كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

الهكسوس واليهود في مصر عند مانيتون السمنودى دراسة نقدية لرواية جوسيفوس

بقلم أ.د. محمد عبد الغنى

أستاذ التاريخ والحضارة  اليونانية والرومانية بجامعة الإسكندرية

  • التعريف بـ "مانيتون" والدافع لكتابة مؤلفه:

مانيتون السمنودي هو كبير كهنة هيليوبوليس في بدايات العصر البطلمى في مصر. وقد احتل مانيتون منزلة فريدة ومرموقة في زمنه وحتى الآن لأنه كتب مؤلفًا مُهمًا (باللغة اليونانية) عن تاريخ مصر القديمة وحضارتها Αἰγυπτιακὰ([i]) وأهداه إلى الملك بطلميوس الثاني فيلادلفوس([ii]) (285-246ق.م).

أما سيرة حياة مانيتون فإن معرفتنا بها محدودة وغير مؤكدة إلا في بعض من جوانبها تبدو مؤكدةً. الجانب الأول يتعلق بموطن مانيتون الأصلي أو مسقط رأسه في مصر: فقد عُرَّف في أكثر من موضع في المصادر الملاحقة التى ذكرته بأنه "مانيتون السمنودي Μανεθὼς μὲν ὁ Σεβεννύτης "([iii])، وأحيانًا يُكتب .Μανέθων هذا التعريف المقترن بالنسبة المكانية صارا مقبولًا ويدل على أن موطنه الأصلي كان "سمنود/ Σεβεννύτος" في دلتا مصر على الضفة الغربية من فرع دمياط حاليًا. الجانب الثاني يتصل بالمنصب الكهنوتي الرفيع الذى شغله مانيتون بوصفه "كبير كهنة هيليوبوليس" (إذ يذُكر أنه عرَّف نفسه في خطاب قيل أنه أرسله إلى الملك بطلميوس الثانى "فيلادلفوس" – أشرنا إليه أعلاه – على النحو الآتي:

"مانيتون كبير الكهنة وكاتب المعابد المقدسة في أرجاء مصر، سمنودي المولد ومقيم في هيليوبوليس"([iv]).

يبدو من هذا السياق أنه من الممكن أن يكون مانيتون قد أرتقى في سلك الكهنوت ليصبح كبير كهنة هيليوبوليس. إن هذه المرتبة الكهنوتية الرفيعة تتسق مع الدور المهم الذى لعبه مانيتون في إدخال عبادة سرابيس والترويج لها في عهد بطلميوس الأول "سوتير"([v]) (حكم كأول "ملوك" البطالمة وكمؤسس للأسرة البطلمية الحاكمة 305- 283 ق.م). في هذا الصدد يذكر المؤرخ أو كاتب السير بلوتارخوس (حوالي 46 -120م) في أطروحته "عن إيزيس وأوزيريس" أن الملك بطلميوس الأول سوتير عندما فكَّر في إدخال عبادة سرابيس – التى تمثل دمجًا للأفكار الدينية المصرية واليونانية مقصودًا منه أن يحظى برضا الطرفين ليصبح إلهًا راعيًا للأسرة الحاكمة البطلمية– إلى مصر وإدخال تمثال هذا المعبود الجديد إلى مصر، كان قد اتخذ له مستشاريّن دينيين لهذا الغرض أحدهما يوناني يُدعى تيموثيوس والآخر مصري هو مانيتون([vi]). ومن بين الشواهد الأثرية التى قد ترجَّح هذا الدور المحوري لمانيتون في إدخال عبادة سرابيس وانتشارها أنه قد عُثر على نقش على قاعدة تمثال من أطلال معبد سرابيس في قرطاجة يحمل اسم "مانيتون Μανέθων" في حين لم يُعثر على التمثال نفسه والذى يبدو أنه كان تمثالًا نصفيًا من الرخام. إن هذا الأمر قد يشير بوضوح إلى أن التمثال المفقود كان -على الأرجح–  لمانيتون، ونُصًّبَ على شرفه تقديرًا لإسهامه الفعَال في تنظيم عبادة سرابيس([vii]).

     من الشواهد والقرائن السابقة يتضح أن مانيتون قد عاصر وذاعت شهرته في ظل حكم الملكين بطلميوس الأول (سوتير) وبطلميوس الثانى (فيلادلفوس) ولعب في ظل حكمهما أدوارًا مؤثرة في مجالين بارزين آنذاك هما: إدخال وإرساء عبادة سرابيس، وكتابة تاريخ مصر القديمة باللغة اليونانية، ومن الواضح أنه كان على علاقة وثيقة بالبلاط الملكي.

    بعد هذا التعريف الموجز "المتاح" بمانيتون نأتي إلى بيت القصيد في هذا البحث وهو مؤلف مانيتون الشهير "التاريخ المصريΑἰγυπτιακὰ " لنلقي نظرة سريعة أولًا عليه وعلى ظروف تأليفه والغرض منه ومصادره المحتملة، ثم نتناول تأثيره الآني واللاحق وكيفية تناوله خصوصًا من جانب المصادر اليهودية والمسيحية اللاحقة التى أخذت عنه وأشارت إليه في (ظل ضياع النسخة الأصلية من هذا المؤلف التى لم تصلنا).

     نتناول أولًا خلفيات كتابة هذا المؤَلف التاريخي في بداية العصر الهيللينستي. بعد وفاة الإسكندر المقدوني (356-223ق.م) – دون أن يترك وريثًا شرعيًا مؤهلًا للحكم من بعده– حيث توزعت ولايات الإمبراطورية الضخمة التى أقامها (على أنقاض الإمبراطورية الأخمينية الفارسية بعد انتصاره الحاسم والنهائي على أخر ملوكها داريوس الثالث) بين خلفائه διάδοχοι من قادته وأركان حربه كولاة في أول الأمر، ثم كملوك لممالك هيللينستية مستقلة قاموا بتأسيسها وتولوا هم ونسلهم حكمها بصورة وراثية اعتبارا من 306 /305 ق.م. وقد أسفر هذا الوضع الجديد عن قيام ثلاث ممالك رئيسية هي مملكة البطالمة ومقرها مصر، ومملكة السليوقيين في سوريا وبابل وحتى حدود الهند شرقًا، ومملكة الأنتيجونيين في مقدونيا وأجزاء كبيرة من بلاد اليونان وآسيا الصغرى. اثنتان من هذه الممالك الثلاثة كانتا من الممالك الشرقية التى كانت – فيما مضى- مهدًا لحضارات قديمة وعريقة وموغلة في القديم وهما: مصر التى آل حكمها وملكها إلى بطلميوس الأول بن لاجوس وأسرته الحاكمة البطلمية من بعده. وبلاد الرافدين (بين النهرين) التى آل حكمها ومُلكها إلى سليوقوس الأول وأسرته السليوقية الحاكمة من بعده – ضمن تلك المملكة السليوقية الشاسعة([viii]).

    لعل تفاصيل تاريخ وحضارة تلك البلدان العريقة التى آل حكمها إلى هؤلاء القادة والملوك المقدونيين الجدد لم تكن معلومة لهؤلاء الحكام ولبني جلدتهم من الإغريق والمقدونيين الذى تدفقوا على هذه الممالك عقب فتوحات وحملات الإسكندر الأكبر. لذلك تصدى لمهمة تعريف هؤلاء الوافدين الجدد بتاريخ وحضارات تلك الممالك الشرقية العريقة كُتّابٌ ومؤرخون ومثقفون سواء من الإغريق أو من الصفوة المثقفة (ولاسيما كهنة) من تلك الممالك الشرقية العريقة.

  • الكتابات اليونانية عن مصر قبل مانيتون:

صحيح أن المؤرخين والكُتّاب والمفكرين الإغريق من العصر الكلاسيكى لم يكونوا بمنأى عن تاريخ بلدان الشرق العريقة –لاسيما مصر– إذ اهتم بالكتابة عن مصر والإشادة ببعض مأثرها وفضلها مؤرخون ومفكرون إغريق مثل هيرودوت وأفلاطون وأوسطو، وزارها عدد من حكماءهم مثل سولون وطاليس وهيكاتيوس الميليتي، بل وتردد ذكرها مرارًا في أقدم ملاحمهم الإلياذة والأوديسية لشاعرهم الأكبر هوميروس([ix]). ورغم  ما سبق ينبغى أن ننوِّه إلى أن هذه الكتابات اليونانية عن مصر –في الفترة الكلاسيكية وما قبلها في العصر الأرخي– كانت عبارة عن إشارات مطولة أو قصيرة في سياق موضوعات أخرى، وكانت شهادات وانطباعات متواترة (على البعد) في الأغلب الأعَّم.

    لعل الكاتب والمؤرخ الوحيد من بين الأسماء السابقة من الإغريق – الذى شذ عن القاعدة السابقة هو هيرودوت([x]) الذى وضع كتابًا كاملًا عن مصر، وهو الكتاب الثاني من كتبه التسعة التى تشكل مؤلفه "التاريخ التحقيقات  Historiae               "عن تاريخ الحروب الفارسية بين الفرس واليونان وخلفيتها التاريخية، وقد خصص الكتاب الثاني من هذه السلسلة عن مصر باعتبارها إحدى ولايات الإمبراطورية التاريخية إبان الحروب الفارسية/ اليونانية في أوائل القرن الخامس ق.م. (كانت مصر قد خضعت للاحتلال الفارسي على أثر حملة الملك قمبيز ابن قورش عام 525 ق.م، وإنهاء حكم الأسرة السادس والعشرين المصرية (663 – 525 ق.م). كما اختلف هيرودوت عن سابقيه ولاحقيه ممن أشرنا اليهم أعلاه أنه زار مصر حوالي المنتصف القرن الخامس ق.م –وهى تحت الحكم الفارسي– وتجول فيها، وقدرٌ مما كتبه عنها كان وصفًا من شاهد عيان. ولكن رغم هذه الخصوصية التى أولاها هيرودوت لمصر، فإن مؤلفه يعتريه الكثير من جوانب القصور والنقص لأسباب عديدة منها: عدم فهمه لخصوصية البيئة والحضارة المصرية التى قضى بها فترة قصيرة في ظل الحكم الفارسي، لذلك جاءت كثير من أحكامه سطحية انطباعية تفتقر إلى العمق. كما أن عدم إلمامه باللغة المصرية جعله عرضة لسوء الفهم والتأويل من المترجمين. كما تفاوتت مصادر معلوماته بين الغث والثمين، ونقل كل ما قيل له دون تمييز أو تمحيص تاركًا لقارئه تلك المهمة. إن أحد العلماء الذين اهتموا برواية هيرودوت عن مصر وساهم بأكثر من عمل في هذا الصدد يُجمل رؤيته النقدية في منهجية هيرودوت في كتابة مؤلفه عن مصر بالقول "إن هيرودوت يقدم رؤية لماضي لا يتبين منها فهم أصيل للتاريخ المصري: لقد ضبط كل شىء بغير حنكة ولا وسطية ليتوافق مع المستهلك اليوناني، ووضعه بلا مواربة في قالب يوناني"([xi]) ويقول في سياق بحث آخر "إن مثل هذه المحاذير عن إثنوجرافية وتاريخ مصر (عند هيرودوت) لا تعفينا من مقابلة روايته مع المادة المستقاة من المصادر المصرية حتى وإن ثبت - في نهاية المطاف– أن هيرودوت مُدان بأنه لم يقم سوى بالتزلج على سطح الحضارة المصرية([xii]).

    ويرُوى عن مانيتون أنه "أدان هيرودوت في العديد من نقاط مؤلفه عن التاريخ المصري لأنه (هيرودوت) قد أرتكب أخطاء عن جهل([xiii]) وأن له مؤلفًا في نقد هيرودوت([xiv]).

    كل تلك الخلفية السابقة استدعت – مع مجيىء الحكام الجدد من الملوك ذوى الأصول المقدونية وبنى جلدتهم من المقدونيين وبقية الإغريق الذين أتوا معهم وفي أعقابهم–  كتابة تاريخ تلك الممالك الشرقية بقدر أكبر من التوثيق والتحديث. إن أول يوناني –بعد هيرودوت– يتصدى لكتابة مؤلف مستقل عن تاريخ مصر القديمة وتقاليدها وديانتها ومؤسساتها ونظام حكمها هو هيكاتايوس الأبديري([xv]) من بدايات العصر الهيللينستي. ورغم أن مؤلفه المعنون كذلك Αἰγυπτιακὰ -مثل مانيتون- قد فُقد، إلا أن أجزاء كبيرة منه قد وصلتنا من خلال الكتاب الأول من مؤلف ديودور الصقلي "المكتبة التاريخية"، حيث استقى ديودور معظم ما جاء به عن مصر من هيكاتايوس الأبديري([xvi]) ويبدو أن الأخير قد حذا –إلى حد كبير– حذو هيرودوت واتبع منهجيته في استقصاء أغلب معلوماته من الكهنة ومن حفظة السجلات القومية في عموم البلاد المصرية. وعلى الرغم من ذلك فإن هدف هيكاتايوس ومجمل عمله قد أختلف اختلافًا بيِّنًا عن هدف ورؤية هيرودوت. لقد كانت نية وغرض هيكاتايوس في مؤلفه على الدوام –على ما يبدو– هو إبراز وتقرير تفوق وعظمة الحضارة المصرية بهدف ترسيخ تفوق وجدارة وعراقة المملكة التى يحكمها بطلميوس الأول مؤسس الأسرة الحاكمة البطلمية. ولعل مما يرجح ذلك أن المصادر القديمة قد أوردت أن هيكاتايوس يُعد من أقدم الكُتِّاب الذين أرتبطوا بالإسكندرية، وأنه عاش في عصر خلفاء الإسكندر διάδοχοι، وأنه كان في مصر إبان حكم بطلميوس بن لاجوس لها، وأن مؤلفه عن مصر ربما كُتب قبل نهاية القرن الرابع ق.م. ويبدو أن حماس هيكاتايوس في عرض موضوعه وتقديم صورة مثالية عن مصر والمصريين جعل بعض العلماء والباحثين يرون في عمله قدرًا من المبالغة، وأن تناوله للموضوع أقرب ما يكون إلى "الولع بالحضارة المصريةEgyptomania "، أو أنه "قصص شعبى فلسفي" يصف" يوتوبيا عرقية"، أو أنه لم يكن تاريخًا لمصر بقدر ما كان عملًا ذا نزعة فلسفية([xvii]).

  • أهمية مؤلف مانيتون والخلفية التاريخية لكتابته:

    أمام هذا الزخم من الكتابات اليونانية التى تتناول مصر والتى تتسم – في كثير منها-  بالإنطباعية المتواترة وعدم الدقة وافتقاد التوثيق إلى حد كبير، فضلًا عن بعض الاعتبارات السياسية والدعائية لأهم ما وصلنا - بصورة مباشرة أو غير مباشرة–  من تلك المصادر (هيرودوت وهيكاتايوس)، كان لابد من ظهور صوت وطنى من أهل البلاد يتلافي – إلى حد كبير– تلك المثالب والنقائص مسلحًا بمعرفة وثيقة عن الأحوال المصرية وطلاقة في اللغة اليونانية. لم تكن تلك المتطلبات والمواصفات متوافرة في أحد من المصريين بقدر ما توافرت في مانيتون السمنودي([xviii])، ذلك الكاهن المصري الكبير الُمشّبع بالثقافة اليونانية: فقد كان بوسع مانيتون – بوصفه الكاهن الأكبر في هيليوبوليس وعلى صلة وثيقة ببطلميوس الأول باعتباره أحد مستشاريه الدينيين – الاطلاع على سجلات المعابد المصرية (كما ألمح ديودور الصقلي  في بداية عبارته في هذا الصدد في الحاشية 16 أعلاه) بحرية كافية. من هنا فإن معالجة مانيتون للأمر ستكون – على عكس سابقيه من المؤرخين والكُتّاب الإغريق–  توثيقية موضوعية مصرية الروح والجوهر، حتى وإن كُتبت بلغة يونانية. ويتضح من خلال الشذرات والفقرات الواردة عند كتاب لاحقين لزمن مانيتون أن مانيتون كان في وضع أفضل كثيرًا من حيث إطًلاعه وفهمه للسجلات القومية الوطنية من هيرودوت أو هيكاتايوس، وأنه غطى في مؤلفه عن التاريخ والديانة المصرية كامل الفترة الزمنية للتاريخ المصري منذ بواكيره الأولى وحتى حكم نكتانيبو الأول والثاني في أخر الأسرة الثلاثين الفرعونية. ويُحسب لمانيتون أنه كان أول من قسَّم فترات التاريخ المصري إلى ثلاثين أسرة حاكمة، وهو التقسيم الذى اعتمده وتبناه كل من كتب عن تاريخ مصر القديمة (أى مصر قبل الإسكندر الأكبر) على مر العصور وحتى يومنا هذا.

