كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 22, 2019 - 10913 Views

الرهبنة القبطية ودورها الحضاري والفني بأوروبا

Rate this item
(200 votes)

كتب-  أحمد أبو بكر أحمد علي

باحث دكتوراة – قسم الآثار – كلية الآداب جامعة المنيا

تعتبر نشأة الرهبنة في مصر من أهم مظاهر الحياة المسيحية وخير تعبير عن الروح التي سادته،  وبدأت الرهبنة على يد القديس أنطونيوس مع بداية القرن 4م  أما القديس باخوميوس فقد أسس أول دير له سنة (318م)، وكان للرهبنة أثرها القوي والممتد في عصورها الأولى المبكرة على الفكر المسيحي وعلى مسيحية الغرب بنوع أخص فهي التي أعطت المسيحية في الغرب طبيعتها المركزية كمؤسسة حتى هذا اليوم.

ومن القرون الأولى جذبت مصر كثيرًا من قادة الكنائس في الشرق والغرب لدراسة الكتاب المقدس وعلم اللاهوت بمدرسة الإسكندرية، وخلال هذا الإنفتاح انتشر الفن القبطي بطريقة غير مباشرة إلى أرجاء العالم فكان لابد من وجود الفن القبطي لأداء الطقوس الدينية لذا نجد تأثير الفن القبطي على الإمبراطورية الرومانية كلها بل وإمتد إلى خارجها من خلال المنسوجات القبطية التي كانت تُصدر إليهم، وإن من أهم ما تأثر به الغرب من الشرق هو نظام الرهبنة القبطية الذي انفردت به مصر فيمكن للفرد أن يُثبت حقيقة تلك التأثيرات إذا إكتفا بفكر علاقة الموضوعات القبطية بموضوعات عولجت بنفس الكيفية مثل العذراء التي ترضع الطفل والقديس الفارس واللوحات الجدارية للصعود فكلها مأخوذه عن طريق الفن القبطي الذي إستقاها هو نفسه من الفن المصري القديم كامتداد لتراثه.

 و جذبت الكنيسة القبطية الأنظار إليها عن طريق الرهبنة حيث كان يَفِد إليها الزوار والحجاج من مختلف أنحاء العالم المسيحي حيث كانوا يأتوا لمصر ليتعلموا أصول الرهبنة وأنظمتها المختلفة، فجاء إلى مصر العديد من القساوسة أمثال  John Cassian بصحبة صديقه Germanus  وعاشا سبع سنين مع آباء الرهبنة المصريين في الصحراء ثم أسسا ديرًا في مرسيليا إتبع فيه كل قواعد الرهبنة المصرية، كما ترجم العديد من التعاليم والقوانين للآباء المصريين في شتّى مجالات الحياة الدينية، وكذلك استقى القديس Hieronymus هو والقديستان الرومانيتان اللتان كانتا بصحبته أُسُس الرهبنة من مصر وذلك عند زيارتهم لمصر التي كانت في أواخر القرن 4م، وكذلك القديس Eusebius من إيطاليا والذي بعد عودته إلى بلاده أنشأ بها أديرة على النمط القبطي، وبطبيعة الحال لم تضم هذه الأديرة الرهبان من أبناء مصر فحسب بل اتسعت لجميع أبناء العالم المسيحي الذين سارعوا للمشاركة في حياة النُسك والتقوى وضمت الأديرة القبطية الكثيرين من اليونانيين والرومان والليبيين والسريان والأحباش وكثيرين من مختلف البلدان والأجناس، ومع مرور الوقت تكاثرت الأديرة سريعًا وتجاوزت حدود مصر وأفريقيا فلقد اجتذبت إليها عددًا كبيرًا من أبناء أوربا وآسيا وأفريقيا الذين صاروا خير وسيط لنقل نظام الرهبنة القبطية وإدخاله في كل أنحاء العالم المسيحي ومن بين هؤلاء الأعلام على سبيل المثال القديس Jerome (342-420م) والمؤرخ الكنسي Rufinus (345-410م) اللذان حضرا من إيطاليا وقضيا فترة من الوقت في بؤرة الزهد والتقوى وساهما في نقل نموذج الرهبنة لبلادهم من خلال الدراسات التى تمت كتابتها مثل(Historia Monachorum In Egypt)  الذى كتبه Rufinus.

