كاسل الحضارة والتراث Written by  أيار 29, 2019 - 442 Views

أسرار وحضارات طريق الحرير

Rate this item
(0 votes)

كتب د. حسين عبد البصير

مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية

لماذا طريق الحرير؟

إن طر يق الحرير هو طريق الآثار والأسرار.

طريق الحرير هو طريق الحضارات عبر العصور!

"طريق الحرير" هو ممر التجارة والحضارة الذياستخدمته بذكاء وعبقرية الصين من أجل زيادة تبادلها التجاري البري مع بلدان ومدن جنوب آسيا وغرب آسيا وأوروبا وشمال أفريقيا. ويُسمى بـ"طريق الحرير"؛ بسبب نقل كميات كبيرة من الحرير والمنسوجات الحريرية الصينية إلى الغرب عبر هذا الطريق التاريخي الطويل والقديم. وتشكل هذا الطريق في القرن الثاني قبل ميلاد السيد المسيح عليه.وما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي كان على طول طريق الحرير أربع دول إمبراطورية كبرى وهي روما (في أوروبا) وبارثيا (في غرب آسيا) وكوشان (في أواسط آسيا) وأسرة هان الصينية (في جنوب شرق آسيا).

وكان طريق الحريريمتد لمسافة 5000 كلم عبر ثلاث دول هي الصين وكازخستان وأوزبكستان. ويضممسارطريق الحرير ثلاثة وثلاثين موقعًا مختلفًاما بين مدن رئيسية وقصورومناطقتجارية وممرات جبلية ومنارات وأجزاء من سور الصين العظيم وحصون وأضرحة ومبانٍ دينية. ووضع قسم من هذا الطريق على لائحة التراث العالمي الخاصة بمنظمة اليونسكوعام 2014. ومن المتوقع ضم المزيد من المواقع في العديد من الدول لتصبح جزءًا من مسار طريق الحرير المهم.

وكان طريق الحرير يمتد من مدينة تشان جان، عاصمة الصين، خلال عصرأسرتي هان وتانج إلى أوروبا عبر آسيا الوسطى والشرق الأدنى. واُستخدم إبتداءً من القرن الثانيقبل الميلاد إلى القرن السادس عشر للتجارة ونقل البضائع الصينية وأشهرها الحرير إلى باقي مناطق العالم القديم.

وبقى هذا الطريق البري مستخدمًاإلى القرن السادس عشر عندما اُستبدل بالطريق البحري.ويعود تاريخ طريق الحرير إلى آلاف السنين، وعلى امتداد كل العصور، وكانتدول وحضاراتمصر والعالم العربي العظيمةمن بين المناطق الأكثر الأهمية على مسار طريق الحرير؛ نظرًا لأهمية موقعها الجغرافي والحضاريالمتميز بين حضارات وقارات العالم أجمع.

وطريق الحرير هو مجموعة من الطرق المتصلة التي كانت تسلكها القوافل وتمر عبرها السفن من جنوب شرق آسيا واصلة بين الصين (وتحديدًا تشآن والتي كانت تُعرف قديمًا باسم "تشانج آن") مع منطقة أنطاكية في بلاد الأناضول (تركيا الحالية) فضلاً عن عدد من المواقع التجارية والحضارية الأخرى، وكان تأثيرها يمتد إلى بلاد أخرى في جنوب شرق آسيا مثل اليابان وكوريا.

وتم إطلاق إصطلاح "طريق الحرير" في القرن التاسع عشر في ألمانيا حيث نحت هذا المصطلح الجغرافى الألماني الشهير فرديناند فون ريتشهوفن فيعام 1877 ميلادية مع أسرة هان الصينية. وساهم طريق الحرير في ازدهار الكثير من الحضارات مثل الحضارة الصينية والحضارة المصرية والحضارة الهندية والحضارة الرومانية وحضارات شبه الجزيرة العربية. واستمر التأثير إلى العصر الحديث.

ويمتد طريق الحرير بين المراكز التجارية والحضارية في شمال الصين. ويسير في طريقين: أحدهما شمالي والآخر جنوبي.

ويمر الفرع الشمالي (أو الصيفي) ابتداءً من منطقة بلغار-كيبتشاك ويعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم ويصل إلى البحر الأسود وبحر مرمرة وبلاد البلقان، وينتهي بمدينة البندقية (فينيسيا) الإيطالية الشهيرة. بينما يمر الفرع الجنوبي (أو الشتوي) من بلاد تركستان وخراسان مرورًا ببلاد النهرين (العراق) والأناضول وسوريا، خصوصًا عبر مدينة تدمر السورية الحضارية العريقة، وإلى أنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر عاصمة الشام مدينة دمشق، أقدم مدينة مأهولة في العالم كله، وبلاد الشام إلى مصر، أرض الحضارات والتاريخ المتتابع، ومن ثم إلى شمال أفريقيا. 