    أما عن ظروف كتابة مانيتون لمؤلفه "التاريخ المصري" فيبدو أن كتابة التاريخ الوطنى من جانب أهل البلاد قد شكَّل اتجاهًا أوتيارًا في الممالك الهيللينستية في الشرق: ففي مملكة السيليوقيين أهدى كاهن بابلي من ميردوك يُدعى بيروسوس مؤلفًا له عن "تاريخ الكلدانيين "Χαλδαϊκὰ" إلى الملك أنطيوخوس الأول السليوقي (285-261ق.م). وتورد المصادر الملاحقة([xix]) أن مانيتون عاش في الفترة اللاحقة لبيروسوس أو كان معاصرًا له تقريبًا أو بعده بقليل. وقد ألمحنا أعلاه إلى أن مانيتون قد أهدى مؤلفه "التاريخ المصري" إلى الملك بطلميوس الثانى فيلادلفوس، ومن خلال هذا السياق ندرك أن ذلك كان تعبيرًا عن المنافسة بين الملكين السليوقي والبطلمي في سعى كل منهما لإبراز مدى عراقة وحضارة البلاد التى آل إلى كل منهما مُلكها وحكمها.

  • المصادر المحتملة لمؤلف مانيتون:

    أما إذا انتقلنا إلى المصادر المحتملة التى استقى منها مانيتون مادته التاريخية في كتابة مؤلفه عن تاريخ مصر القديمة فلابد أن نضع في اعتبارنا أنه كان بوسعه – بصفته أحد أهم كبار الكهنة المصريين في زمنه–  الاطلاع على كل أنواع سجلات المعابد المصرية من برديات تاريخية ودينية في أرشيفات المعابد واللوحات المنقوشة على جدران المعابد ومنحوتاتها بالهيروغليفية. ولم يكن بوسع أحد من خارج طبقة رجال الكهنوت المصري قراءة واستيعاب مثل هذه السجلات، ناهيك عن أنه لم يكن بمقدور أحد –حتى من بين الكهنة أنفسهم–  توظيف مثل هذه المادة الغزيرة توظيفًا علميًا سليمًا مالم يكن واسع الثقافة والإطلاع على أعمال ومؤلفات من سبقوه في هذا المضمار-لاسيما من المؤخين الإغريق سالفي الذكر- بغية تصويب ما قد يكونوا قد وقعوا فيه من أخطاء عن جهل أو عن عمد. وإذا لم يكن بالإمكان تحديد هوية سجلات بعينها نقل عنها وصاغ منها مانيتون مؤلفه التاريخي، فمن الممكن –على الأقل– تخمين أو ترجيح بعض المصادر المحتملة من الآثار المصرية المتبقية –ناهيك عن المفقودة أو التى لم تصلنا– التى ربما يكون مانيتون قد أطلع عليها والتى قد تساعدنا في ضبط بعض أقواله وعباراته، والتى تتشابه مع طريقة مانيتون في ذكر قوائم الملوك المصريين. لعل أبرز تلك الوثائق والسجلات "بردية  تورين" المكتوبة بالخط الهيراطيقي والمؤرخة عام 1200ق.م. "وحجر أو نقش باليرمو" -أكثر تلك المصادر عراقة–  والذى يؤرخ بالأسرة الخامسة من حوالي عام 2600ق.م.، والقوائم الملكية المسجلة على جدران المعابد المصرية وأبرزها "قائمة أبيدوس الملكية" على جدران معبد سيتي الأول في أبيدوس والمسجل عليها 76 من أسماء الملوك المصريين من مينا إلى سيتي الأول، "وقائمة الكرنك الملكية" وتضم أسماء إحدى وستين ملكًا من مينا إلى تحتمس الثالث في الأسرة الثامنة عشرة، وقائمة سقارة الملكية" التى تتضمن خراطيش لسبعة وأربعين ملكًا من سادس ملوك الأسرة الأولى حتى رمسيس الثانى في الأسرة الثامنة عشرة([xx]).

  • مانيتون عند جوسيفوس والمصادر اليهودية الأسبق

أما عن المؤلف الأصلي عن "تاريخ مصر القديمة" فمن الجدير بالذكر أنه قد فُقد ولم تصلنا نسخته الأصلية الكاملة. إن ما وصلنا من هذا الِسفر القِّيم شذرات متفاوتة الطول استقيناها من المصادر الملاحقة من بعد زمن مانيتون بنحو ثلاثة قرون على الأقل من مصادر يهودية ومسيحية. وسوف نحاول تتبع  ما أوردته تلك المصادر – في ترتيب زمنى تاريخي– عن مانيتون ومؤلفه في دراسة نقدية الغرض منها تحري مدى دقة هذه المصادر وأمانتها في النقل عن مانيتون. إن أقدم هذه المصادر التى استقينا منها بعض المعلومات عن مانيتون ومؤلفه هو المؤرخ اليهودى جوسيفوس من القرن الأول الميلادي، خصوصًا في مؤلفه "ضد أبيون" *. لذلك سنبدأ به هذه المعالجة النقدية في هذا البحث، ونُرجأ المصادر الأخرى لبحث لاحق.

 عن الهكسوس واليهود

بادىء ذى بدء فإن المحك الرئيسي والعنصر الحاسم في تعاطى جوسيفوس مع مانتيون كمؤرخ وتقييمه على هذا النحو هو ما أورده مانيتون عن الوجود اليهودي في مصر، وأنه لم  يُلق بالًا إلا للفقرات والأجزاء من مؤلف مانيتون التى ورد بها ذكر اليهود. لقد كانت القضية الأولى والشغل الشاغل لجوسيفوس هى إثبات عراقة وفضل اليهود وكرس نفسه للدفاع بضراوة عن هذه القضية، ولذلك تذبذب موقفه –إيجابا وسلبا، صعودًا وهبوطًا– إزاء مانيتون حسب رواية مانيتون عن اليهود ودورهم في تاريخ مصر القديمة. ها هو في مؤلفه "ضد أبيون" يُشيد بمانيتون ويصفه كالآتي ".... ولكن لدينا في مانيتون وهو مصريٌ من أهل البلاد منغمس بوضوح في الثقافة اليونانية. لقد كتب تاريخ أمته باللغة اليونانية مُترجمًا –  كما يصرح هو بنفسه -عن الألواح المقدسة ..... إن هذا (الكاتب) مانيتون يتحدث عنا (اليهود) على النحو التالي في الكتاب الثانى من مؤلفه "التاريخ المصري". ولسوف أقتبس كلماته هو كما لو كنت قد استحضرت الرجل نفسه شاهدًا ([xxi]).

    ويمضي جوسيفوس في عرض ما يزعم أنه قد أورده حرفيًا نقلاً عن مانيتون وهو ما يتعلق بفترة غزو واحتلال الهكسوس لمصر قادمين من جهة الشرق. إنه يصف هذا الغزو بأنه قد حدث على غير توقع في هجمة شرسة ضارية، أن هؤلاء الغزاة من جنس (عِرق) غامض ἄνθρωποι τὸ γένος ἄσημοι                                               وأنهم أندفعوا واثقين من النصر واستولوا على مصر بسهولة وبغير قتال بفضل قوتهم

καταθαρρήσαντες ἐπὶ τὴν χώραν ἐστράτευσαν καὶ ῥᾳδίως ἀμαχητὶ ταύτην κατὰ κράτος εἷλον….            

وكيف أنهم ألقوا القبض على حكام البلاد السابقين واحتجزوهم ثم أحرقوا المدن بلا رحمة وهدموا المعابد وساووها بالأرض وعاملوا أهل البلاد بعدوانية فظة فذبحوا بعضهم، واستعبدوا النساء والأطفال. وأقاموا حكمهم وأسرتهم الحاكمة في منف أولًا، وكان أول ملوكهم (ساليتيس حسبما يورد النص) يجبي الضرائب من مصر العليا والسفلى ويترك خلفه حاميات في أكثر الأماكن تميزًا وأهمية، ثم قام بتحصين الحدود الشرقية تحسبًا لخطر الأشوريين الأقوياء الذين قد يطمعون في مملكته يوماً ما. ثم نقل ذلك الملك عاصمة ملكة إلى مدينة ذات موقع ممتاز على الضفة الشرقية للفرع البوبسطي للنيل في شرق الدلتا وهى أواريس، حيث قام ذلك الملك بإعادة بناءها وحصًّنها بأسوار هائلة ووطَّن بها حامية تضم مائتين وأربعين ألفاً من القوات ذات التسليح (العتاد) الثقيل لحراسة حدوده. ثم يورد جوسيفوس أسماء الملوك الستة الأوائل (بمن فيهم ساليتيس) من هؤلاء القوم الغزاة الذين حكموا مصر من عاصمة ملكهم أواريسومدة حكم كل منهم (والتى تصل في مجموعها نحو 260 عامًا). ويذكر أن جنس هؤلاء كان يُطلق عليهم  "هكسوس" ، بمعنى "الملوك الرعاة":

Ἐκαλεῖτο δὲ τὸ σύμπαν αὐτῶν ἔθνος Ὑκουσσώς· τοῦτο δέ ἐστι βα-σιλεῖς ποιμένες.

 إذ أن " هِك ὕκ  تعنى في اللغة المقدسة ( الهيروغليفية) "ملك"، أما " سوس σὼς "  فتعنى "راعى" أو "رعاة" في اللهجة الدارجة، ومن هنا جاء معنى "هكسوس" (على أن الملوك الرعاة). ويقول البعض أنهم عرب([xxii]).

    إلى هنا ينتهى النقل الحرفي عن مانيتون حسب رواية جوسيفوس. في هذا الأقتباس عن مانيتون لا يرد ذكر أية إشارة إلى (اليهود) في نص مانيتون، ولا إلى أية علاقة لهم بالهكسوس. ورغم ذلك نجد جوسيفوس يُقحم نفسه على هذا السياق الوارد عند مانيتون – حسب قوله – ويضيف أن هناك ( نسخة أخرى) من مؤلف مانيتون ترى أن تفسير "هكسوس "لا يعني (الملوك) الرعاة، وإنما يعني (الأسرى) الرعاة، لأن كلمة "هيك " تعني" الأسرى "وليس" الملوك([xxiii])

    ويتدخل جوسيفوس في هذا السياق ليصِّرح بأن هذا التفسير الأخير يروق له أكثر بوصفة أكثر إقناعًا ويتوافق مع معطيات التاريخ القديم([xxiv]). (حسب زعمه).

    ويُلِّح جوسيفوس على صحة هذا التحريف المصطنع والمفتعل – خلافًا لما جاء في نص مانيتون الذى أورده هو نفسه، ومن الواضح أنه النص الأصلي– في تفسير معنى كلمة "هكسوس" ليصب هذا التفسير في مصلحة اليهود ويربطهم – قسرًا– بالهكسوس، أو يجعلهم هم الهكسوس! ويواصل جوسيفوس محاولته الدءووبة لترسيخ تفسيره المزعوم هذا في ذهن المتلقى فيذكر أن مانيتون قد أورد" في كتاب أخر" ἐν ἄλλῃ δέ τινι βίβλῳ (دون أن يحدده!) من مؤلفه عن التاريخ المصري أن هؤلاء القوم الذين يُطلق عليهم (الرعاة) يوصفون في الكتب المقدسة لديهم (يقصد سجلات المعابد المصرية) بأنهم أسرى  αἰχμάλωτοι، وأن مانيتون مُحِّق في ذلك. ويربط ذلك بأن أسلاف اليهود الأوائل كان من عادتهم رعي الأغنام وعاشوا حياة البدو الُرحَّل وكان يُطلق عليهم "الرعاة". كما أنهم كان يُطلق عليهم في السجلات المصرية (الأسرى) لأن جدهم "يوسف" قد أخبر ملك مصر أنه (أي يوسف) كان أسيرًا....([xxv])

    بهذا التفسير المفتعل والمتهافت لنص مانيتون الأصلي –الذى لم يُشر من قريب أوبعيد إلى (اليهود)– بنى جوسيفوس كل روايته المفبركة عن أن الهكسوس هم اليهود. ومن ثم فإنه يفسر انسحاب الهكسوس من مصر بعد انتصار أحمس الأول عليهم بأنه انسحاب لليهود. ويروي جوسيفوس – نقلًا عن مانيتون (ولكن بضمير الغائب وليس المتكلم هذه المرة)- أن من يُطلق عليهم ملوك الرعاة وذريتهم قد حكموا مصر لمدة 511 عاما. ومن بعدها اندلعت ثورة من جانب ملوك الإقليم الطيبى وبقية أرجاء مصر ضد الرعاة واشتعلت حرب ضاربة وطويلة المدى بينهما. ويخطىء جوسيفوس في اسم الملك المصري الشهير الذى انتصر على الهكسوس وطردهم من كل أرجاء مصر ليجعله ميسفرا جموثيس (وفي موضع أخر تيتوسيس 1.15.94) بدلًا من اسم الفرعون الشهير أحمس الأول؛ وهو الأمر الذى يشكك في مصداقية ودقة نقل جوسيفوس عن مانيتون الذى لا يمكن أن يكون قد أخطأ في اسم هذا الفرعون العظيم. المهم أن الملك المصري وقواته قد هزم "الرعاة" وطردهم من كل أرجاء مصر وحاصر فلولهم المتحصنة في عاصمتهم "أواريس" ذات الأسوار العالية المنيعة حتى يضطرهم إلى الاستسلام وكان عدد قواته 480 ألف مقاتل. وحسب رواية جوسيفوس – نقلا عن مانيتون، حسب زعمه – فإن الملك المصري رغم إحكام الحصار على أواريس " قد يأس من إسقاطها وأبرم اتفاقية مع الرعاة يغادرون بموجبها جميعهم مصر ويتجهون حيثما شاءوا دون أن يمسهم أذى([xxvi]).

ونأتي الآن – بعد كل هذا التمهيد المفتعل– إلى بيت القصيد ومثار الجدل في هذه الفقرة من جوسيفوس – نقلاً عن مانيتون حسب زعمه- إذ يورد مايلي: "وبمقتضى هذه الشروط (في الاتفاقية المشار إليها أعلاه) غادر الرعاة مصر -بكامل ممتلكاتهم ومتاعهم، وكان عددهم لا يقل عن مائتين وأربعيين ألف شخص– وارتحلوا عبر الصحراء إلى سوريا. وهنالك – وبدافع خشيتهم من قوة الأشوريين الذين كانوا آنذاك سادة آسيا (شيدوا في الأرض التى يُطلق عليها الآن جودايا (يهودية) – مدينة من الاتساع بحيث تستوعب هذه الآلاف المؤلفه من البشر وأطلقوا عليها أسم أورشليم)([xxvii]).

ἐν τῇ νῦν Ἰουδαίᾳ καλουμένῃ πόλιν οἰκοδομησαμένους τοσαύταις μυριάσιν ἀν-
θρώπων ἀρκέσουσαν Ἱεροσόλυμα ταύτην ὀνομάσαι.

 إن جوسيفوس هنا يكاد يقرر – صراحةً – أن الهكسوس هم اليهود ( ويعزز ذلك بالأسطر التالية 91-92/ الحاشية 25 أعلاه) حين يؤكد على أن "الهكسوس" تعَني "الأسرى الرعاة " وهو مصطلح  أو مُسمى ينطبق – حسب تُفسيره المفتعل– على اليهود)، ثم يتمادى ويُطلق لنفسه العنان بأن هؤلاء الهكسوس/ اليهود – بعد خروجهم من مصر بعد انتصار أحمس عليهم وطردهم "دون خسائر"!– قدموا إلى الشرق من حيث أتوا إلى سوريا. وشيَّدوا في منطقة يهودية (المسمى اللاحق لهذه البقعة من فلسطين) مدينة أورشليم الكبرى!.