وقد ذهب كثير من الرهبان الأقباط في القرن 5م إلى إيرلندا عندما كان أحد أبناء ملك إيرلندا مريضا بمرض ليس له شفاء فلما سمع عن معجزات الشفاء من بحيرة الماء بجوار جسد مارمينا بديره الذي كان مشهورًا في العالم كله، فجاء إلى هذا الدير وشُفيَّ وأخذ معه رهبانًا كثيرين من دير المحرق ودير مارمينا إلى أيرلندا حيث بشروها بالمسيحية ونشروا الحضارة القبطية فيها، عن طريق الرهبان الأقباط الأوائل في القرن 5م، وتأثرت الفنون الأيرلندية بالفنون والأيقونات القبطية وكان شكل الصليب الأيرلندي يشبة شكل الصليب القبطي وأيضًا حروف اللغة الأيرلندية القديمة تأثرت بحروف اللغة القبطية وحتى ألوان الزخارف وأساليب النساخة في أيرلندا قديمًا هى الألوان القبطية وهى الأصفر والأحمر والأخضر، وكذلك النقوش الموجودة على المعادن والخشب والقماش المستخدم في الكنيسة مأخوذ من الفن القبطي، كل هذا جزء صغير من تاريخ حضاري طويل وعظيم إمتدت جسوره من مصر إلى أيرلندا ثم إلى أوربا ولهذا اهتمت أوربا بذلك.

إذن فإن العلاقة بين الفن القبطي والأيرلندي تبدو أكثر وضوحًا في هذا الشأن لأن حركة تأثير الغرب كله بالفن القبطي قد انتقلت إليهم عن طريق الكتابات النُسكية فمنذ بداية العصور الوسطى من القرن (9،5م) كانت أيرلندا وإنجلترا متفتحتان لتأثير الرهبنة القبطية حيث كان النظام الرهباني يتمشى تماما مع طبيعة إنجلترا وأيرلندا لكونهم بربر كانوا يعيشون على أساس البطولة وفكرة الناسك هى ذاتها فكرة البطل الذي يقاوم الشر في جسده وهذه العوامل وغيرها تفاعلت لتجعل الأيرلنديين والإنجليز أكثر تقبُلا من غيرهم للرهبنة المصرية، ولكن فيما بعد دخلت الكنيسة الأيرلندية والإنجليزية تحت تأثير النفوذ الروماني ولكن كان التأثير القبطي ولعدة سنوات مازال موجودًا، وكل هذا التأثير والتلاقي بين الفنين يمكن لنا أن نتصور أن الرهبان الأقباط أهدوا أعمال فنية من بلادهم عند زيارتهم لايرلندا وإن كان البعض يذكر أنهم علموهم هذه الفنون وزودوهم بأسرار التقنية وهذا دليل على مدى تأثير الفن القبطي على الأيرلندي والذي بدوره كان مؤثرا في الفن الغربي عندما بدأ الرهبان الأيرلنديين يقومون بنشر المسيحية في القارة الأوربية.

ومن أيرلندا ذهب الرهبان الأقباط أو تلاميذهم الأيرلنديين من أيرلندا إلى سويسرا وألمانيا حيث أسسوا مدينة ميونخ القديمة وكذلك ذهبوا إلى بلجيكا، ونتيجة لهذه القنوات الحضارية بين مصر وأوربا انتشرت في أوربا عادات مسيحية مثل بيضة شم النسيم التي يرجع أصلها الفرعوني والتي ارتبطت بالقيامة عند الأقباط، كذلك القديس أثناسيوس الرسولي نشر الرهبنة في أوربا أثناء نفيه خارج مصر وأثناء نفيه لفرنسا كتب كثيرًا عن حياة الرهبنة المصرية وخاصة كتابه العظيم عن حياة القديس أنطونيوس وتتلمذ على يديه العديد من الرهبان في فرنسا وأسسوا أربعة أديرة في تريف بفرنسا لم يبق منها إلا دير واحد، وعندما نُفي البابا أثناسيوس مرة أخرى إلى روما بين عامي (340 – 349م) إصطحبا معه راهبين من وادى النطرون عملوا معًا على نشر الحياة الرهبانية والنظم الرهبانية في روما كما تأثر القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو بإيطاليا بالحياة النُسكية القبطية فأسس نظامًا للرهبنة الخادمة، وسرعان ما انتشرت الرهبنة في روما وجميع أنحاء إيطاليا ثم إلى باقي أنحاء أوربا كما وصلت إلى القسطنطينية التي صارت عاصمة البيزنطيين بعد ذلك وأصبح نظام الرهبنة جزءًا من الحياة المسيحية ووصل عدد الأديرة في عاصمة الدولة البيزنطية إلى حوالي 45 دير في سنة 518م، وقد وصل الرهبان والمبشرون الأقباط إلى سواحل فرنسا الجنوبية وإلى بلجيكا وعمل الأنبا أثناسيوس وهو في منفاه في بلجيكا على نشر الفكر القبطي.

