د.رضا محمد عبداللرحيم Written by  أيار 29, 2019 - 158 Views

ستة وثلاثون وجها للمقدس فوجى

Rate this item
(0 votes)

    يحظى جبل فوجى ذو الإرتفاع الشاهق (377624 م ) والجمال الأخاذ بتقديس كبير عند اليابانين منذ قرون عديدة ويُعد مصدرا كبيرا لإلهام الفنانين،وقد نالت تلك الصفات الرائعة إعتراف العالم فى عام 2013 م عندما أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمتها للتراث العالمى تحت عنوان فوجى سان مكان مقدس ومصدر للإلهام الفنى.

وعلى الرغم من مظهره الذى يوحى بالهدوء نظرا لموقعه الإستراتيجى وبعده عن الأماكن الحضريه ، فهو يضم فى تاريخه وجها أخر يجعله جبلا رهيبا ويبرر تصنيفه كبركان نشط ،وقد حدث آخر انفجار ضخم لهذا البركان فى عام 1707م أى منذ أكثر من ثلاثمائة واحد عشر عاما كاملة.

وقد أقام اليابانيون مرصدا فى أعلى قمة الجبل المقدس،حيث تبلغ مساحة قمة الجبل حول فوهة البركان 3 كم تقريبا. ويحيط به خمس بحيرات ،ويقع بالقرب من شاطىء جزيرة"هونشو"على المحيط الهادى،على الحدود بين محافظتى شيزوكا وياماناشى ،وتحيط به ثلاث مدن هى : غوتيمبا إلى الجنوب،فوجى يوشيدا إلى الشمال،وفوجينوميا إلى الجنوب الغربى.

وقد أكتسب الرسام اليابانى الأشهر كاتسوشيكا هوكوساى (1760-1849) شهرة بالغة كرسام للمناظر الطبيعية بمجموعته "ستة وثلاثون نظرا لجبل فوجى"،وهذا الرسم المطبوع والذى يعرف شعبيا باسم "فوجى الأحمر" مشهور بصفة خاصة.

 ولا أجد وصفا لعظمة هذا الجبل المقدس" فوجى" أبدع مما جاء برواية سقوط الملاك للأديب اليابانى  يوكيو مشيما(أشهر الكتاب اليابانيين فى القرن العشرين):

"شمخ جبل فوجى عاليا فوق التلال.بدت القمة وحدها جلية للعيان،كأنما ألقيت صخرة بيضاء عاليا من خلال سحب الظنون".

وكان من حسن طالعى أن  أرى  قمته من القطار كهالة الضوء(الناروز) التى تحيط برؤوس الشهداء عند أخوتى من المسيحيين.

وعند سفح جبل فوجى تنضم المياه الموجودة تحته إلى نهر يتساقط فوق شلال "شيرايتو نو تاكى"ويصل أحيانا معدل تساقط المياه على الشلال إلى 1,5  طن فى الثانية الواحدة.

وفى الأزمنة القديمة كان هناك اعتقاد بأن الأرواح التى تغادر الجسد بعد الموت تصعد عبر الجبال حيث تصبح آلهة "كامى" عندما تصل إلى القمة ،وتتحول بعد ذلك إلى آلهة فى المنزل "أوجى-غامى"لتحمى أفراد العائلة (تبعا للديانة الشنتوية).

وعندما وصلت الديانة البوذية إلى اليابان فيما بعد جلبت معها الإعتقاد بالبعث وبأن الأرواح تمر بعد الموت بعوالم ستة بينما تشق طريقها فوق الصخور وعبر الغابات حتى قمة الجبل وهناك تتحقق لها صفة الكمال الروحى أو "هوتوكى" ،

ومن هنا أصبحت الجبال هى مقر اآلهة الشنتوية القديمة والآلهة البوذية أيضا لأنها أعلى الأماكن على سطح الأرض وأكثرها قدسية.

ومع تتطور هذا النوع من عبادة الطبيعة تأصل عند اليابانيين الإحساس بأن الجبال يجب التطلع إليها بإجلال من أسفل لأن الآلهة تسكن عند قممها فى العالم الآخر.حيث يعتقدوا أن الطبيعة ليست بوجه من الوجوه طبيعية حصرا،وإنها دائما مثقلة بقيمة دينية.وهذا جلى ما دام الكون خلقا إلهيا:

إن العالم الذى خلقتة الآلهة بيدها يظل مغموسا بالقداسة.