   لقد خرج جوسيفوس عن النص الأصلي لمانيتون الذى يزعم أنه نقل عنه حرفيًا كما لو كان يستحضر مانيتون نفسه!، وأطلق لنفسه العنان في التأويل والتفسير المحَّرف الذى دسه على النص الأصلي زاعمًا أن ذلك التفسير جاء في رواية أخرى لمانيتون لاقت هوىً في نفسه (دون أن يحدد موضع تلك الرواية). وتشبث جوسيفوس وأمسك بتلابيب ذلك التفسير المزعوم، وبنى عليه تلك الاستنتاجات المزعومة أعلاه من أن الهكسوس هم اليهود، وأن خروج هؤلاء اليهود من مصر قد تم (في الأسرة الثامنة عشرة في بدايتها) على يد أحمس الأول، وأن هؤلاء اليهود/ الهكسوس هم من شيَّد مدينة أورشليم على أثر خروجهم من مصر(حوالى منتصف القرن السادس عشر ق.م.)

إن ما ذكره جوسيفوس – فضلاً عن تفسيره المُضلل لمعنى كلمة "هكسوس" بأنهم "الأسرى الرعاة" أو اليهود – حول حصار الملك المصري (أحمس الأول) لقوات الهكسوس/ الرعاة الذين تحصنوا بعاصمة مُلكهم المنيعة أواريس في شرق الدالتا، بعد أن طردهم من كل أرجاء مصر بنصر مبين، يجمع بين الحقيقة والمبالغات الكاذبة. فمن حسن الحظ أن وصلتنا مذكرات أحد قادة الملك أحمس الأول ويُدعى أحمس بن إيبانا([xxviii])، وفي فقرات منها يتناول المعارك والمواجهات مع الهكسوس. من بين الحقائق التى أوردها جوسيفوس – نقلاً عن مانيتون– أن "الرعاة " قد هُزموا  وطردوا من بقية أرجاء مصر بأكملها، وحُوصروا في منطقة محيطها عشرة الآف أرورة! اسمها أواريس":

ἐπὶ δὲ βασιλέως, ᾧ ὄνομα εἶναι Μισφραγμού-θωσις, ἡττωμένους φησὶ τοὺς ποιμένας ἐκ μὲν τῆς ἄλλης Αἰγύπτουπάσης ἐκπεσεῖν, κατακλεισθῆναι δ' εἰς τόπον ἀρουρῶν ἔχοντα μυ-
ρίων τὴν περίμετρον· Αὔαριν ὄνομα τῷ τόπῳ.

ويستطرد جوسيفوس أنه "وفقًا لمانيتون فإن الرعاة قد أحاطوا كل تلك المنطقة بسور عالٍ منيع لكى يؤمِّنوا كافة ممتلكاتهم وغنائمهم".

τοῦτόν φησιν ὁ Μάνεθως ἅπαντα τείχει τε μεγάλῳ καὶ ἰσχυρῷ περιβαλεῖν τοὺς
ποιμένας, ὅπως τήν τε κτῆσιν ἅπασαν ἔχωσιν ἐν ὀχυρῷ καὶ τὴν λείαν τὴν ἑαυτῶν([xxix]).

إلى هنا فإن الرواية التاريخية لجوسيفوس – نقلاً عن مانيتون–  تبدو صحيحة وتتسق مع المصادر المصرية الواردة في سيرة القائدين الأحُمسين (سنذكر الثانى لاحقًا). الخطأ الواضح هو في اسم الملك المصري الذى قام بذلك وهو أحمس الأول([xxx]) (وليس الأسم الذى ذكره جوسيفوس في هذا السياق). أما ما أورده جوسيفوس استكمالًا لما سبق عن واقعة حصار الجيش المصري لأواريس فيضم بين دفتيه الصواب والخطأ الناجم عن التحريف المقصود –على الأرجح-. أما الصواب فيتمثل في محاولة المصريين حصار المدينة لإجبار الرعاة على الاستسلام من خلال إحكام الحصار بجيش ضخم. أما بقية تلك الفقرة والتى جاء بها أن المصريين قد تملكهم اليأس وتخلوا عن حصار المدينة وأبرموا اتفاقية يغادر بمقتضاها الرعاة مصر ويتوجهون بالكامل حيثما يشاِؤون دون مضايقة أو أذىً:

ἐπεὶ δὲ τὴν πολιορκίαν ἀπέγνω, ποιήσασθαι συμβάσεις, ἵνα τὴν 
Αἴγυπτον ἐκλιπόντες ὅποι βούλονται πάντες ἀβλαβεῖς ἀπέλθωσι.

(Contra Apionem I.14.88)                                                                                   

فأنه يناقض تمامًا ما جاء في مذكرات القائد أحمس بن إيبانا الذى يتحدث عن حصار أواريس (حت– وع – ريت) في فقرات عديدة من مذكراته وعن عدد من المعارك (خمسه معارك) أبلى فيها ذلك القائد بلاءً حسنًا وأبدى شجاعة كبيرة كوفىء عنها بعد كل معركة مع الهكسوس إلى أن تم للمصريين إسقاط أواريس والإستيلاء عليها بل وملاحقة فلولهم الهاربة حتى مدينة شاورهين جنوبى غزة التى حاصرها الملك أحمس لمدة ست سنوات إلى أن استولى عليها وعلى قلعتها([xxxi]). بل أن النقش الآخر الذى يتضمن سيرة القائد الآخر للملك أحمس الأول (المدعو أحمس بين نيخبيت)* يشير إلى أن ذلك القائد قد رافق سيده الملك أحمس الأول في حملته على سوريا، بالاستيلاء على مدينة زاهي في سوريا لسيده الملك([xxxii]).

ويفسر بريستيد([xxxiii]) وذلك الموقف بأن الملك أحمس الأول ربما كان لايزال يتعقب هناك أخر فلول الهكسوس. إن ما ورد في مذكرات القائد المصري –المشارك في الحدث الكبير، هو وزميله أحُمس بين نيخيبيت– يقطع بأنه لم تكن هناك ثمة اتفاقية بين الطرفين –المصريين والهكسوس– وأن الهكسوس قد هُزموا وغادروا عاصمتهم السابقة أواريس قسرًا، وأن المصريين ظلوا يلاحقونهم ويتعقبوا نفلولهم في إصرار حتى زاهي – وربما بعدها–  في قلب سوريا . كما لم تُشر مذكرات القائديّن المصرييّن أدنى إشارة إلى اليهود بصورة صريحة أو ضمنية – بغض النظر عن التفسير المفتعل أو المتهافت لجوسيفوس بأن لفظة "الهكسوستَعني "اليهود" كما عرضنا أعلاه – كما لم يرد بها أى ذكر لأورشليم! في سياق مطاردة وملاحقة الجيوش المصرية لفلول الهكسوس.

    وإذا كان جوسيفوس يزعم بأن الهكسوس/ اليهود ( حسب زعمه) هم من شيدوا أورشليم بعد خروجهم من مصر، فإن أكثر ما يناقض قوله يتمثل في شهادات وردت عند جوسيفوس نفسه! وعند فيلسوف يهودى أقدم قليلاً من جوسيفوس هو فيلون السكندري (حوالى 37 ق.م.- حوالي 45م.)، بل وفي سفر التكوين في التوارة.([xxxiv]) إذ يورد جوسيفوس في مؤلفه عن"الحرب اليهودية" عن تأسيس ونشأة أورشليم ما نصه: "إن المؤسس الأول (لمدينة أورشليم) كان حاكمًا من الكنعانيين وكان يُطلق عليه بلغة قومه "الملك العادل"، إذ كان كذلك بالفعل. ونظير ذلك فقد كان أول من تولى الكهانة للرب وأقام المعبد، وأطلق على المدينة أورشليم (بمعنى مدينة السلام المقدسة) والتى كان يُطلق عليها من قبل سوليما/ شليم" (أي السلام)([xxxv]).

    ويحدد فيلون اسم ذلك الملك الكنعانى مؤسس أورشليم صراحة حين يذكر أن الرب قد جعل من "مليكى صادق ملكًا للسلام (أو مدينة السلام) – وتترجم هذه بكلمة ساليم- وجعله كاهناً له"([xxxvi]).  ويستطرد فيلون بالقول بأن هذا الرجل استحق ذلك لكونه ملكًا مُحبًا للسلام وجديراً بكهانة الإله، ولذلك لُقِبَ بـ "الملك العادل/  βασιλεὺς δίκαιος". ومن الواضح أن فيلون، ومن بعده جوسيفوس، قد استقيا معلوماتهما عن هذا الحدث من الأسفار اليهودية والتراث اليهودي، إذ جاء في سفر التكوين أن النبى ابراهيم –الجد الأكبر للعبرانيين الذى يعود تاريخه إلى بداية الألف الثانية ق.م- قد التقى ذات يوم بملك مدينة سالم/ شاليم الذى يُدعى "مليكى صادق" وكان كاهنًا للإله العلِّى وأن:

"الملك مليكي صادق – ملك ساليم قد قَّدم له خبزًا ونبيذًا، وقد كان (مليكي صادق) كاهنًا للإله العلَّى وامتدح إبراهيم قائلًا: إنك تحظى بثناء الرب العلى الذى خلق السماء والأرض. إن الرب المُعظَّم العلّى هو من سلمك أعداءك وجعلهم خاضعين لك، وقد منحه إبراهيم مقدار العشر من كل شيء (من الغنائم)"([xxxvii]).

    إن هذه الشواهد (اليهودية) –ومن بينها شهادة جوسيفوس نفسه!–  تدحض بكل جلاء ما ذهب إليه جوسيفوس –في تحريفه وتفسيره المفتعل والمتهافت لما أورده مانيتون– من أن الهكسوس/ اليهود ( من وجهة نظر جوسيفوس) هم من شيدوا أورشليم بعدما طردهم الملك أحمس الأول من مصر. إذ تؤيد هذه الشواهد أن أورشليم كانت موجودة من قبل مجيء إبراهيم – الجد الأول للعبرانيين إليها–  وأن من أقامها هو ملك كنعاني موحِّد هو "مليكي صادق".

    إن هذا الطرح أعلاه يشكك في مصداقية جوسيفوس كمصدر تاريخى عمومًا، وفي مدى دقة نقله وعرضه لمصادره ومن بينها مانيتون السمنودى –وهو ما يعنينا في هذه الورقة البحثية– على وجه الخصوص. لقد شغلت قضية مدى التعويل على جوسيفوس كمصدر تاريخي موثوق الكثير من العلماء والباحثين في التاريخ القديم، واختلفوا في تقييمهم لهذه القضية ما بين مصَّدق ورافض ومتحفظ على ما أورده جوسيفوس في عرضه لما نقله عن مصادره في عدد من المواقف والأحداث. ولما كنا هنا بصدد قضية مدى مصداقية جوسيفوس في نقله عن مانيتون تحديدًا فإن من الضروري التوقف عند مقالة مهمة في هذا الصدد أوجزت لنا خلاصة آراء العلماء –على مدى القرن العشرين– في معالجتها لمدى مصداقية جوسيفوس في النقل والاستشهاد بمصدرين متزامنّين تقريبًا هما هيكاتايوس الأبديري ومانيتون السمنودي([xxxviii])، كما أدلت الباحثة بدلوها في الموضوع.

في تناول العلماء للقضية المطروحة أعلاه عند جوسيفوس عن طرد الهكسوس من مصر ولإقامتهم لمدينة أورشليم Contra Apionem 1.73.91)) اختلفت آراء العلماء حول مدى مصداقية جوسيفوس في نقله عن مانيتون، ويتجلى ذلك في دراسات هؤلاء حتى وقت قريب في الربع الأخير من القرن العشرين. فمنهم من يعتقد في أصالة النص الذى أورده جوسيفوس من مصدره مانيتون([xxxix])، ومنهم من تحفظ وتردد على أساس أنه ليس هناك ما يدعو للشك في أن المحتوى الوارد عند جوسيفوس في تلك الفقرات يعتمد على سجلات قديمة، إلا أنه نظرًا لاحتمالية أن يكون جوسيفوس قد عثر على هذه الشذرات عن مانيتون في ملخص مختصر سبق أن أعده من قبل يهودي ممن يدافعون (عناليهود ضد خصومهم)، فمن المحتمل جدًا أن بعض العناصر قد دُست([xl]) (على النص)". ومن العلماء من يرفض فكرة أن الهكسوس الرعاة هم اليهود ويرى أن هذا التعريف يشكل إضافة لاحقة (على نص مانيتون) من قبل مصدر يهودي كان دافعه الرغبة في إثبات أن ذكر وجود الشعب اليهودي قد ظهر بالفعل في القرن الثالث ق.م.، وعلى وجه التحديد في مؤلف مانيتون. ويرى هؤلاء العلماء أن اليهود بحكم معرفتهم بأن أسلافهم كانوا رعاة اختاروا أن يستخدموا ويستغلوا هذا التراث التقليدى عن الهكسوس (الرعاة) الذى جاء عند مانيتون لكى يرسَّخوا فكرة أن الهكسوس هم اليهود. ولكن يرى هؤلاء العلماء أن مانيتون لم يأت على ذكر اليهود مطلقًا، وأن "تعريف الرعاة بأنه مساو للعبرانيين –إنما هو من عنديات فلافيوس جوسيفوس ولا علاقة لمانيتون به"([xli]). واستمراراً لهذا السياق الرافض لفكرة أن الهكسوس هم اليهود العبرانيون يرىTroiani  ( ([xlii]إن ما جاء عند جوسيفوس في هذا الصدد إنما يمثل تجميعًا موجزًا لأعمال مختلفة لكتاب وثنيين عن اليهود والديانة اليهودية صاغه كاتب يهودي وأضاف إليه تعليقاته. ويبدو جليًا أن هذا المختصر الذى دوَّنه الكاتب اليهودي لم يعرض لنسخة واحدة فقط من نص مانيتون بل لنسخ عديدة. وهذا ما يفسر ذكر جوسيفوس (C.AP.1.83) "لنسخة أخرى" من نص مانيتون قدمت تفسيرًا مغايرًا لشرح اشتقاق كلمة "هكسوس" – حسب زعم جوسيفوس–  كما سبق أن رأينا. وتحاول ميريام بن زيف التصدى لنظرية تروياني الرافضة لزعم جوسيفوس بالقول بأن من الصعب أن نقرر إن كانت كل نسخ رواية مانيتون التى استخدامها جوسيفوس يهودية الأصل. كما ترى أن"اختراع" ذكر الوجود اليهودى في راوية مانيتون لايبدو مقنعًا جدًا؛ "وأنه إذا كان تعريف الهكسوس (الرعاة) على أنهم اليهود اختراعًا وتأليفًا يهوديًا، فمن الواضح أن دافعه كان بغرض دفاعي واضح يتمثل تحديدًا في العثور على ذكر لليهود في مصادر وثنية قديمة لإثبات عراقتهم، ومن ثم تفوق الشعب اليهودي. وتسترسل الباحثة في دفاعها بالقول بأنه إذا كان باعث المؤلف اليهودي غرضًا دفاعيًا لكان من المتوقع منطقيًا أن يبحث عن ذكر إيجابي –أو على الأقل موضوعي- لليهود، بينما الوصف الوارد عند جوسيفوس في (ضد أبيون) يُظهر هؤلاء الرعاة/ الهكسوس/ اليهود بصورة سلبية تمامًا ويلَّون سلوكياتهم بألوان غاية في القتامة"([xliii]).

    إن دفاع بن زيف عن ما أورده جوسيفوس دفاع ضعيف وغير مقنع، وبه اعتراف ضمنى بأن ذلك اختراع يهودي باعثه اثبات عراقة اليهود وتفوقهم. أما القول بأنه لو كان دافع اليهود كذلك لصوروا أنفسهم (على اعتبار زعم جوسيفوس بأن الهكسوس هم اليهود) في صورة إيجابية فمردود عليه بأن الهكسوس لم يكونوا هم اليهود، وأنه حتى لو جارينا تفسير جوسيفوس المزعوم فربما كان القصد منه عمدًا إبراز اليهود في صورة الأمة القوية المنتصرة التى ترهب أعداءها حتى وإن لجأوا إلى أكثر الأساليب وحشية وبربرية.

