كاسل الحضارة والتراث Written by  كانون2 28, 2021 - 113 Views

ابكِ كالنساء مُلكًا مُضاعًا... لم تحافظ عليه كالرجال!

Rate this item
(1 Vote)

بقلم-  رحاب فاروق

فنانة تشكيلية

 أشهر مقولة عمرها أكثر من خمس قرون ، قالتها "عائشة الحُرة" لإبنها ،  وكان آخر ملوك بني نصر(بني الأحمر)  "السلطان أبو عبدالله الثاني عشر النصري الخزرجي" (1460-1527) أو أبو عبدالله الصغير ، والملقب بالغالب بالله والمعروف لدي الإسبان بإسم "chico" أي الصبي الصغير ، وأحيانا "Boabdil" برواياتهم هكذا  يُسموه ، بينما سماه  أهل غرناطة "الزغابي" أي المشئوم أو التعيس.

 "زفرة العربي الآخير"...هذا إسم تل عالي ، بممر جبلي ، يقع بالقرب من غرناطة ، صعده" أبو عبدالله" ، ليلقي نظرة وداع أخيرة علي حمرائه ،

ومن فوق فرسه ،  شرد ... كما يقف العاشق المحزون ،  وبكي مدينة زالت ،  وفنونا بيدت ، وعزًا طاح مع الرياح ،  وملكًا كأن لم يمض عليه ليلة وصباح ،  ومجالس أُنسٍ كانت نغمًا في مسامع الدهور ، ودروس علمٍ هرعت إليها الدنيا وتلفتت العصور..

أسموه "زفرة العربي الأخير".. كناية عن حسرة

"بوعبديل" بعد تسليمه مفاتيح "غرناطة" آخر معاقل المسلمين بالأندلس.. للملكين الكاثوليكيين سنة1492م ، ثم هم مغادرًا المدينة برفقة عائلته وحاشيته ، غادر قصره وموطن عزه ،  ومجد آبائه.. وكأنما غادرته روحه ، فصعد فوق هذه الربوة..

و التي  تطل علي غرناطة وحمرائها ، ثم زفر زفرة ألمٍ و تحسر ،  علي ضياع ملكه وزوال دولة الإسلام بالأندلس علي يديهِ...تطلع  للملك الذي ولي ، ولم يستطع أن يتمالك نفسه، انطلق يبكي حتي بللت دموعه لحيته ، وهنا قالت له أمه... "أجل..إبكِ كالنساء مُلكاً مُضاعًا..لم تحافظ عليه كالرجال"؛ إلي الآن..مازالت هذه الربوة موجودة..ومازال يتوافد

عليها الناس ليتأملوا موضع هذا الملك ، الذي أضاع ملكًا أسسه الأجداد..وهنا غَرُبت شمس الإسلام..وبسقوطها انتهي حكم المسلمين الذي دام ثمانية قرون !

حاول أبو عبدالله غزو قشتالة عاصمة" فرديناند" فهُزم ، وأُسر في "لوسينا" 1483م ، ولم يُفك أسره حتي وافق علي أن تصبح مملكة غرناطة تابعة لفرديناند(ملك آراجون) و إيزابيلا (ملكة قشتالة)..وفي عام 1489 استدعوه لتسليم غرناطة.. فرفض ، فأقاموا حصارا علي المدينة..حتي استسلمت.

كانت شروط تسليم غرناطة67 شرطًا ، أهمها..تأمين المسلمين علي أنفسهم وأهلهم وأموالهم...و إبقاء الناس في أماكنهم ، وأن تبقي المساجد كما كانت ،  ولا يُقهر أحد علي ترك دينه ، وأن يسير المسلم في البلاد آمنًا..وقد نقضها الإسبان جميعها...وكَثُرت محاكم التفتيش ، بأدواتها الإجرامية البشعة ، وسلبوا ما استطاعوا من المعرفة ،  وأحرقوا الجزء الأكبر من

حضارتنا.

وفي يوم 2 من شهر إبريل لعام 1492م..تقدم أبو عبدالله لتسليم مفاتيح غرناطة، وسار نحو فرديناند ، ومد إليه مفاتيح الحمراء.. قائلاً : "إن هذه المفاتيح هي الأثر الأخير لدولة الإسلام في إسبانيا ، وقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا..هكذا قضي الله ؛ فكُن في ظفرك رحيمًا عادلاً ".

واعتاد الإسبان للأسف..وحتي يومنا هذا..الاحتفال سنويا بذكري تسليم"بوعبديل"لمفاتيح غرناطة، واعتادت السلطات هناك الاحتفال بهذا اليوم جماهيريا..وسط تجمع مئات الناس بساحة"كارمن"..قبالة الكاتدرائية..ويرتدي احد الأشخاص ملابس عربية ممثلاً دور" بوعبديل"..

ويقومون بزيارة ضريحي فرديناند و إيزابيلا...

يتراص الناس في صفين متقابلين...تحت المراقبة

الصارمة لقوات الأمن ، حيث يهتف كل منهم بشعاراته ، رافعا شاراته وأعلامه...شاهرا مطالبه بشأن هذه الاحتفالية وخلفياتها التاريخية ، بيد أن هناك أسبان داعين للتصالح مع الذاكرة ، والتخلي عن هذه الاحتفالات التي يعتبرونها غير مشرفة ، لأن الملوك الأسبان خانوا المسلمين ، ولم يلتزموا ببنود المعاهدة ، وفوق ذلك اضطهدوهم دينيا وثقافيا ولغويا وقتلوا المعارضين منهم.

سقوط الأندلس لم يكن إلا سقوط النجم المُتلأليء اللامع،  وانهيار الجبل الأشم الراسخ.. ولم يبكِ الشعراء مُلكًا طوال الزمان.. كما بكوا ملك الأندلس

  عاثت بساحتك الظبيُ يادارُ          

    ومحا محاسنكِ البلي و النار 

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.