وعلى قمة جبل فوجى يوجد معبد شنتوى يسمى"سينغين جينجا"وهو مقر آلهة الجبل الشنتوية،وقد أقيمت أيضا معابد أخرى كثيرة تحمل نفس الأسم على منحدرات الجبل وبتأثير من الرغبة القوية لدى اليابانيين نحو تعظيم جبل فوجى باعتباره إله فى حد ذاته.

وهذا المعتقد فى قدسية الجبال  إنسانى ،ولا يختلف فيه اليابانيين عن غيرهم ففكرة الجبل الكونى الذى يربط بين السماء والأرض سواء كان الجبل أسطورى أو واقعى نجدها فى جبل ميرو فى الهند،وجبل هارابرزايتى فى إيران،والجبل الأسطورى المسمى جبل البلاد فى العراق،وجبل جرزيم فى فلسطين.

هذا الاعتقاد نراه مسجلا فيما يسمى"مان يوشو"وهى مجموعة أشعار من طراز "واكا"- مقاطع شعرية  لفظية على وزن ( 5-7-5-7-7 ) - تم تجميعها خلال مئة سنة تقريبا ابتداء من النصف الثانى من القرن السابع الميلادى،وفيما نجد أن أحد شعراء البلاط ويدعى "يامابى نو أكاهيتو"يمدح ارتفاع جبل فوجى وجماله وطبيعته المقدسة قائلا:

"كامى سابيتى – إيرو"ومعناها "يتصرف مثل إله"،وهنا نرى إشارة أدبية مبكرة وواضحة جدا للطبيعة المقدسة لجبل فوجى.

خرجت من الفندق (يوكو) مبكرا ،عاقد العزم على أختراق طريق هاكونى هاتشيرى وفى يدى خريطة ورقية ملونة للوصول إلى هدفى المقدس فوجى سان ،هبطت سلم  محطة المترو وقمت بتزويد الماكينة الإليكترونية بـ170 ينا معدنيا وسجلت اسم المحطة التى سأنزل إليها وهى محطة Shinjuku  وهى تبعد عن الفندق سبع محطات فقط.منحتنى الآله تذكرة ورقية  زرقاء نظرت إلى الخط الأزرق على أرضية المترو الذى قادنى  حتى المصعد الذى هبط إلى الدور الثانى .حيث شاهدت عجبا.! رصيف المترو أيضا له بوابات إليكترونية تفتح أمام أبواب قطار المترو وتغلق بعد التأكد من سلامة هبوط وصعود الركاب . بعد خمسة عشر دقيقة تقريبا كنت قد وصلت إلى محطتى،أشتريت زجاجة مياه ،ثم قمت بشراء تذكرة قطارسريع (الطلقة) بـ2320 ينا ولم أستطع النوم بل تعلقت عيناي بالطريق. ما كل هذا الجمال .!

سبحان الله جبال شاهقة وصخورتتلألأ عليها امطار الخريف الخفيفة فتزيدها حسنا فوق حسنها الأخاذ.سبحان الله  ساعة كاملة وأنا مشدو لا أنطق غيربكلمة سبحان الله ،ما أجمل الترحال بين أحضان الطبيعة الجميلة، هنا بحروبحيرات وبرك مائية  وهناك نهر وفى الأسفل شلالات  ،وأشجار ضخمة .

علمت بعدها أنها غابة ساحل "ميهو نو ماتسوبارا" الصغيرة وهى على بعد 45 كيلومتر جنوب غرب قمة جبل فوجى ،وهى غابة من أشجار الصنوبر،وهناك معبد "ميهو"الذى أقيم لتبجيل شجرة صنوبر مقدسة، وتخبرنا الأسطورة اليابانية  القديمة  أن أنثى ملاك نزلت من السماء إلى هذه البقعة وخلعت الرداء التى كانت ترتديه (هاغورومو)  لكى تسبح ، وقامت بتعليقه فوق تلك الشجرة.

أشتم رائحة  دخان بركان فوجى ، وأشترى "بيضة" تم سلقها بواسطة الأبخرة المتصاعدة بفعل سخونة الحمم البركانية السائلة  الصغيرة الهابطة من جسده ، وأزور مرتفاعات "نيهونديرا" التى تقع أسفله، وأشاهد السفن العتيقة الأسطورية  الطراز على شاطىء "كوماجوى".

د.رضا محمد عبداللرحيم

عضو اتحاد كتاب مصر

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.