    خلاصة ما سبق من مناقشات وإطروحات أن الزعم بأن الهكسوس (الرعاة) هم اليهود هو زعم باطل وزائف، وعليه- فضلًا عن الأدلة والقرائن الأخرى عند فيلون وجوسيفوس نفسه وسفر التكوين في التوراة –فإن الزعم من قِبل جوسيفوس بأن الهكسوس/ اليهود هم من شيدوا أورشليم هو بدوره إدعاء باطل ومتهافت اعتمد على تفسير مفتعل ومتعسف من جانبه لنص مانيتون!.

    ورغم ذلك فإن جوسيفوس ظل يُلح –في مواضع عديدة من مؤلفه "ضد أبيون"– على هذا الطرح غير المقنع بغية ترسيخه قسرًا في أذهان المتلقين وكأنه حقيقة! أذ يقول في أحد المواضع: "من الواضح أن من يُطلق عليهم الرعاة -أسلافنا– قد رحلواعن مصر واستقروا في أرضنا. وفي موضع آخر يَّدعى جوسيفوس على مانيتون زوراً – كما أوضحنا أعلاه- أنه من أورد ذلك، إنه لايمل من تكرار الأكاذيب حتى يخال المتلقي من تكرارها أنها حقائق. إذ يقول في ذلك الموضع....([xliv]) لقد استخدمت قبل قليل شاهدًا على عراقتنا.... إثنى أشير إلى مانيتون. لقد بدأ هذا الكاتب –الذى اضطلع بترجمة تاريخ مصر من الكتابات المقدسة– بتقرير أن أسلافنا قد قدموا إلى مصر بعشرات الآلآف ودانت لهم السيادة على أهلها، ثم أقرَّ هونفسه أنهم في تاريخ لاحق طردوا من البلاد واستولوا على ما يُطلق عليها الآن جودايا وأنشأوا أورشليم وشيدوا المعبد"([xlv]).

  • عن خروج اليهود Exodus من مصر:

    إنطلاقاً من هذا الزعم المتهافت أعلاه – والذى بذل جوسيفوس أقصى طاقته في الإلحاح عليه ليظهره في صورة الحقيقة البديهية، وأبرز الباحث نقاط ضعفة وتهافته-  يواصل اجتراءه على الحقائق اللاحقة استنادًا إلى مزاعمه وتحريفه لما جاء في نص مانيتون الأصلى! ورغم أن مابُنى على باطل فهو باطل، إلا أنه لا بأس من الإطلاع على رواية جوسيفوس –في نفس مؤلفه "ضد أبيون"- حول قصة خروج اليهود من مصر Exodus بزعامة موسى، ومعالجتها معالجة تحليلية نقدية. إن جوسيفوس يستهل هذه الرواية بالإلحاح على مزاعمه السابقة بأن الهكسوس هم اليهود وأنهم – بعد طردهم من مصر على يد الملك أحمس– قد استوطنوا منطقة "يهوديةJudaea  وأسسوا مدينة أورشليم هناك وبنوا المعبد، وينسب كل ذلك إلى مانيتون([xlvi]). وقد سبق أن فنَّد الباحث هذه المزاعم أعلاه، وأنها تحريف لنص مانيتون الأصلي ولىِّ للحقائق الواردة عنده.

الغريب في الأمر أن جوسيفوس يقرر في ختام هذه المعلومة المغلوطة أن مانيتون –إلى هنا– قد اتبع الحوليات والسجلات، ولكنه اعتمد بعد ذلك على تدوين الأقاويل الخرافية والمُرسله عن اليهود بروايات غير مقنعة:

μέχρι μὲν τούτων ἠκολούθησε ταῖς ἀναγραφαῖς. ἔπειτα δὲ δοὺς ἐξουσίαν αὑτῷ διὰ τοῦ φάναι γράψειν τὰ μυθευόμενα καὶ λεγόμενα περὶ τῶν Ἰουδαίων λόγους ἀπιθάνους παρενέβαλεν…

)Contra Apionem 26.228-229(

وينتقل جوسيفوس بعد ذلك إلى التشكيك في الرواية التى أوردها مانيتون عن خروج (اليهود) من مصر بعد طرد (الهكسوس) منها بعدة قرون. وفي محاولته المستميتة يصر جوسيفوس على أن الهكسوس هم اليهود وأن خروج اليهود بالتالى من مصر قد تم مع طرد الهكسوس، ويلصق ذلك – كدأبه في التلفيق – إلى مانيتون بقوله:

"وهكذا فإنه بعد أن أقر مانيتون بأن سنوات كثيرة جدًا قد مضت منذ أن غادر (أسلافنا) مصر، يدس مانيتون الآن هذا الملك الدخيل أمينوفيس (26.232). ويقول جوسيفوس نقلًا عن مانيتون – حسب زعمه- أن هذا الملك أمينوفيس قد رغب في رؤية الآلهة واستشار في ذلك أحد كبار الكهنة العرافين فأجابه الأخير بأن ذلك ممكن إذا ما طهَّر الملك أمينوفيس البلاد من مرضى الجذام والبرص المدنسين. وأن الملك استجاب لذلك وجمع ثمانين ألف شخص من مصابين بذلك المرض من أرجاء البلاد -وكان من بينهم بعض الكهنة الكبار–  ودفع بهم إلى المحاجر الواقعة شرق النيل للعمل هناك بمعزل عن المصريين([xlvii]). ولكن ذلك العراف الحكيم خشى من غضب الآلهة من جرَّاء إهانة الكهنة المجذومين، كما أنه قد أضاف إلى نبؤته أنه هناك حلفاء سينضمون إلى هؤلاء المجذومين ويستولون على مصر لمدة ثلاثة عشر عامًا. لذلك انتحر ذلك الكاهن العراف بعد أن ترك تقريرًا تفصيليا للملك عن الأمر. ويستكمل جوسيفوس رواية هذه الحادثه –ويذكر أن ما سيورده تاليًا هو اقتباس حرفي لما أورده مانيتون (26.237). ويذكر أن هؤلاء المجذومين الذين حُكم عليهم في محاجر شرق النيل عندما أرهقتهم المصاعب توسلوا إلى الملك كى يُقطعهم للسكن والملاذ المدينة التى هجرها الرعاة أواريس وأبدى الملك موافقته. وبعد مجىء هولاء إلى المدينة استغلوا تلك المنطقة كقاعدة للثورة ونصَّبوا زعيمًا لهم من بينهم من كهنة هيليوبوليس يدُعى أوسارسيفوس وأقسموا يمين الولاء على طاعته في كل أمر([xlviii]). وأول ما فعله (ذلك الكاهن) أن سَّن لهم قانونًا بألا يتعبدوا للآلهة وألا يحجموا عن أى من الحيوانات التى تم النص قانونًا وعرفًا على قداستها، بل وجب عليهم تقديمها جميعًا كأضحيات واستهلاكها، وألا يخالطوا (يتزاوجوا) أحدًا إلا من المنتمين لجماعتهم. وبعد أن سَّن العديد من القوانين على هذه الشاكلة المخالفة تمامًا لعادات المصريين أمر (أتباعه) بما لديهم من وفرة في الأيدي العاملة بإصلاح أسوار المدينة والاستعداد للحرب ضد الملك أمينوفيس([xlix]). ثم يمضي جوسيفوس في سرد أحداث تلك الواقعة – نقلاً عن مانيتون حسب زعمه– بالقول بأن ذلك الكاهن أوسارسيف ورفاقه من الكهنة والمجذومين (المدنسين) أرسلوا سفارة إلى الرعاة/ الهكسوس الذين طردهم تيثموسيس (أحمس) في أورشليم ليشرحوا لهم أوضاعهم البائسة ويطلبوا منهم بكل حرارة الإنضام إليهم ومشاركتهم في الهجوم على مصر انطلاقًا من عاصمتهم القديمة أواريس من أجل إخضاع مصر لحكمهم بسهولة([l]) ويواصل أن الرعاة ( لهكسوس) قد أغتبطوا فرحًا بهذا العرض وانطلقوا عن بكرة أبيهم في حماس بالغ وقد بلغ عددهم مائتي ألف رجل وسرعان ما وصلوا إلى أواريس. وأن الملك أمينوفيس – بعد أن أعد العدة لقتالهم وحشد جيشًا من ثلاثمائة ألف رجل–  تراجع عن المواجهة حين تذكر نبؤة العراف بأن المجذومين والمدنسين سوف يُخضعون مصر لحكمهم لمدة ثلاثة عشر عامًا، وأنه لن يحارب ضد مشيئة الألهة. ومن ثم عاد إلى منف ومنها إلى إثيوبيا ومعه كل جيشه وزمرة من المصريين، وأن الملك الإثيوبي أكرم وفادتهم وأسكنهم في مدن وقرى من بلاده على مدى فترة الأعوام الثلاثة عشرة المقررة في النبؤة، وعيَّن قوة من الجيش الإثيوبي على الحدود مع مصر لحراسة الملك أمينوفيس ورفاقه([li]). أما عن الأوضاع في مصر خلال تلك الفترة فإن الأورشليميين ومن أنضم إليهم من المصريين المدنسين -حسب رواية جوسيفوس، نقلاً عن مانيتون وفقاً لزعمه– قد عاملوا بقية المصريين بوحشيىة بالغة وبعيدة عن التقوى تمامًا حتى أن حكم الرعاة (الهكسوس) بدا عصرًا ذهبيًا لمن شهدوا تلك الفظائع القريبة دينيًا ودنيويًا. ويُروى أن الكاهن الذى وضع دستورهم وقوانينهم كان من أهل هيليوبوليس ويدُعى أوسارسيف -من اسم الإله أوزيريس معبود هيليوبوليس– ولكنه حين انضم إلى تلك الطائفة غيَّر اسمه وأصبح يُدعى موسى([lii]).

    ويقول جوسيفوس – نقلاً عن مانيتون، حسب زعمه- أن أمينوفيس قد عاد بعد ذلك من إثيوبيا بجيش كبير ومعه ابنه رمبسيس الذى تولى مسئولية أحد تقسيمات الجيش وخاض الإثنان معًا معركة مع الرعاة وحلفائهم المدنسين وانتصروا عليهم وقتلوا الكثيرين منهم وتعقبوا الآخرين حتى حدود سوريا([liii]). ويحاول جوسيفوس بكل السبل دحض رواية مانيتون التي زعم أنه اقتبسها حرفيًا عنه.

 إن أبرز حجج جوسيفوس في دحض ما يزعم أنه رواية مانيتون حول هذا الأمر تتمثل فيما يلى:

قبل أن يبدأ جوسيفوس في الرد على الرواية المزعومة لمانيتون – كما أوردها هو – يزعم أن مانيتون قد أهدى لليهود تنازلًا حين أقرَّ منذ البداية بأن جنس اليهود ليس مصريًا من الأساس وإنما قدموا إلى مصر من خارجها واحتلوا أرضها ثم غادروها بعد ذلك([liv]). إن هذه حجة ضعيفة متهافتة سبق الرد عليها أعلاه حيث خلط جوسيفوس بين الهكسوس واليهود عن عمد وسوء نية واضحة حين جعل الهكسوس هم اليهود. وينفي جوسيفوس أن يكون اليهود قد اختلطوا – في وقت لاحق- بالمصريين ممن أطاح بهم الوباء ويزعم أن موسى - كزعيم لليهود – قد عاش قبل ذلك بأجيال عديدة([lv]).

 بعد ذلك يلجأ جوسيفوس إلى السخرية والتهكم على الرواية السالفة الذكر بأكملها بدءاً من رغبة الملك في رؤية الآلهة وما يكتنفها من تساؤلات ساخرة حول كل جوانب هذه الرواية، ويعيد ترديد هذه الجوانب في اسهاب وإطناب وافتراضات ليست في صلب الموضوع([lvi])، وردود تفتقر إلى المباشرة وتحمل في طياتها إجابات جدلية متفاوتة قد تختلف عن فروض جوسيفوس. لعل أبرز المفارقات في طرح جوسيفوس السابق يتجلى في الفقرة الأخيرة منه (29.277) التى يقول فيها نصًا: "لقد تعقبهم أمينوفيس – وفقًا لمانيتون–  في مذبحة على رمال الصحراء حتى سوريا. ولكن من الواضح أنه ليس من اليسير على جيش أن يعبر الصحراء حتى بدون قتال([lvii]).

    لقد تجاهل جوسيفوس في عبارته الأخيرة الكثير من أحداث التاريخ المصري السابقة عليه والتى عبرت فيها الجيوش – عبر صحراء سيناء القاحلة–  من مصر وإليها وخاضت معارك ضارية.

    بعد هذه الرواية – التى زعم جوسيفوس أنه قد أوردها نقلاً عن مانيتون – ننتقل إلى رواية أخرى لنفس الحدث جاءت عن مؤرخ يوناني معاصر تقريبًا لمانيتون هو هيكاتايوس الأبديري الذى وصلنا قدر كبير من تاريخه من خلال ديودور الصقلي في مؤلفه "المكتبة التاريخية" والذى خصص الكتاب الأول منه عن مصر. وسوف نقتبس ما ورد عنده حرفيا عن موضوع خروج اليهود من مصر بزعامة موسى حتى يتسنى لنا المقابلة وإدراك الفروق بين الروايتين. يقول ديودور الصقلى نقلاً عن هيكاتيوس الأبديري مايلى:

"عندما حل وباء بمصر قديما عزا عموم الناس تلك الشرور إلى أمر إلهى مقدس. إذ أن كثيرين من الغرباء الأجانب من كل نوع كانوا يعيشون بينهم ويمارسون ويؤدون طقوسًا مغايرة في الدين وفي تقديم الأضحيات، وهو الأمر الذى أدى إلى هجر وإهمال طقوسهم (أى طقوس المصريين) المتوارثة في تبجيل ألهتهم . لذا اعتقد أهل البلاد أنهم مالم يطردوا الغرباء فإن متاعبهم لن تجد سبيلها إلى الحل مطلقًا. لذلك تم طرد الغرباء من البلاد على الفور، وجُمع أبرزهم وأنشطم معًا وطرحوا –حسب قول البعض– على الشاطىء في بلاد اليونان وبضع مناطق أخرى، وكان زعماء هؤلاء من مشاهير الرجال، وكان أبرز داناموسى وكادموس. ولكن الغالبية من بين هؤلاء طُردوا إلى المنطقة التى يُطلق عليها الآن جودايا غير البعيدة عن مصر والتى كانت في تلك الآونة خالية تمامًا من السكان. وكان يتزعم تلك المستوطنة رجلٌ يُدعى موسى اشتهر بحكمته وشجاعته. وعندما استولى على المنطقة أقام –بالإضافة إلى مدن أخرى- مدينةً هى الأشهر على الإطلاق، تلك المُسمَّاة أورشليم. وفضلًا عن ذلك أقام (شيَّد) المعبد الذى يخطى بأعلى درجات القداسة لديهم([lviii])(أتباع موسى/ اليهود).

ثم يواصل النص بعد ذلك في بيان تعاليم موسى والنظم الدينية والدنيوية التى علمَّها موسى لأتباعه، واختلافهم في  عقيدتهم  ونظام حكمهم عن الآخرين.