وترجع أهمية هذا الطريق وتكونه وتاريخه وشهرته وأهميته إلى الحضارة الصينية العريقة التي أبدعت صناعة الحرير قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام. وكانت صناعة الحرير الصينية، بما فيها روعة فنون نسجه وزخرفته وتطريزه وغيرها، متميزة للغاية، وبلغت الذروة مع أسرة تانج ومن بعدها أسرة مينج. وكان الجميع في العالم كله يتنافس على الحصول على الحرير الصيني عالي الجودة بأي مقابل حتى أنهم كانوا يدفعون الأحجار الكريمة للحصول عليه. وبدأ الحرير الصيني يأخذ طريقه للانتشار في العالم كله، وكانت معه بضائع أخرى تُصدر على نفس الطريق. فخرجت هذه البضائع، وعلى رأسها الحرير بالطبع، من الصين وجنوب شرق آسيا إلى أواسط آسيا وشمال أفريقيا ووسط أوروبا في مسارات تجارية وحضارية محددة، عُرفت باسم "طريق الحرير" الشهير. وهكذا، فإن كل تلك القوافل والسفن كانت تتجه من الشرق إلى الغرب، رابطة العالم ببعضه البعض، وساهم هذا الطريق في إزدهار العديد من البلدان والمدن التي كانت تقع على مساره. وكان هذا الطريق هو الأكثر شهرة في العالم إلى العصر الحديث.

وانتظمت تجارة الحرير على هذا الطريق قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وظلت منتظمة لآلاف السنين. والجميل في هذا الأمر أن طريق الحرير كان مسارًا ثقافيًا وحضاريًا واجتماعيًا له عظيم الأثر على المناطق التي يمر بها. ولم تكن التجارة أو الاقتصاد فقط هو ما يتم نقله عبر طريق الحرير، وإنما كذلك الديانات فعرفت آسيا دين الإسلام وعرف العالم البوذية، أكثر ديانات المنطقة شهرة آنذاك. وكذلك انتقل عبره بعض الأشياء المدمرة مثل البارود مما أدى إلى زيادة الحروب والصراعات بين الأمم والشعوب. غير أنه من المهم الإشارة إلى انتقال الورق عبره، مما إلى تحقيق إنجاز حضاري كبير ساهم بشكل كبير في تقدم البشرية وحفظ ذاكرة الإنسانية من الضياع. وكانت الصين صاحبة الفضل في اكتشاف الورق وانتقل إلى العرب عن طريق مدينة سمرقند القريبة من الصين. وأبدع العرب كثيرًا في صناعة الورق. وكان مهمًا لهم لارتباطه بصناعة وتذهيب المصحف الشريف كي يتم تداول القرآن الكريم وحفظ كتابه الله المقدس في سائر أقطار ومدن الحضارة العربية الإسلامية. وساهم طريق الحرير في التقريب بين الشعوب وانتقال العديد من النظم الاجتماعية الخاصة بشعوب أواسط آسيا إلى الجزء الغربي من العالم. بيد أن الاقتصاد كان العامل الأهم والأدوم أثرًا والأكثرًا تأثيرًا وانتشارًا على مدن وحواضر هذا الطريق الطويل المتميز. ويكفي أن نضرب مثلاً بأنه بسبب طريق الحرير أصبحت الصين صاحبة الرصيد الأكبر من الذهب أكثر من جميع الدول الأوروبية في القرن العاشر الميلادي.

وساهم ركوب البحر واكتشاف البحار في رواج الحركة الملاحية بين الشرق والغرب على اعتبار أن الطرق البحرية أكثر أمنًا من الطرق البرية، خصوصًا مع اندلاع الحروب المغولية الإسلامية بأواسط آسيا. ومن ثم اندثرت معالم طريق الحرير البري رويدًا رويدًا، وصارت البضائع والمعارف الإنسانية تأخذ مسارات بحرية منتظمة، من جنوب آسيا عبر المحيط الهندي ثم عبر البحر الأحمر عبر القوافل البرية من خليج السويس ثم إلى المراكب في دمياط وما حولها من موانئإلى شمال أفريقيا. وكذلك انتقلت منتجات شعوب مختلف بلدان أوروبا وآسيا إلى الصين.ومع تغير الخارطة السياسية والاقتصادية في أوروبا وآسيا بعد القرن التاسع الميلادي، وخاصة تقدم تكنولوجيا الملاحة، برز دور النقل البحري في التبادل التجاري واضمحل دور طريق الحرير البري التقليدي.

وفي النهاية، أقول لقد قام طريق الحرير بجعل الحضارات العريقة التي كان يمر بها تتبادل وتتأثر بعضها بالبعض،وكثفمن الاتصالات بين الشرق والغرب عبر هذا الطريق المكون من شبكة طرق حضارية كبيرةوعريقة.

إن طريق الحرير هو طريق الحضارة وطريق الحوار لدفع الحوار والتبادل بين الشرق والغرب والعالم ككل. ولعل إحياء مسار طريق الحرير بين مصر ودول العالم العربي والصين وغيرها من دول المسار هو إحياء لقيم حضارية واقتصادية وإنسانية جميلة وعظيمة يجب أن نحافظ عليها دائمًا وأبدًا.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.