           ومع بداية القرن 8م أصبحت مملكة نورثومبريا Northumbria خليط جميل من التقاليد تشمل الأنجلو ساكسون Anglo-Saxon ، والسلتيك Celtic، والرومان، والقبط وإمتزجت هذه الثقافات معًا لتخلق ما عُرف بإسم العصر الذهبي لنورثومبريا                                 Golden Age of Northumbria في ذلك الوقت تم تأليف كتابات بيدا Bede الموقر، وتم تفسير أناجيل ليندسفارن Lindisfarne Gospels، وتم نحت صليب روثول الشهير Ruthwell cross، و صليب روثول هو مثل الراوي، مثل سرد الأيقونات لبرنامج الليتروجية في المناسبات الكنسية للصوم الكبير، وأسبوع الآلام، وعيد القيامة، وقف شامخًا لقرون حتى أسقطه كارهي الأيقونات الإسكتلنديين في القرن 17م  ويرجع تاريخه إلى القرن 8م،  ونرى أن الصليب به تأثير قبطي لا يمكن تجاهله حيث توجد لوحة كبيرة في الجذع السفلي من الصليب والتي تصور إثنين من آباء صحراء مصر العظماء، القديس بولس والقديس أنطونيوس، وهما يكسران الخبز في كهفهما، كما نجد أن صليب التارة (العجلة) الأيرلندي

( Irish Wheel cross)  نفسه له أصول قبطية ثم تطور إلى ما نفكر فيه بشكل شائع عندما نفكر في الصليب السيلتي.

            إذن فإن انتشار الرهبنة القبطية صاحب معها انتشار للحضارة والفنون القبطية حيث كان الرهبان بالأديرة يتقنون جميع الفنون فقاموا برسم الرسوم ونسخ الكتب وزخرفتها بمختلف الزخارف الملونة الجميلة وأتقنوا التجارة ومختلف الصناعات، ومع دخول الإسلام مصر اهتم العالم الإسلامي بصناعات الأقباط، وانتشرت هذه الفنون بأوربا وأسيا أيضًا عن طريق كثيرين من الرحالة الأجانب الذين جاءوا إلى مصر وعاشوا في براريها وأديرتها ومغارتها وتحادثوا مع كبار قادة الرهبنة القبطية وتشربوا منهم مناهج وروح الرهبنة القبطية وسجلوا ملاحظاتهم ومناقشاتهم بالتفاصيل الدقيقة ونشروها في الغرب والشرق، ووجدت أيضًا آثار للإناء الفخاري الذي كان يأخذه الحجاج المسيحيون مملوءًا من ماء البحيرة وعليه صورة مارمينا والجملين في بقاع كثيرة في العالم حتى في الصين.

كل هذا التواجد الرهباني المصري في أوربا أثره ليس فقط في إتباع قواعد الرهبنة المصرية بل إمتد ذلك الأثر إلى النواحي المعمارية والفنية أيضًا لذا، فمن المنطقي أنه تم حمل حركة الرهبنة من الشرق للغرب من خلال التجارة الموجودة بالفعل، أو مسارات رحلات الحج وزيارة الأماكن المقدسة إن لم يكن بشكل مباشر، فقد يكون قد تم نقلها بشكل غير مباشر من خلال وسطاء أو كتب رهبانية تم ترجمتها إلى اللاتينية وتم توزيعها بكثرة في أوروبا.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.