     هذا الرواية لهيكاتيوس الأبديري تختلف في مضمونها كثيرًا عن الرواية المزعومة التى ألصقها جوسيفوس بمانيتون السمنودي، والتى يبدو أنها (الأخيرة) قد شابها تحريف كبير من جانب كُتّاب يهود لاحقين على مانتيون؛ ومن الواضح أن جوسيفوس قد اعتمد كثيرًا على تلك الراويات الُمحَّرفة عمداً والتى تصب في مصلحة اليهود([lix]). ويبدو تمامًا أن جوسيفوس قد اتبع منهجًا انتقائيًا في النقل عن المصادر الأقدم التى تناولت قضية مجىء اليهود إلى مصر وخروجهم منها تحت قيادة موسى. إن رواية هيكاتايوس الأبديري –التى وصلتنا في مؤلف ديودور الصقلي–  تدحض – إلى حد كبير– تلك الراوية الُمحَّرفة عن مانيتون التى أوردها جوسيفوس؛ لذلك يبدو أن جوسيفوس قد تعمد تجاهل رواية هيكاتايوس والتغاضي عنها رغم أن مؤلف هيكاتايوس الأبديري كان –على الأرجح- متاحًا أمام جوسيفوس([lx])، أوعلى الأقل مؤلف ديودور الصقلي الذى نقل عنه. إن رواية هيكاتايوس المشار إليها أعلاه لاتشير من قريب أو بعيد إلى قصة الملك( أمينوفيس) حسب رواية جوسيفوس المزعومة عن مانيتون عن المصابين بالبرص والجذام ونفيهم في محاجر شرق النيل، وعودتهم إلى أواريس حيث اسكنهم الملك ومعهم الكاهن أوسيرساف (موسى لاحقًا) ، واستعانتهم بالهكسوس الذى سبق طردهم من مصر، واحتلالهم مصر لمدة ثلاثة عشر عامًا وارتكابهم الأهوال والفظائع بحق المصريين وعقيدتهم، وأخيرًا عودة الملك أمينوفيس وابنه رمبسيس من النوبة وانتصارهما على موسى وطائفته وأعوانه من الرعاة انتصارًا كبيرًا وتعقبهم حتى سوريا. لقد لخص هيكاتايوس الأمر – كما رأينا أعلاه – في أن وباءً ضرب مصر قديمًا  τὸ παλαιόν (دون أن يحدد تاريخًا معينًا) وأن جموع المصريين عزوا ذلك الشر المحدق إلى غضب الآلهة عليهم بسبب إهمال وتردي طقوس العبادة للآلهة المصرية نتيجة لقيام الغرباء والأجانب المقيمين بمصر بأداء طقوس مختلفة في العبادات والأضحيات لألهتهم. ولذلك رأى المصريون أنه ما من خروج من هذه المأزق الشديد إلا بطرد الغرباء بعقائدهم المختلفة من مصر حتى تعود العبادات والطقوس المصرية إلى سابق عهدها فترضى الآلهة المصرية ويزول الوباء والبلاء. وكانت غالبية هؤلاء المطرودين الأجانب –كما يتضح من سياق الرواية–  من اليهود المقيمين بمصر بزعامة موسى. وتذكر الرواية أن هذا الحشد الكبير من المطرودين (اليهود) قد طُردوا إلى منطقة جودايا (يهودية) على حدود مصر من جهة الشرق، وأن موسى قد بنى عدة مدن في تلك المنطقة أشهرها أورشليم وشيد المعبد الأشهر لهم هناك في أورشليم، ووضع الأسس الدينية والدنيوية للشعب اليهودي هناك.

 ويمكن أن ندرك بوضوح سبب تغاضي وتجاهل جوسيفوس لرواية هيكاتايوس لأنها تتناقض كثيرًا مع المعلومات الُمحِّرفة المغلوطة التى نسبها – زورًا وكذابًا– إلى مانيتون مستعينًا بما دسَّه الكُتّاب اليهود من قبل على نص مانيتون الأصلى. إن ذكر هيكاتايوس أن غالبية المطرودين (الأجانب) بزعامة موسى قد طُردوا شرقًا إلى منطقة جودايا المقفرة من السكان تدحص مقولة جوسيفوس بأن الهكسوس الذين طُردوا من مصر من قبل هم اليهود. وتنفي رواية هيكاتايوس إدعاء جوسيفوس قيام الهكسوس الرعاة اليهود – حسب زعمه- بتشييد مدينة أورشليم وبناء معبدها الكبير بعد طردهم من مصر، إذ ينسب هيكاتايوس تلك الأمور إلى موسى. صحيح أن جوسيفوس يزعمأن موسى قد عاش قبل ذلك بفترة طويلة([lxi]). ولكنه لم يحدد تلك الفترة وهل كان ممن خرجوا مع الرعاة (الهكسوس) عند طردهم من مصر، رغم أنه لم يُشر إلى ذلك في حديثه عن طرد الملك أحمس للهكسوس من مصر.

     من العرض السابق يمكن أن نستنتج ما يلي:

  • أن زعم جوسيفوس بأن الهكسوس هم اليهود وأن تفسير كلمة هكسوس يعني "الأسرى الرعاة" وهو ما ينطبق على اليهود هو زعم غير صحيح. ورغم تفاوت آراء العلماء حول الموطن الأصلى للهكسوس فربما كان الرأى الأرجح أنهم مجموعة من الشعوب التى سكنت مناطق آسيا الغربية التى اضطرت إلى الهجرة من أوطانها تحت ضغط أقوام أتوا من هضبة أرمينيا واستقروا في مناطق شمال الفرات حوالى عام 2000 ق.م.، وقد أدت غارات هؤلاء الأقوام على شمال سوريا إلى نشر الفزع والرعب في سكان سوريا وفلسطين مما جعل الكثيرين من الهكسوس يندفعون نحو الجنوب حتى وصلوا مصر([lxii]). يبدو أن الهكسوس في زحفهم واندفاعهم من الشمال إلى الجنوب من شمال سوريا مرورًا بفلسطين انضم إليهم في زحفهم جنوبًا إلى مصر جماعات من اليهود من سكان فلسطين كأحد الأعراق المشاركة في غزو مصر تحت قيادة "الملوك الرعاة" من زعماء الهكسوس. ويبدو أن هذا العنصر اليهودي دخل مصر تحت مظلة الهكسوس قد عاشوا في مصر واختلطوا بأهلها واكتسبوا بعضًا من عاداتهم كالختان([lxiii]) مثلًا، وإن حافظوا على عقيدتهم اليهودية. ويبدوا أنه بعد أن انتصر الملك أحمس على الهكسوس وطردهم إلى مناطقهم في آسيا وتعقبهم وطاردهم حتى قلب سوريا – كما رأينا- بقى العنصر اليهودى المقيم في مصر –أو أغلبه- ولم يغادروا مع الهكسوس لأنهم قد اندمجوا مع المصريين.
  • إن طرد الأجانب من مصر بسبب تصور (اعتقاد) المصريين غضب الألهة المصرية التى تدهورت عبادتها قد تضمن طرد جزء كبير من هؤلاء الغرباء إلى منطقة جودايا القريبة من مصر (إلى الشرق) والتى كانت خالية من السكان آنذاك يشير إلى دلالات أقرب إلى الوضوح في هذا الصدد. في تقديرى المتواضع أن هؤلاء المطرودين إلى منطقة جودايا يمكن أن يُفسر بأن هؤلاء هم من سلالة من تبقوا من اليهود في مصر –الذين كانوا قد رافقوا حملة الهكسوس قادمين من منطقة في فلسطين– ولم يخرجوا من مصر بعد طرد الهكسوس بل عاشوا في كنف المصريين لعشرات السنين بعد ذلك. وحين طُرد الأجانب من مصر بسبب الوباء –كما في رواية هيكاتايوس الأبديري– طُرد هؤلاء إلى موطنهم الذى أتوا منه في فلسطين، وهو بالأخرى منطقة جودايا (يهودية).
  • إن ادعاء جوسيفوس من قبل أن موسى قد عاش قبل تلك الأحداث بأجيال عديدة ليس له ما يؤيده من أدلة أو قرائن مكتوبة أو مادية. كما أن الملك امينوفيس الذى ورد في رواية جوسيفوس عن المدنسين والمصابين بالبرص والجذام يرُجح أن يكون مرنبتاح ابن رمسيس الثاني([lxiv]) من الأسرة التاسعة عشرة الفرعونية (1237-1226ق.م.) وإن كان ما أورده جوسيفوس –في نقله الُمحرف عن مانيتون– قد خلط الأمر وجعل أمينوفيس (مرنبتاح) وأبنه رمبسيس (ربما يشير إلى أبيه رمسيس الثاني 1304- 1237 ق.م.) هما من قاما بطرد الأجانب من مصر حتى حدود سوريا. معنى ذلك أن هذا الأمر الذى يشير إليه ما أورده جوسيفوس وهيكاتايوس الأبديري (عند ديودور الصقلي) –كلٌ بطريقته وروايته–  قد حدث بعد أن قام أحمس الأول (أول ملوك الأسرة الثامنة عشرة 1569- 1545 ق.م.)([lxv]). بطرد الهكسوس بنحو ثلاثة قرون.
  • إن رواية هيكاتايوس الأبديرى عن أن موسى قد قام هو وأتباعه من اليهود – بعد طردهم من مصر في الخروج الكبير Exodus– ببناء عدة مدن في منطقة جودايا أهمها وأشهرها أورشليم وتشييد المعبد اليهودي الكبير فيها تدحض ما سبق أن روٌج له جوسيفوس قبل ذلك بإلحاح من أن الهكسوس هم اليهود وأنهم –بعدما طردهم الملك أحمس الأول من مصر– اتجهوا إلى جودايا واستوطنوها وشيدوا مدينة أورشليم ومعبدها الكبير. ومما يعزز كذب جوسيفوس قول هيكاتايوس بأن منطقة جودايا كانت خالية تمامًا من السكان حين طرد إليها موسى ورفاقه:

ὁ δὲ πολὺς λεὼς ἐξέπεσεν εἰς τὴν νῦν καλουμένην Ἰουδαίαν, οὐ πόρρω μὲν κειμένην τῆς Αἰγύπτου, παντελῶς δὲ ἔρημον οὖσαν κατ' ἐκείνους τοὺς χρόνους.

وهو ما يعنى من ناحية أن الهكسوس لم يستوطنوا ويعمروها إثر طردهم من مصر – كما زعم جوسيفوس – ولم يقيموا مدينة أورشليم ومعبدها الكبير، ويشير من جهة أخرى إلى أن المنطقة ظلت خاوية ومهجورة منذ أن تركها سكانها من اليهود الذين انضووا تحت لواء الهكسوس في غزوهم لمصر، وبقيت كذلك طيلة الفترة ما بين طرد الهكسوس على يد الملك أحمس وبين الخروج اليهودي الكبير بزعامة موسى من مصر بعد نحو ثلاثة قرون حيث عادوا إلى موطنهم الأصلي (وأعادوا إعماره) وأعادوا بناء أورشليم ومعبدها الكبير، إذ سبق أن أوردنا أن أورشليم كمدينة كانت قائمة بالفعل منذ أوائل الألفية الثانية ق.م. حين التقى إبراهيم بملكها ومؤسسها مليكى صادق([lxvi]).

    من الطرح والعرض السابق- يبدو في تقديري– جليًا أن جوسيفوس في عرضه لما ورد عند مانيتون السمنودي لم يكن موضوعيًا ولا حياديًا ولا أمينًا في نقله عنه. لقد كان انتقائيًا مُحَّرفًا لما جاء في المصدر الأصلي ويحاول باستماتة أن يطِّوع ويسخِّر مصدره – بعد تحريفة وتشويهه- لكى يحقق غرضًا مسبقًا يسعى إليه بوضوح وهو إبراز اليهود في صورة الآمة العريقة الموغلة في القدم وصاحبة السبق الحضاري. لقد نصَّب جوسيفوس نفسه – بكل حماس- محاميًا ومدافعًا ومروجًا للتراث اليهودي بالحق وكثير من الباطل، بالوسائل المشروعة وكثير من الوسائل غير المشروعة من إنتقادية وتحريف، وأحيانًا كذب.

([i]) Waddell , W.G. (1940), Manetho (Loeb Classical Library), Introduction, p.VII.

([ii]) Fraser, P.M. (1972), Ptolemaic Alexandria , I.p.505; ll. p.728,n.95.

([iii])Waddell ,.W.G. (1940),Fragments 3 (From Syncellus ) ; 77 (From Plutarch , De Is et Osir. ,9) ; 80 ( From Plutarch , De Is. et Osir . 28) ; Syrcellus,.72= Waddell,.208and 210.

([iv]) Ibid:

Βασιλεῖ μεγάλῳ Πτολεμαίῳ Φιλαδέλφῳ σεβαστῷ Μανεθῶ ἀρχιερεὺς καὶ γραμματεὺς τῶν κατ' Αἴγυπτον ἱερῶν ἀδύτων, γένει Σεβεννύτης ὑπάρχων Ἡλιουπολίτης…..

([v]) Waddell (1940), Introd .pp ,.X- X1.

([vi]) Plutarch , Moralia ,Vol.V ( LcL)With an English Translation by F.C. Babbit, Cambridge, reprint 1999 , Harvard and ( Cambridge), De Iside et Osiride 28=362.

([vii]) Corpus Inscriptionum Latinarum V111 . 1007 apud Waddell (1940), Introd ., p.X111.  

([viii]) مصطفى العبادي (1988)، العصر الهللينستى – مصر، دار النهضة العربية، بيروت، ص ص 32- 40، أنظر ايضًا:

Hölbl ,G. (2001), A History of the Ptolemaic Emprire, (translated from German to English by Tina Saovedra) ,London  and New york (Routledge) , pp.14-20.

([ix]) محمد عبدالغني (2017) ، مصر القديمة من منظور يونانى – بين المفاهيم والممارسات ، المكتب الجامعى الحديث – الإسكندرية : محمد عبدالغنى (2006) ، " مصر والمصريون عند هوميروس" ، ( ضمن أعمال الحلقة البحثية المنعقدة فى المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة فى 29 مايو – 1 يونيو 2004 تحت عنوان : ( الإلياذة عبر العصور) بمناسبة مئوية ترجمة سليمان البستانى للإلياذة وصدور ترجمة جديدة عن اليونانية مباشرة : تحرير / أحمد عتمان ، 2006 ، ص ص 23- 40).

 ([x])محمد عبدالغني (2017)، مصر القديمة من منظور يونانى:( مصر عند هيرودوت )، ص ص 45- 51.

([xi]) Lloyd, A.B., (1988) "Herodotus 'Account of Phranoiac Egypt" in (Historia 37, 1988), pp.22-53,.52.

([xii]) Lloyd, A.B.(2002) ,"Egypt", in (Brill's  Companion to Herodotus, Bakker, E.J. et alii (eds.), Leiden )pp 435-435. 435.  

([xiii]) Josephus, Contra Apionem,73:

ὅς καὶ πολλὰ τὸν Ἡρόδοτον ἐλέγχει τῶν Αἰγυπτιακῶν ὑπ' ἀγνοίας ἐψευσμένον.

([xiv]) Waddell , Frag. 88:

…. ὥς φησι Μα-νέθων ἐν τῷ Πρὸς Ἡρόδοτον….

([xv]) Fraser, P.M.(1972), I.pp. 496- 501.

محمد عبدالغني (2017 ) ص ص 74-77.

([xvi]) Diodorus Siculus I.46.8:

οὐ μόνον δ' οἱ κατ' Αἴγυπτον ἱερεῖς ἐκ τῶν ἀναγραφῶν ἱστοροῦσιν, ἀλλὰ καὶ πολλοὶ τῶν Ἑλλήνων τῶν παραβαλόντων μὲν εἰς τὰς Θήβας ἐπὶ Πτολεμαίου τοῦ Λάγου, συνταξα-μένων δὲ τὰς Αἰγυπτιακὰς ἱστορίας, ὧν ἐστι καὶ Ἑκαταῖος, συμφωνοῦσι τοῖς ὑφ' ἡμῶν εἰρημένοις.

See pp. 166- 167, note 1 on this passage in LCL.

"لم يقتصر الأمر على كهنة مصر فى التأٍريخ من سجلاتهم، بل أن الكثيرين من الإغريق ممن زاروا طيبة فى عهد بطلميوس بن لاجوس قد نظموا مؤلفات عن التاريخ المصري، كان هيكاتايوس أحدهم، وهم يتفقون مع ما أوردناه".

لعل الإشارة إلى الكهنة المصريين فى أول الجملة تنوِّه بوضوح إلى مانيتون.

([xvii]) Waddell (1940) , Introd.,p.XXlV.

 ([xviii])للاطلاع على تفاصيل مؤًلف مانيتون وظروف كتابته باليونانية ومصادره المصرية المحتملة، وما تعَّرض له ذلك المؤلف الأصلي (المفقود) فى القرون اللاحقة من عمليات اختصار (تقديم "موجز Epitome")، وتحريف وتلاعب وتوظيف سياسي أو ديني لمادته التاريخية، أنظر:

Waddell (1940), Introd.,pp.XV-XXIII; Fraser (1972), I.pp.505-510 and notes on II.PP.716-735 of Historiography ;  Laqueur , R. in Pauly – Wissowa – Kroll ,R..E.,s.v.Manethon

تلك هى المراجع والمصادر الأساسية للمعلومات الواردة فى هذا البحث، أما الآراء والمراجعات والتعليقات والنقد فقد استعان الباحث بالكثير من المعالجات التى تناولت نقاط الموضوع وحاول التعامل معها بمنهجية أكاديمية لمحاولة الوصول إلى استنتاجات علمية مقبولة.

