعرف بالفتقة الواحدة ويتم إرتدائه بربطه من الوسط كطريقة الساري الهندي، وأكدن ميزة إرتدائه خارج السودان لتحديد هويتهن السودانية وتميزهن. ووصفن عالم الثوب السوداني بأنه علم زاخر ومتجدد رغم نمطية التصميم التي لا تخرج عن الشكل المعتاد للثوب الذي استمر في الظهور رغم القنوات الفضائية والتأثر بالعولمة والإنفتاح الثقافي ومواكبته في تسمياته لكل مايحدث في الساحة السياسية كالإنترنت،الدش،نيفاشا، همس الخليج وغيره  والخلاصة الثوب زي قومي(8).

الهوامش:

  1. نازك شوقى: الثوب السودانى مزيج من الماضى والحاضر نالجزء الثامن (تاريخ النشر14/يونيو/2019)

http://www.ahram-canada.com/156618/

  1. الثوب السوداني عالم يتجدد رغم نمطية التصميم (تاريخ النشر25/3/2013)

https://www.suna-sd.net/ar/single?id=19996

  1. نازك شوقى، موقع إليكترونى سبق ذكره
  2. نفس الموقع الإليكترونى.
  3. عفاف ابو كشوة (تاريخ النشر4/3/2012) ،ثوب المراة السودانية نسيج هوية مميزة

www.albayan.ae

  1. غريس ماري براون ، ترجمة بدر الدين حامد الهاشمي "الخرطوم بالليل: الأزياء وسياسات الجسد في السودان إبان عهد الاستعمار" ttp://www.sudanile.com
  2. التوب السودانى عالم يتجدد ، موقع اليكترونى سبق ذكره.
  3. نفس الموقع الالكترونى.

 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.