د.رضا محمد عبداللرحيم Written by  تموز 13, 2019 - 92 Views

زيارة إلى المعهد العربى الإسلامى فى طوكيو

Rate this item
(1 Vote)

يرجع تاريخ الدين الإسلامى فى اليابان إلى سنة 1891م، عندما اعتنق عدد من اليابانيين الإسلام. ولن أفوت هذه الفرصة لأحدثكم عن رجل لا يعرفه كثير من القراء، وهو رجل جدير بأن يعرفوه ويدرسوا آثاره،أنه  الصعيدى فاتح إمبراطورية اليابان ،وهو الشيخ الأزهرى على الجرجاوى ففى عام 1906 م، بقرية "أم القرعان" فى مركز"جرجا" بصعيد مصر،قرأ الشيخ أن رئيس وزراء اليابان الكونت (كاتسورا) أرسل خطابات رسمية إلى دول العالم ليرسلوا إليهم العلماء والفلاسفة والمشرعين وكل أصحاب الديانات لكى يجتمعوا فى مدينة "طوكيو" فى مؤتمر عالمى ضخم يتحدث فيه أهل كل دين عن قواعد دينهم وفلسفته،ومن ثم تختار الحكومة اليابانية ما يناسبها من هذه الأديان ليكون دينا رسميا للإمبراطورية اليابانية بأسرها ،وسبب ذلك أن اليابانيين بعد انتصارهم المدو على الروس فى معركة "تسوشيما"عام 1905م،رأوا أن معتقداتهم الأصلية "الكونفوشيوسية" لا تتفق مع تطورهم الحضارى وعقلهم الباهر ورقيهم المادى والأدبى الذى وصلوا إليه،فأرادوا أن يختاروا دينا جديدا للإمبراطورية الصاعدة يكون ملائما لهذه المرحلة المتطورة من تاريخهم.

عندها أسرع هذا الصعيدى البطل إلى شيوخ الأزهر يستحثهم بالتحرك السريع لانتهاز هذه الفرصة الذهبية لنقل دين محمد إلى أقصى بقاع الأرض ،فى مهمة لو قدر لها النجاح لتغير وجه الكون،فلم يستمع الشيخ الجرجاوى إلا لعبارات"إن شاء الله"،"ربنا يسهل"،فكتب الشيخ على الجرجاوى فى صحيفته الخاصة "الإرشاد" نداء عاما لعلماء الأزهر لكى يسرعوا بالتحرك قبل أن يفوتهم موعد المؤتمر،ولكن لا حياة لمن تنادى،فهل فوض الشيخ على أمره لله وقال اللهم إنى قد بلغت؟هل استسلم هذا الشيخ لأولئك المثبطين وواسى نفسه بأنه قد عمل ما عليه؟

لقد قام هذا الصعيدى البطل ليحمل هم أمة كاملة على كتفيه،وانطلق إلى قريته الصغيرة ليبيع خمس أفدنة من الأرض كانت جل ثروته،لينفق على حسابه الخاص تكاليف تلك المغامرة العجيبة التى انتقل فيها على متن باخرة من الإسكندرية إلى إيطاليا ومنها إلى عدن ،ومنها إلى بومباى فى الهند ،ومنها إلى كولمبو فى جزيرة سيلان(سيريلانكا الآن)،ومن هناك استقل باخرة لشركة إنجليزية متجهة لسنغافورة ،ثم إلى هونج كونج،فسايغون فى الصين،ليصل أخيرا إلى ميناء "يوكوهاما"اليابانى بعد مغامرة بحرية لاقى فيها هذا الصعيدى البطل ما لاقاه من الأهوال والمصاعب.وهناك فى اليابان كان العجب،وانظروا الآن إلى عظمة هذه الأمة –أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)- فلقد تفاجأ هذا الشيخ الصعيدى على الميناء بوجود شيخ هندى من مشايخ مدينة "كلكتا"،وشيخ أمازيغى من مشايخ "القيروان"فى تونس ،وشيخ صينى من "التركستان الشرقية"،وشيخ من مسلمى "روسيا"،كل هؤلاء جاءوا مثله على نفقتهم الخاصة ،ليجدوا أن الخليفة العثمانى البطل (عبد الحميد الثانى) جزاه الله خيرا كان قد أرسل وفدا كبيرا من العلماء الأتراك،ليجتمع أولئك الدعاة جميعا ويكونوا وفدا إسلاميا ضخما مكونا من مسلمين من أقطار مختلفة،وبدأت جلسات مؤتمر الأديان ،وتكلم أصحاب كل دين عن دينهم، حتى جاء الدور على الوفد المسلم،فشرح الوفد المسلم لليابانيين تعاليم الدين الحنيف،وأوجزوا فى شرح الإسلام بشكل يسمح لليابانيين فهمه بشكل مبسط،وتم عقد أكثر من جلسة فى هذا المؤتمر،أعلن بعدها الإمبراطور شكره لكل الوفود ،وأعلن لهم أن حرية الدين مكفولة فى اليابان،فمن شاء من اليابانيين اتباع أى دين فهو حر فى اختياره ،فخرج الجرجاوى رحمه الله إلى شوارع طوكيو برفقة الوفد المسلم ومعهم الترجمان،ليُسلم على أيديهم آلاف اليابانيين،ويصف الجرجاوى ما قاموا به فى اليابان فى كتابه الرحلة اليابانية قائلا: "فلو كان المسلمون أرسلوا وفودهم إلى اليابان قبل هذا الأوان واستعملوا هذه الطريقة التى استعملناها لكان عددهم الآن يعدون بالملايين لا بالألوف،أما الذين أعتنقوا الإسلام على أيدينا فبلغ عددهم نحو الاثنى عشر ألفا".