([xix]) Syncellus p.32= Waddell (Frag.3):

Μανεθῶ ὁ Σεβεννύτης ἀρχιερεὺς τῶν ἐν Αἰγύπτῳ μιαρῶν ἱερῶν μετὰ Βήρωσσον γενόμενος ἐπὶ Πτολε-μαίου τοῦ Φιλαδέλφου γράφει τῷ αὐτῷ Πτολεμαίῳ….

- Sync.p.29(Fr.Gr.H.II.c):

τῆς οὖν Χαλδαϊκῆς ἀρχῆς ἀπὸ Νεβρὼδ ἀποδεδειγμένης συναποδέδεικται δηλονότι καὶ τὰ περὶ τῶν
Αἰγυπτιακῶν δυναστειῶν ὑπὸ Μανεθῶ τοῦ Σεβεννύτου πρὸς Πτολεμαῖον τὸν Φιλάδελφον συγγεγραμμένα πλήρη ψεύδους καὶ κατὰ μίμησιν Βηρώς-σου πεπλασμένα κατὰ τοὺς αὐτοὺς σχεδόν που χρόνους ἢ μικρὸν ὕστερον·

- Josphus,Antiquitates Iudaicarum I.107:

μαρτυροῦσι δέ μου τῷ λόγῳ πάντες οἱ παρ' Ἕλλησι καὶ βαρβάροις συγγραψάμενοι τὰς ἀρχαιολογίας. καὶ γὰρ καὶ Μάνεθως ὁ τὴν τῶν Αἰγυπτια-κῶν ποιησάμενος ἀναγραφὴν καὶ Βηρωσσὸς ὁ τὰ Χαλδαϊκὰ συναγαγὼν.

([xx]) Waddell (1940) , Introd.pp.XX1-XXIII.

* هذا المؤَلف هو أخر أعمال جوسيفوس ويقع فى كتابين وقد عنونه باسم "عن عراقة اليهود" ولكنه عُرف على نطاق واسع بالعنوان الذى أعطاه له القديس جيروم وهو "ضد أبيون" . وأبيون هو عالم إسكندري يوناني كان من خصوم ومناوئى اليهود وكتب ضدهم كتابات تقلل من شأنهم. وهذه الأطروحة لجوسيفوس تمثل دفاعًا متحمسًا عن اليهود وديانتهم وقوانيهم وعاداتهم ضد خصوم اليهود ممثلين فى شخص أبيون. أنظر:

Howatson(1989) The Oxford Companion Classical Literature, Oxford,s.v. Josephus.

([xxi]) Josephus , Contra Apionem I.14.73-74.

([xxii]) Ibid. I. 14.75-82.  

([xxiii]) Ibid. 83:

[ἐν δ' ἄλλῳ ἀντιγράφῳ οὐ βασιλεῖς σημαίνεσθαι διὰ τῆς ϋκ προσηγορίας, ἀλλὰ τοὐναντίον
αἰχμαλώτους δηλοῦσθαι ποιμένας ….]

([xxiv]) Ibid:

 καὶ τοῦτο μᾶλλον πιθανώτερόν μοι φαίνεται καὶ παλαιᾶς ἱστορίας ἐχόμενον.

إن هذه المدة المذكورة فى النص عن فترة سيادة الهكسوس على مصر مُبالغ فيها كثيرًا، وربما تشير إلى مُجمل فترة حكمهم فى فلسطين وسوريا.

 Waddell(1940), p.86, n.I

([xxv]) Ibid. I. 14. 91- 92.

([xxvi]) Ibid. 84-88.

([xxvii])Ibid,89-90.

 ([xxviii])"أحمس بن إيبانا" هو أحد الأمراء المحليين من منطقة "الكاب" القريبة من طيبة وكان أحد قادة الأسطول وأدى خدمة متميزة فى القيادة تحت حكم ثلاثة ملوك متعاقبين من الأسرة الثامنة عشرة هم: أحمس الأول وأمينحوتب الأول وتحتمس الأول، وخدم أبوه فى القيادة العسكرية للملك سقنن- رع والد أحمس الأول. إن مذكرات ( سيرة) أحمس بن إيبانا تكتسب أهمية خاصة لأنها المصدر المعاصر عن طرد الهكسوس، وتشكل – مع سيرة قائد آخر من قادة الملك أحمس الأول. هو أحمس بين نخبت – مصدرنا الوحيد عن حروب الفترة المبكرة من الأسرة الثامنة عشرة، لأن السجلات الملكية عن هذه الفترة العصيبة الحرجة قد هلكت تماما، أنظر:

Breasted, J.H., Arcient Records of Egypt, vol .II( 1927,3rd edition), pp.3-9

حيث يورد بريستيد (p.3,note a) المراجع والمقالات التى تصدت لنشر النقش الذى يحتوى على سيرة أحمس بن إيبانا.

([xxix]) Josephus, Contra Apionem .,I.14.86-87.

([xxx]) See Waddell, Manetho, Frag.42, pp.86-87 ,note2.

([xxxi]) Breasted, J. H.,(1927),pp. 5,8,Paragraphs numbers:8,9,10,12,13.of the second Volume,ll.8-13,14-16 of the inscription of Ahmose son of Ebana.

* "أحمس – بن نخبيت" هو أحد نبلاء منطقة الكاب مثل أحمس بن إيبانا ، وقد كان أحد قادة الجيوش المصرية تحت حكم الملوك الأوائل للأسرة الثامنة عشرة، ولكنه عمَّر فترة أطول من زميله. وقد بدأ خدمته العسكرية تحت حكم الملك أحمس الأول، واستمر فيها تحت حكم امنحوتب الأول ثم الملوك تحتمس الأول والثانى والثالث وتوفى وهو يحظى بتقدير تحتمس الثالث وحتشبسوت. وقد ترك نقوشاً تخلد غزواته والجوائز والمكافأت التى حصل عليها، وملخصًا موجزًا لسيرته. أنظر:

Breasted , ) 1927) ., pp.9-10.

([xxxii]) Ibid., p.10, Paragraph 20.

([xxxiii]) Ibid .,p.5.

[xxxiv])) إيمان طه عبده طه شاهين، أورشليم من الإسكندر الأكبر حتى مرسوم ميلان، رسالة دكتوراه غير منشورة – كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 2016، ص ص 9- 14 .

([xxxv]) Josephus, Bellum Iudaicum VI. 438; Antiquitates Iudaicarum I. 180:

ὁ δὲ πρῶτος κτίσας ἦν Χαναναίων δυνάστης ὁ τῇ πατρίῳ γλώσσῃ κληθεὶς βασιλεὺς δίκαιος· ἦν γὰρ δὴ τοιοῦτος. διὰ τοῦτο ἱεράσατό τε τῷ θεῷ πρῶτος καὶ τὸ ἱερὸν πρῶτος δειμάμενος Ἱερο-σόλυμα τὴν πόλιν προσηγόρευσεν Σόλυμα καλουμένην πρότερον.

أنظر :إيمان طه شاهين، المرجع السابق، ص12.

([xxxvi]) Philo, Legum Allegoria III.79ff:

καὶ Μελχισεδὲκ βασιλέα τε τῆςεἰρήνης – Σαλὴμ τοῦτο γὰρ ἑρμηνεύεται – <καὶ> ἱερέα ἑαυτοῦ πεποίηκεν
ὁ θεός

أنظر: إيمان طه شاهين، المرجع نفسه، ص11.

([xxxvii]) Genesis XlV.18-20

καὶ Μελχισεδεκ βασιλεὺς Σαλημ ἐξήνεγκεν ἄρτους καὶ οἶνον· ἦν δὲ ἱερεὺς τοῦ θεοῦ τοῦ ὑψίστου. καὶ ηὐλό-

γησεν τὸν Αβραμ καὶ εἶπεν Εὐλογημένος Αβραμ τῷ θεῷ τῷ ὑψίστῳ, ὃς ἔκτισεν τὸν οὐρανὸν καὶ τὴν γῆν,

 καὶ εὐλογητὸς ὁ θεὸς ὁ ὕψιστος, ὃς παρέδωκεν τοὺς ἐχθρούς σου ὑποχειρίους σοι. καὶ ἔδωκεν αὐτῷ δεκάτην ἀπὸ πάντων.

([xxxviii]) Ben Zeev, Miriam Pucci,"the Reliability of Josephus Flavius: the Case of Hecataeus`and Manetho`s Accounts of Jews and Judaism: Fifteen years of Contemporary research (1974-1990)",in Journal for the Study of Judaism in the Persian, Hellenistic, and Roman Period , vol.24,No.2(December 1993), pp.215-234.

([xxxix]) Ben Zeev, M.P(1993)., p.226 and n.28.

([xl]) Goodman,M.,"Manetho " in : E.Schurer, the History of the Jewrish People in the Age of Jesus Christ III.1(eds.G.Vermes,F.Millar, M.Goodman ), Edinburgh, 1986, p.595,apud Ben Zeev , M.P. loc..cit and n.29.

([xli]) Ibid . and n .30.,referring to:

- Troiani, L.,"Sui Frammenti di Manetone nel Primo libro del Contra Apionem di Flavio Giusepp", Studi Classicie Orientali 24(1975), pp.97-126,pp.108-110 .

- Gabba,E.,(1986) La Palestina e gli ebrei negli storici classici fra il             VeilIII sec.a.C.", Rivista Biblica 34

---------(1989) , "The Growth of Anti-Judaism or the Greek Attitude Towards Jews", Cambridge History of Judaism,II, Camdridge- New York, pp.631- 632.

([xlii]) Troiani(1975) ., pp.103- 104.

([xliii]) Ben Zeev , M.P., (1993)., pp .229-230.

([xliv]) Josphus, C. Ap.I. 15,16, 103-105 :

ὅτι οἱ καλούμενοι ποιμένες ἡμέτεροι δὲ πρόγονοι τρισὶ καὶ ἐνενήκοντα καὶ τριακοσίοις πρόσθεν ἔτεσιν ἐκ τῆς Αἰγύπτου ἀπαλλαγέντες τὴν χώραν ταύτην ἐπῴκησαν…. κτλ.

([xlv]) Ibid., I. 26. 228:

….. προειπὼν τοὺς ἡμετέρους προγόνους πολλαῖς μυριάσιν ἐπὶ τὴν Αἴγυπτον ἐλθόντας κρατῆσαι τῶν ἐνοικούντων, εἶτ' αὐτὸς ὁμολογῶν χρόνῳ πάλιν ὕστερον ἐκπεσόντας τὴν νῦν Ἰου-δαίαν κατασχεῖν καὶ κτίσαντας Ἱεροσόλυμα τὸν νεὼ κατασκευάσα-σθαι

([xlvi]) Ibid. I. 26. 228.

([xlvii]) Josephus, Contra Apionem , I.26.234-235:

ἡσθέντα δὲ τὸν βασιλέα πάντας τοὺς τὰ σώματα λελω-βημένους ἐκ τῆς Αἰγύπτου συναγαγεῖν γενέσθαι δὲ τοῦ πλήθους μυριάδας ὀκτώ· καὶ τούτους εἰς τὰς λιθοτομίας τὰς ἐν τῷ πρὸς ἀνατολὴν μέρει τοῦ Νείλου ἐμβαλεῖν αὐτόν, ὅπως ἐργάζοιντο καὶ τῶν ἄλλων Αἰγυπτίων οἱ ἐγκεχωρισμένοι.

([xlviii]) Ibid .I.26.26.237-238:

“τῶν δ' ἐν ταῖς λατομίαις ὡς χρόνος ἱκανὸς διῆλθεν ταλαιπωρούντων, ἀξιωθεὶς ὁ βασιλεύς, ἵνα [πρὸς] κατά-

λυσιν αὐτοῖς καὶ σκέπην ἀπομερίσῃ, τὴν τότε τῶν ποιμένων ἐρη-μωθεῖσαν πόλιν Αὔαριν συνεχώρησεν·…. καὶ τὸν τόπον τοῦτον [εἰς] ἀπόστασιν ἔχοντες ἡγεμόνα αὐτῶν λεγόμενόν τινα τῶν Ἡλιοπολιτῶν ἱερέων Ὀσάρσηφον ἐστήσαντο καὶ τούτῳ πειθαρχή-σοντες ἐν πᾶσιν ὡρκωμότησαν.

([xlix]) Ibid.I.26.240:

ἐκέλευσεν πολυχειρίᾳ τὰ τῆς πόλεως ἐπι-σκευάζειν τείχη καὶ πρὸς πόλεμον ἑτοίμους γίνεσθαι τὸν πρὸς Ἀμέ-
νωφιν τὸν βασιλέα.

([l]) Ibid.I.26.241:

αὐτὸς δὲ ….. ἔπεμψε πρέσβεις πρὸς τοὺς ὑπὸ Τεθμώσεως ἀπελαθέντας ποιμένας εἰς πόλιν τὴν καλουμένην Ἱερο-σόλυμα,….. ἠξίου συνεπιστρατεύειν ὁμοθυμαδὸν ἐπ' Αἴγυπτον.

([li]) Ibid.I.26.242-247.

([lii]) Ibid.I.26.248-250:

250:

λέγεται δέ, ὅτι τὴν πολιτείαν καὶ τοὺς νόμους αὐτοῖς καταβαλόμενος ἱερεὺς τὸ γένος Ἡλιοπολίτης ὄνομα Ὀσαρσὶφ ἀπὸ τοῦ ἐν Ἡλιουπόλει θεοῦ Ὀσίρεως, ὡς μετέβη εἰς τοῦτο τὸ γένος, μετετέθη τοὔνομα καὶ προσηγορεύθη Μωυσῆς.  

([liii]) Ibid.I.27.251:

λέγει δὲ ὁ Μανεθὼς πάλιν, ὅτι μετὰ ταῦτα ἐπῆλθεν ὁ Ἀμένωφις ἀπὸ Αἰ-θιοπίας μετὰ μεγάλης δυνάμεως καὶ ὁ υἱὸς αὐτοῦ Ῥάμψης καὶ  αὐτὸς ἔχων δύναμιν, καὶ συμβαλόντες οἱ δύο τοῖς ποιμέσι καὶ τοῖς μιαροῖς ἐνίκησαν αὐτοὺς καὶ πολλοὺς ἀποκτείναντες ἐδίωξαν αὐ-τοὺς ἄχρι τῶν ὁρίων τῆς Συρίας. ταῦτα μὲν καὶ τὰ τοιαῦτα Μανε-

θὼς συνέγραψεν. ὅτι δὲ ληρεῖ καὶ ψεύδεται περιφανῶς, ἐπιδείξω……  

([liv]) Ibid.I.27.252:

δέδωκε γὰρ οὗτος ἡμῖν καὶ ὡμολόγηκεν ἐξ ἀρχῆς

([lv]) Ibid.I.27.253.

([lvi]) Ibid.I.28-29,254-277.

([lvii]) ὁ δὲ καὶ μέχρι τῆς Συρίας ἀναιρῶν, φησίν, αὐτοὺς ἠκολούθησε διὰ τῆς ψάμμου τῆς ἀνύδρου, δῆλον ὅτι οὐ ῥᾴδιον οὐδὲ ἀμαχεὶ στρα-τοπέδῳ διελθεῖν.

([lviii]) Diodorus Siculus; Bibliotheca Historica XL.3.

1-3:

κατὰ τὴν Αἴγυπτον τὸ παλαιὸν λοιμικῆς περιστάσεως γενομένης ἀνέπεμπον οἱ πολλοὶ τὴν αἰτίαν τῶν κακῶν ἐπὶ τὸ δαιμόνιον· πολλῶν γὰρ καὶ παντο-δαπῶν κατοικούντων ξένων καὶ διηλλαγμένοις ἔθεσι χρωμένων περὶ τὸ ἱερὸν καὶ τὰς θυσίας, καταλελύ-σθαι συνέβαινε παρ' αὐτοῖς τὰς πατρίους τῶν θεῶν τιμάς….. εὐθὺς οὖν ενηλατου-μένων τῶν ἀλλοεθνῶν.

ὁ δὲ πολὺς λεὼς ἐξέπεσεν εἰς τὴν νῦν καλουμένην Ἰουδαίαν, οὐ πόρρω μὲν κειμένην τῆς Αἰγύπτου, παντελῶς δὲ

ἔρημον οὖσαν κατ' ἐκείνους τοὺς χρόνους. ἡγεῖτο δὲ τῆς ἀποικίας ὁ προσαγορευόμενος Μωσῆς, φρονήσει τε καὶ ἀνδρείᾳ πολὺ διαφέρων. οὗτος δὲ καταλαβόμενος τὴν χώραν ἄλλας τε πόλεις ἔκτισε καὶ τὴν νῦν οὖσαν ἐπιφανεστάτην, ὀνομαζομένην Ἱεροσόλυμα. ἱδρύσατο δὲ καὶ τὸ μάλιστα παρ' αὐτοῖς τιμώμενον ἱερόν.

([lix]) Weddell (1940),pp. XVIII-XIX.

([lx]) بدليل أن جوسيفوس قد استعان به, واقتبسه فى موضع آخر يتصل بفترة الصراعات بين قادة الإسكندر الأكبر بعد وفاته. لاسيما بين بطلميوس بن لاجوس وديمتريوس "قاهر المدن" ابن انيتجونوس الأعور فى معركة غزة عام 312ق.م وانتصار بطلميوس واستيلائه على فلسطين وتعامله مع اليهود، وهى أحداث كان هيكاتاوس الأبديري  شاهدًا عليها بحكم علاقته ببطلميوس الأول.

أنظر:

Josephus, Contra Apionem , I. 183-204.

([lxi]) Ibid. I. 27. 253:

…. καὶ ὅτι ἐκ τούτων οὐκ ἦν Μωυσῆς ὁ τὸν λαὸν ἀγαγών, ἀλλὰ πολλαῖς ἐγεγόνει γενεαῖς πρότερον.

([lxii]) الكسندر شارف: تاريخ مصر، ترجمة د. عبدالمنعم أبو بكر، القاهرة، 1960، ص 107. أنظر:

أحمد أمين سليم وسوزان عباس عبداللطيف: مصر منذ بداية عصر التأسيس وحتى بداية عصر الدولة الحديثة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية ،2008، ص 402.

([lxiii]) Diodorus Siculus, I. 55. 5.  

([lxiv]) Waddell (1940)pp .122- 123,note 1.

([lxv]) عن تواريخ حكم ملوك الأسرتين الثامنة عشر والتاسعة عشرة, أنظر:

       أحمد أمين سليم، وسوزان عباس عبداللطيف، المرجع السابق، ص ص 211-212 و242.

[lxvi]) أنظر الحواشى أرقام 34، 35، 36، 37 أعلاه.

addell , W.G. (1940), Manetho (Loeb Classical Library), Introduction, p.VII.

([1]) Fraser, P.M. (1972), Ptolemaic Alexandria , I.p.505; ll. p.728,n.95.

([1])Waddell ,.W.G. (1940),Fragments 3 (From Syncellus ) ; 77 (From Plutarch , De Is et Osir. ,9) ; 80 ( From Plutarch , De Is. et Osir . 28) ; Syrcellus,.72= Waddell,.208and 210.

([1]) Ibid:

Βασιλεῖ μεγάλῳ Πτολεμαίῳ Φιλαδέλφῳ σεβαστῷ Μανεθῶ ἀρχιερεὺς καὶ γραμματεὺς τῶν κατ' Αἴγυπτον ἱερῶν ἀδύτων, γένει Σεβεννύτης ὑπάρχων Ἡλιουπολίτης…..

([1]) Waddell (1940), Introd .pp ,.X- X1.

([1]) Plutarch , Moralia ,Vol.V ( LcL)With an English Translation by F.C. Babbit, Cambridge, reprint 1999 , Harvard and ( Cambridge), De Iside et Osiride 28=362.

([1]) Corpus Inscriptionum Latinarum V111 . 1007 apud Waddell (1940), Introd ., p.X111.  

([1]) مصطفى العبادي (1988)، العصر الهللينستى – مصر، دار النهضة العربية، بيروت، ص ص 32- 40، أنظر ايضًا:

Hölbl ,G. (2001), A History of the Ptolemaic Emprire, (translated from German to English by Tina Saovedra) ,London  and New york (Routledge) , pp.14-20.

([1]) محمد عبدالغني (2017) ، مصر القديمة من منظور يونانى – بين المفاهيم والممارسات ، المكتب الجامعى الحديث – الإسكندرية : محمد عبدالغنى (2006) ، " مصر والمصريون عند هوميروس" ، ( ضمن أعمال الحلقة البحثية المنعقدة فى المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة فى 29 مايو – 1 يونيو 2004 تحت عنوان : ( الإلياذة عبر العصور) بمناسبة مئوية ترجمة سليمان البستانى للإلياذة وصدور ترجمة جديدة عن اليونانية مباشرة : تحرير / أحمد عتمان ، 2006 ، ص ص 23- 40).

 ([1])محمد عبدالغني (2017)، مصر القديمة من منظور يونانى:( مصر عند هيرودوت )، ص ص 45- 51.

([1]) Lloyd, A.B., (1988) "Herodotus 'Account of Phranoiac Egypt" in (Historia 37, 1988), pp.22-53,.52.

([1]) Lloyd, A.B.(2002) ,"Egypt", in (Brill's  Companion to Herodotus, Bakker, E.J. et alii (eds.), Leiden )pp 435-435. 435.  

([1]) Josephus, Contra Apionem,73:

ὅς καὶ πολλὰ τὸν Ἡρόδοτον ἐλέγχει τῶν Αἰγυπτιακῶν ὑπ' ἀγνοίας ἐψευσμένον.

([1]) Waddell , Frag. 88:

…. ὥς φησι Μα-νέθων ἐν τῷ Πρὸς Ἡρόδοτον….

([1]) Fraser, P.M.(1972), I.pp. 496- 501.

محمد عبدالغني (2017 ) ص ص 74-77.

([1]) Diodorus Siculus I.46.8:

οὐ μόνον δ' οἱ κατ' Αἴγυπτον ἱερεῖς ἐκ τῶν ἀναγραφῶν ἱστοροῦσιν, ἀλλὰ καὶ πολλοὶ τῶν Ἑλλήνων τῶν παραβαλόντων μὲν εἰς τὰς Θήβας ἐπὶ Πτολεμαίου τοῦ Λάγου, συνταξα-μένων δὲ τὰς Αἰγυπτιακὰς ἱστορίας, ὧν ἐστι καὶ Ἑκαταῖος, συμφωνοῦσι τοῖς ὑφ' ἡμῶν εἰρημένοις.

See pp. 166- 167, note 1 on this passage in LCL.

"لم يقتصر الأمر على كهنة مصر فى التأٍريخ من سجلاتهم، بل أن الكثيرين من الإغريق ممن زاروا طيبة فى عهد بطلميوس بن لاجوس قد نظموا مؤلفات عن التاريخ المصري، كان هيكاتايوس أحدهم، وهم يتفقون مع ما أوردناه".

لعل الإشارة إلى الكهنة المصريين فى أول الجملة تنوِّه بوضوح إلى مانيتون.

([1]) Waddell (1940) , Introd.,p.XXlV.

 ([1])للاطلاع على تفاصيل مؤًلف مانيتون وظروف كتابته باليونانية ومصادره المصرية المحتملة، وما تعَّرض له ذلك المؤلف الأصلي (المفقود) فى القرون اللاحقة من عمليات اختصار (تقديم "موجز Epitome")، وتحريف وتلاعب وتوظيف سياسي أو ديني لمادته التاريخية، أنظر:

Waddell (1940), Introd.,pp.XV-XXIII; Fraser (1972), I.pp.505-510 and notes on II.PP.716-735 of Historiography ;  Laqueur , R. in Pauly – Wissowa – Kroll ,R..E.,s.v.Manethon

تلك هى المراجع والمصادر الأساسية للمعلومات الواردة فى هذا البحث، أما الآراء والمراجعات والتعليقات والنقد فقد استعان الباحث بالكثير من المعالجات التى تناولت نقاط الموضوع وحاول التعامل معها بمنهجية أكاديمية لمحاولة الوصول إلى استنتاجات علمية مقبولة.

([1]) Syncellus p.32= Waddell (Frag.3):

Μανεθῶ ὁ Σεβεννύτης ἀρχιερεὺς τῶν ἐν Αἰγύπτῳ μιαρῶν ἱερῶν μετὰ Βήρωσσον γενόμενος ἐπὶ Πτολε-μαίου τοῦ Φιλαδέλφου γράφει τῷ αὐτῷ Πτολεμαίῳ….

- Sync.p.29(Fr.Gr.H.II.c):

τῆς οὖν Χαλδαϊκῆς ἀρχῆς ἀπὸ Νεβρὼδ ἀποδεδειγμένης συναποδέδεικται δηλονότι καὶ τὰ περὶ τῶν
Αἰγυπτιακῶν δυναστειῶν ὑπὸ Μανεθῶ τοῦ Σεβεννύτου πρὸς Πτολεμαῖον τὸν Φιλάδελφον συγγεγραμμένα πλήρη ψεύδους καὶ κατὰ μίμησιν Βηρώς-σου πεπλασμένα κατὰ τοὺς αὐτοὺς σχεδόν που χρόνους ἢ μικρὸν ὕστερον·

- Josphus,Antiquitates Iudaicarum I.107:

μαρτυροῦσι δέ μου τῷ λόγῳ πάντες οἱ παρ' Ἕλλησι καὶ βαρβάροις συγγραψάμενοι τὰς ἀρχαιολογίας. καὶ γὰρ καὶ Μάνεθως ὁ τὴν τῶν Αἰγυπτια-κῶν ποιησάμενος ἀναγραφὴν καὶ Βηρωσσὸς ὁ τὰ Χαλδαϊκὰ συναγαγὼν.

([1]) Waddell (1940) , Introd.pp.XX1-XXIII.

* هذا المؤَلف هو أخر أعمال جوسيفوس ويقع فى كتابين وقد عنونه باسم "عن عراقة اليهود" ولكنه عُرف على نطاق واسع بالعنوان الذى أعطاه له القديس جيروم وهو "ضد أبيون" . وأبيون هو عالم إسكندري يوناني كان من خصوم ومناوئى اليهود وكتب ضدهم كتابات تقلل من شأنهم. وهذه الأطروحة لجوسيفوس تمثل دفاعًا متحمسًا عن اليهود وديانتهم وقوانيهم وعاداتهم ضد خصوم اليهود ممثلين فى شخص أبيون. أنظر:

Howatson(1989) The Oxford Companion Classical Literature, Oxford,s.v. Josephus.

([1]) Josephus , Contra Apionem I.14.73-74.

([1]) Ibid. I. 14.75-82.  

([1]) Ibid. 83:

[ἐν δ' ἄλλῳ ἀντιγράφῳ οὐ βασιλεῖς σημαίνεσθαι διὰ τῆς ϋκ προσηγορίας, ἀλλὰ τοὐναντίον
αἰχμαλώτους δηλοῦσθαι ποιμένας ….]

([1]) Ibid:

 καὶ τοῦτο μᾶλλον πιθανώτερόν μοι φαίνεται καὶ παλαιᾶς ἱστορίας ἐχόμενον.

إن هذه المدة المذكورة فى النص عن فترة سيادة الهكسوس على مصر مُبالغ فيها كثيرًا، وربما تشير إلى مُجمل فترة حكمهم فى فلسطين وسوريا.

 Waddell(1940), p.86, n.I

([1]) Ibid. I. 14. 91- 92.

([1]) Ibid. 84-88.

([1])Ibid,89-90.

 ([1])"أحمس بن إيبانا" هو أحد الأمراء المحليين من منطقة "الكاب" القريبة من طيبة وكان أحد قادة الأسطول وأدى خدمة متميزة فى القيادة تحت حكم ثلاثة ملوك متعاقبين من الأسرة الثامنة عشرة هم: أحمس الأول وأمينحوتب الأول وتحتمس الأول، وخدم أبوه فى القيادة العسكرية للملك سقنن- رع والد أحمس الأول. إن مذكرات ( سيرة) أحمس بن إيبانا تكتسب أهمية خاصة لأنها المصدر المعاصر عن طرد الهكسوس، وتشكل – مع سيرة قائد آخر من قادة الملك أحمس الأول. هو أحمس بين نخبت – مصدرنا الوحيد عن حروب الفترة المبكرة من الأسرة الثامنة عشرة، لأن السجلات الملكية عن هذه الفترة العصيبة الحرجة قد هلكت تماما، أنظر:

Breasted, J.H., Arcient Records of Egypt, vol .II( 1927,3rd edition), pp.3-9

حيث يورد بريستيد (p.3,note a) المراجع والمقالات التى تصدت لنشر النقش الذى يحتوى على سيرة أحمس بن إيبانا.

([1]) Josephus, Contra Apionem .,I.14.86-87.

([1]) See Waddell, Manetho, Frag.42, pp.86-87 ,note2.

([1]) Breasted, J. H.,(1927),pp. 5,8,Paragraphs numbers:8,9,10,12,13.of the second Volume,ll.8-13,14-16 of the inscription of Ahmose son of Ebana.

* "أحمس – بن نخبيت" هو أحد نبلاء منطقة الكاب مثل أحمس بن إيبانا ، وقد كان أحد قادة الجيوش المصرية تحت حكم الملوك الأوائل للأسرة الثامنة عشرة، ولكنه عمَّر فترة أطول من زميله. وقد بدأ خدمته العسكرية تحت حكم الملك أحمس الأول، واستمر فيها تحت حكم امنحوتب الأول ثم الملوك تحتمس الأول والثانى والثالث وتوفى وهو يحظى بتقدير تحتمس الثالث وحتشبسوت. وقد ترك نقوشاً تخلد غزواته والجوائز والمكافأت التى حصل عليها، وملخصًا موجزًا لسيرته. أنظر:

Breasted , ) 1927) ., pp.9-10.

([1]) Ibid., p.10, Paragraph 20.

([1]) Ibid .,p.5.

[1])) إيمان طه عبده طه شاهين، أورشليم من الإسكندر الأكبر حتى مرسوم ميلان، رسالة دكتوراه غير منشورة – كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 2016، ص ص 9- 14 .

([1]) Josephus, Bellum Iudaicum VI. 438; Antiquitates Iudaicarum I. 180:

ὁ δὲ πρῶτος κτίσας ἦν Χαναναίων δυνάστης ὁ τῇ πατρίῳ γλώσσῃ κληθεὶς βασιλεὺς δίκαιος· ἦν γὰρ δὴ τοιοῦτος. διὰ τοῦτο ἱεράσατό τε τῷ θεῷ πρῶτος καὶ τὸ ἱερὸν πρῶτος δειμάμενος Ἱερο-σόλυμα τὴν πόλιν προσηγόρευσεν Σόλυμα καλουμένην πρότερον.

أنظر :إيمان طه شاهين، المرجع السابق، ص12.

([1]) Philo, Legum Allegoria III.79ff:

καὶ Μελχισεδὲκ βασιλέα τε τῆςεἰρήνης – Σαλὴμ τοῦτο γὰρ ἑρμηνεύεται – <καὶ> ἱερέα ἑαυτοῦ πεποίηκεν
ὁ θεός

أنظر: إيمان طه شاهين، المرجع نفسه، ص11.

([1]) Genesis XlV.18-20

καὶ Μελχισεδεκ βασιλεὺς Σαλημ ἐξήνεγκεν ἄρτους καὶ οἶνον· ἦν δὲ ἱερεὺς τοῦ θεοῦ τοῦ ὑψίστου. καὶ ηὐλό-

γησεν τὸν Αβραμ καὶ εἶπεν Εὐλογημένος Αβραμ τῷ θεῷ τῷ ὑψίστῳ, ὃς ἔκτισεν τὸν οὐρανὸν καὶ τὴν γῆν,

 καὶ εὐλογητὸς ὁ θεὸς ὁ ὕψιστος, ὃς παρέδωκεν τοὺς ἐχθρούς σου ὑποχειρίους σοι. καὶ ἔδωκεν αὐτῷ δεκάτην ἀπὸ πάντων.