وما بين عامَيْ 1923 إلى 1952م، هاجرت مجموعات من المسلمين التتار من آسيا الوسطى إلى اليابان واستقرت في مناطق طوكيو وكوبي وناقويا، كما أقام عدد من المسلمين الهنود في مدينة كوبي. وفي عام 1956م قدم إلى اليابان أفراد من جماعة التبليغ في باكستان وكانت لهم جهود كبيرة في نشر الإسلام في اليابان. وفي تلك الأثناء عاد إلى اليابان عدد من اليابانيين الذين أسلموا في مناطق جنوب شرق آسيا والصين، في حين استمر توافد جماعة التبليغ إلى اليابان بشكل دوري، وفي أواخر الخمسينيات من القرن الماضي بدأ توافد الطلبة المسلمين من مختلف البلدان الإسلامية للدراسة في الجامعات اليابانية، وقام عدد منهم في عام 1960م بتأسيس «جمعية الطلبة المسلمين» وفي عام 1974م تم تأسيس المركز الإسلامي.

قامت المملكة العربية السعودية بإنشاء المعهد العربى الإسلامى فى طوكيو ،وتم إفتتاحه عام 1982م،لإستقبال الطلاب اليابانيين لإشباع رغبتهم فى تعلم اللغة العربية ،والتعرف على ثقافتها وعلومها.

 وقد كان هذا المعهد يمثل هدية من المملكة للشعب اليابانى عامة وخدمة للمسلمين خاصة.وتم تكليف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالإشراف الإدارى والعلمى عليه،وهى إحدى الجامعات الحكومية العريقة ذات السمعة الأكاديمية العالمية.ولها العديد من الفروع داخل المملكة وخارجها فى آسيا وأفريقيا وأمريكا .

والمعهد مقام على أرض السفارة السعودية القديمة فى منطقة (ميناتوكوموتو أزابو)على مساحة قدرها 1398 مترا مربعا بتكلفة سبعة وعشرين مليون ريال سعودى،ونُفذ على طراز عمرانى مميز. وقد تم تجهيز المعهد بالمعامل الصوتية  والأثاث المكتبى والتعليمى على أحدث المواصفات.

كما يحظى المعهد بهيئة تدريس مؤهلة ومتخصصة فى تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ،وبوصفها لغة أجنبية أو ثانية.

يبلغ عدد الطلاب فى الفصل الدراسى الواحد لجميع الدورات والبرامج أكثر من 260 طالبا وطالبة،،وقد بلغ عدد خريجى البرامج الدراسية والدورات المصاحبة فى المعهد حتى 2015م قرابة (2637) طالب طالبة.

وقد درج المعهد على إقامة نشاطات سنوية للطلاب الدارسين للغة العربية بمقره،مثل مسابقة اللغة العربية الكبرى (الأولمبياد) ،وهى مسابقة سنوية ،وتشمل مهارات اللغة العربية الأربع:

المحادثة والإستماع والقراءة والكتابة بالإضافة إلى قواعد اللغة .كما تحرص إدارة المعهد على إقاة الأنشطة الطلابية المنبرية مشتملة على الخطابة ،وقراءات شعرية ،وقصصية،ومشاهد تمثيلية قصيرة ،وحوارات باللغة العربية الفصحى .

كما ينظم المعهد دورات فى تدريس جميع أنواع الخطوط العربية وجمالياتها للمبتدئين وحتى مراحل متقدمة منها،ويقوم بالتدريس فيها البروفسيور هوندا المتخصص فى الخط العربى.

وتقام مسابقة سنوية للخط العربى يتنافس فيها الدارسون للخط العربى ويمنح الفائز فيها ميدالية تقديرية من المعهد ولوحة فنية من إنتاج البروفسور هوندا.

وقد قمت بزيارة مكتبة المعهد بالدور السفلى من المبنى الرئيسى ، وهى زاخرة بأمهات المصادر والمراجع والكتب والدوريات المتخصصة فى الثقافة الإسلامية و العربية وهى بثلاث لغات اللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة اليابانية ،إضافة لترجمة معانى القرآن الكريم باللغة الإنجليزية و اليابانية ،وتتيح المكتبة نظام البحث الإلكترونى مما يسهل عملية البحث عن الكتب والمراجع.وقد أهدانى القائمون على المكتبة مجموعة من الكتب  الإسلامية باللغة العربية والإنجليزية.

وبجوار المكتبة  معرض تراثى مصغر وبديع. يحكى تاريخ وتراث المملكة العربية السعودية ،ويحتوى على العديد من الآثار التراثية والقطع النادرة من مختلف الأنواع مثل مجموعة من السيوف،والخناجر ،وأنواع من السجاد والعبايات .

د.رضا محمد عبداللرحيم

عضو اتحاد كتاب مصر

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.