([1]) Ben Zeev, Miriam Pucci,"the Reliability of Josephus Flavius: the Case of Hecataeus`and Manetho`s Accounts of Jews and Judaism: Fifteen years of Contemporary research (1974-1990)",in Journal for the Study of Judaism in the Persian, Hellenistic, and Roman Period , vol.24,No.2(December 1993), pp.215-234.

([1]) Ben Zeev, M.P(1993)., p.226 and n.28.

([1]) Goodman,M.,"Manetho " in : E.Schurer, the History of the Jewrish People in the Age of Jesus Christ III.1(eds.G.Vermes,F.Millar, M.Goodman ), Edinburgh, 1986, p.595,apud Ben Zeev , M.P. loc..cit and n.29.

([1]) Ibid . and n .30.,referring to:

- Troiani, L.,"Sui Frammenti di Manetone nel Primo libro del Contra Apionem di Flavio Giusepp", Studi Classicie Orientali 24(1975), pp.97-126,pp.108-110 .

- Gabba,E.,(1986) La Palestina e gli ebrei negli storici classici fra il             VeilIII sec.a.C.", Rivista Biblica 34

---------(1989) , "The Growth of Anti-Judaism or the Greek Attitude Towards Jews", Cambridge History of Judaism,II, Camdridge- New York, pp.631- 632.

([1]) Troiani(1975) ., pp.103- 104.

([1]) Ben Zeev , M.P., (1993)., pp .229-230.

([1]) Josphus, C. Ap.I. 15,16, 103-105 :

ὅτι οἱ καλούμενοι ποιμένες ἡμέτεροι δὲ πρόγονοι τρισὶ καὶ ἐνενήκοντα καὶ τριακοσίοις πρόσθεν ἔτεσιν ἐκ τῆς Αἰγύπτου ἀπαλλαγέντες τὴν χώραν ταύτην ἐπῴκησαν…. κτλ.

([1]) Ibid., I. 26. 228:

….. προειπὼν τοὺς ἡμετέρους προγόνους πολλαῖς μυριάσιν ἐπὶ τὴν Αἴγυπτον ἐλθόντας κρατῆσαι τῶν ἐνοικούντων, εἶτ' αὐτὸς ὁμολογῶν χρόνῳ πάλιν ὕστερον ἐκπεσόντας τὴν νῦν Ἰου-δαίαν κατασχεῖν καὶ κτίσαντας Ἱεροσόλυμα τὸν νεὼ κατασκευάσα-σθαι

([1]) Ibid. I. 26. 228.

([1]) Josephus, Contra Apionem , I.26.234-235:

ἡσθέντα δὲ τὸν βασιλέα πάντας τοὺς τὰ σώματα λελω-βημένους ἐκ τῆς Αἰγύπτου συναγαγεῖν γενέσθαι δὲ τοῦ πλήθους μυριάδας ὀκτώ· καὶ τούτους εἰς τὰς λιθοτομίας τὰς ἐν τῷ πρὸς ἀνατολὴν μέρει τοῦ Νείλου ἐμβαλεῖν αὐτόν, ὅπως ἐργάζοιντο καὶ τῶν ἄλλων Αἰγυπτίων οἱ ἐγκεχωρισμένοι.

([1]) Ibid .I.26.26.237-238:

“τῶν δ' ἐν ταῖς λατομίαις ὡς χρόνος ἱκανὸς διῆλθεν ταλαιπωρούντων, ἀξιωθεὶς ὁ βασιλεύς, ἵνα [πρὸς] κατά-

λυσιν αὐτοῖς καὶ σκέπην ἀπομερίσῃ, τὴν τότε τῶν ποιμένων ἐρη-μωθεῖσαν πόλιν Αὔαριν συνεχώρησεν·…. καὶ τὸν τόπον τοῦτον [εἰς] ἀπόστασιν ἔχοντες ἡγεμόνα αὐτῶν λεγόμενόν τινα τῶν Ἡλιοπολιτῶν ἱερέων Ὀσάρσηφον ἐστήσαντο καὶ τούτῳ πειθαρχή-σοντες ἐν πᾶσιν ὡρκωμότησαν.

([1]) Ibid.I.26.240:

ἐκέλευσεν πολυχειρίᾳ τὰ τῆς πόλεως ἐπι-σκευάζειν τείχη καὶ πρὸς πόλεμον ἑτοίμους γίνεσθαι τὸν πρὸς Ἀμέ-
νωφιν τὸν βασιλέα.

([1]) Ibid.I.26.241:

αὐτὸς δὲ ….. ἔπεμψε πρέσβεις πρὸς τοὺς ὑπὸ Τεθμώσεως ἀπελαθέντας ποιμένας εἰς πόλιν τὴν καλουμένην Ἱερο-σόλυμα,….. ἠξίου συνεπιστρατεύειν ὁμοθυμαδὸν ἐπ' Αἴγυπτον.

([1]) Ibid.I.26.242-247.

([1]) Ibid.I.26.248-250:

250:

λέγεται δέ, ὅτι τὴν πολιτείαν καὶ τοὺς νόμους αὐτοῖς καταβαλόμενος ἱερεὺς τὸ γένος Ἡλιοπολίτης ὄνομα Ὀσαρσὶφ ἀπὸ τοῦ ἐν Ἡλιουπόλει θεοῦ Ὀσίρεως, ὡς μετέβη εἰς τοῦτο τὸ γένος, μετετέθη τοὔνομα καὶ προσηγορεύθη Μωυσῆς.  

([1]) Ibid.I.27.251:

λέγει δὲ ὁ Μανεθὼς πάλιν, ὅτι μετὰ ταῦτα ἐπῆλθεν ὁ Ἀμένωφις ἀπὸ Αἰ-θιοπίας μετὰ μεγάλης δυνάμεως καὶ ὁ υἱὸς αὐτοῦ Ῥάμψης καὶ  αὐτὸς ἔχων δύναμιν, καὶ συμβαλόντες οἱ δύο τοῖς ποιμέσι καὶ τοῖς μιαροῖς ἐνίκησαν αὐτοὺς καὶ πολλοὺς ἀποκτείναντες ἐδίωξαν αὐ-τοὺς ἄχρι τῶν ὁρίων τῆς Συρίας. ταῦτα μὲν καὶ τὰ τοιαῦτα Μανε-

θὼς συνέγραψεν. ὅτι δὲ ληρεῖ καὶ ψεύδεται περιφανῶς, ἐπιδείξω……  

([1]) Ibid.I.27.252:

δέδωκε γὰρ οὗτος ἡμῖν καὶ ὡμολόγηκεν ἐξ ἀρχῆς

([1]) Ibid.I.27.253.

([1]) Ibid.I.28-29,254-277.

([1]) ὁ δὲ καὶ μέχρι τῆς Συρίας ἀναιρῶν, φησίν, αὐτοὺς ἠκολούθησε διὰ τῆς ψάμμου τῆς ἀνύδρου, δῆλον ὅτι οὐ ῥᾴδιον οὐδὲ ἀμαχεὶ στρα-τοπέδῳ διελθεῖν.

([1]) Diodorus Siculus; Bibliotheca Historica XL.3.

1-3:

κατὰ τὴν Αἴγυπτον τὸ παλαιὸν λοιμικῆς περιστάσεως γενομένης ἀνέπεμπον οἱ πολλοὶ τὴν αἰτίαν τῶν κακῶν ἐπὶ τὸ δαιμόνιον· πολλῶν γὰρ καὶ παντο-δαπῶν κατοικούντων ξένων καὶ διηλλαγμένοις ἔθεσι χρωμένων περὶ τὸ ἱερὸν καὶ τὰς θυσίας, καταλελύ-σθαι συνέβαινε παρ' αὐτοῖς τὰς πατρίους τῶν θεῶν τιμάς….. εὐθὺς οὖν ενηλατου-μένων τῶν ἀλλοεθνῶν.

ὁ δὲ πολὺς λεὼς ἐξέπεσεν εἰς τὴν νῦν καλουμένην Ἰουδαίαν, οὐ πόρρω μὲν κειμένην τῆς Αἰγύπτου, παντελῶς δὲ

ἔρημον οὖσαν κατ' ἐκείνους τοὺς χρόνους. ἡγεῖτο δὲ τῆς ἀποικίας ὁ προσαγορευόμενος Μωσῆς, φρονήσει τε καὶ ἀνδρείᾳ πολὺ διαφέρων. οὗτος δὲ καταλαβόμενος τὴν χώραν ἄλλας τε πόλεις ἔκτισε καὶ τὴν νῦν οὖσαν ἐπιφανεστάτην, ὀνομαζομένην Ἱεροσόλυμα. ἱδρύσατο δὲ καὶ τὸ μάλιστα παρ' αὐτοῖς τιμώμενον ἱερόν.

([1]) Weddell (1940),pp. XVIII-XIX.

([1]) بدليل أن جوسيفوس قد استعان به, واقتبسه فى موضع آخر يتصل بفترة الصراعات بين قادة الإسكندر الأكبر بعد وفاته. لاسيما بين بطلميوس بن لاجوس وديمتريوس "قاهر المدن" ابن انيتجونوس الأعور فى معركة غزة عام 312ق.م وانتصار بطلميوس واستيلائه على فلسطين وتعامله مع اليهود، وهى أحداث كان هيكاتاوس الأبديري  شاهدًا عليها بحكم علاقته ببطلميوس الأول.

أنظر:

Josephus, Contra Apionem , I. 183-204.

([1]) Ibid. I. 27. 253:

…. καὶ ὅτι ἐκ τούτων οὐκ ἦν Μωυσῆς ὁ τὸν λαὸν ἀγαγών, ἀλλὰ πολλαῖς ἐγεγόνει γενεαῖς πρότερον.

([1]) الكسندر شارف: تاريخ مصر، ترجمة د. عبدالمنعم أبو بكر، القاهرة، 1960، ص 107. أنظر:

أحمد أمين سليم وسوزان عباس عبداللطيف: مصر منذ بداية عصر التأسيس وحتى بداية عصر الدولة الحديثة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية ،2008، ص 402.

([1]) Diodorus Siculus, I. 55. 5.  

([1]) Waddell (1940)pp .122- 123,note 1.

([1]) عن تواريخ حكم ملوك الأسرتين الثامنة عشر والتاسعة عشرة, أنظر:

       أحمد أمين سليم، وسوزان عباس عبداللطيف، المرجع السابق، ص ص 211-212 و242.

([1]) أنظر الحواشى أرقام 34، 35، 36، 37 أعلاه.

أدب المقاومة المصري ضد الاحتلال الأجنبي في العصرين البطلمي والروماني

بقلم أ.د. محمد عبد الغنى

أستاذ التاريخ والحضارة  اليونانية والرومانية بجامعة الإسكندرية

مقدمة: الملك نكتانيبو الثاني

تحررت مصر من ربقة الاحتلال الفارسي الذي جثم على أنفاسها منذ غزو الملك قمبيز بن قورش الأكبر لها عام 525 ق.م. بعد أن نجحت الثورة المصرية الثالثة ضد الحكم الفارسي بقيادة أميرتايوس الأصغر عام 404 ق.م. الذي ظل يحكم مصر لمدة خمس سنوات (404 – 399 ق.م.) شكّلت أصغر فترة حكم لأسرة حاكمة فرعونية هي الأسرة الثامنة والعشرين. وظلت مصر محافظة على استقلالها الذي انتزعته من الفرس حتى عام 343 ق.م. تحت حكم الأسرتين التاسعة والعشرين من منديس (399 – 379 ق.م.) والثلاثين من سمنود/ سيبانيتس (378 – 343 ق.م.). وقد تخلل فترة الاستقلال عن الفرس (404 – 343 ق.م) أربع محاولات من جانب الفرس لاسترداد مصر تحت سيادتهم، وقد فشلت هذه المحاولات ما عدا المحاولة الأخيرة التي قام بها الملك الفارسي أرتاكسركسيس الثالث (أوخوس) (359 – 338) الذي تمكن من هزيمة آخر ملوك الأسرة الثلاثين الفرعونية نكتانيبو الثاني([1]) (360 – 343) وأعاد الاستيلاء على مصر وأعاد السيادة الفارسية عليها لفترة قصيرة حتى عام 332 ق.م. حين دخلها الإسكندر الأكبر فاتحًا أو غازيًا دون قتال بعد تسليم الوالي الفارسي مازاكيس مفاتيح البلاد للقائد المقدوني المنتصر.([2])

من هذا المنطلق أصبح للملك نكتانيبو الثاني وضعٌ خاصٌ ومميزٌ في الوجدان الشعبي المصري القديم في الفترات اللاحقة إبان حكم البطالمة ثم الرومان باعتباره أخر (ملك مصري) يحكم البلاد؛ حيث صارت مصر بعد ذلك تحت حكم الملوك الفرس لمدة عقد تقريبًا (يمثلهم ولاتهم في مصر) ثم جاء الإسكندر الأكبر المقدوني وتلاه ملوك الأسرة الحاكمة البطلمية (323 – 30 ق.م.) ثم الأباطرة الرومان وولاتهم في مصر (30 ق.م. – 641 م.).

هذه الخصوصية وعوامل أخرى –سنتعرض لها بعد قليل- جعلت من نكتانيبو الثاني رمزًا للحكم المصري الخالص والاستقلال عن حكم الأجانب والروح الوطنية المصرية* التي تتأجج من حين لأخر حين تسوء الأوضاع في مصر أو ترتفع معنويات المصريين لإنجاز حققوه في ظل حكم حكامهم الأجانب. ورغم أن نكتانيبو الثاني قد هُزم على يد الملك الفارسي أرتاكسركسيس الثالث واضطر إلى الفرار والهرب إلى النوبة ونهاية عصر الأسرات المصرية الفرعونية إلا أن كل ذلك لم يحل دون تبوأه في الوجدان الشعبي المصري مكانة رفيعة. لعل مرد ذلك إلى أن هزيمته على يد الفرس لم تكن (هينة) سهلة المنال، وإنما حدثت بعد مقاومة شديدة منه تصدى فيها للفرس في المحاولة الأولى في عهده (على الأرجح في عام 352/ 351 ق.م.)([3])، وأنه في المعركة (المحاولة) الثانية للملك الفارسي ساهمت خيانة حاكم صيدا وأحد قادة المرتزقة الإغريق في جيش نكتانيبو –ومعه أربعة آلاف من جنوده- في إلحاق الهزيمة بالملك المصري عام 343 ق.م.

إن المصدر الذي يتناول تفاصيل ما حدث لنكتانيبو هو ديودور الصقلي في الكتاب السادس عشر من مؤلفه الضخم "المكتبة التاريخية". ورغم بُعد الشقة الزمنية بين ديودر الصقلي وفترة حكم نكتانيبو الثاني (قرابة ثلاثة قرون) إلا أن من المؤكد أن ديودور قد استعان بمصادر معاصرة أو قريبة من أحداث منتصف القرن الرابع ق.م. لاسيما إيفوروس. إن ديودور ومصادره في هذا الكتاب من مؤلفه يبرز انحيازه الواضح للعنصر اليوناني في الجيش المصري ممثلًا في المرتزقة الإغريق وقادتهم الذين كانوا في صفوف الجيش المصري كعنصر أساسي خلال فترة استقلال مصر عن السيادة الفارسية (404 – 343 ق.م.) والمحاولات المتكررة من الفرس لاستردادها. إنه ينسب كل فضل في هذا الصمود وفشل المحاولات الفارسية المتتالية وتحقيق الصمود والنصر على المحاولات الفارسية إلى براعة وحسن تخطيط وتنفيذ القادة الإغريق وجندهم المرتزقة، ويعزو كل قصور أو نقص أو إهمال إلى المصريين ملوكًا وقادة وجندًا ويرميهم ويفتري عليهم بأي نقيصة ويجردهم من كل فضلٍ – إلا لمامًا أو على استحياء([4])! فها هو مثلًا يشير    -في أكثر من موضع-  إشارات طفيفة إلى الانتصار الأول الذي تحقق على الفرس في عهد نكتانيبو الثاني: "وفي آسيا فإن ملك الفرس قام من قبل في الفترة المشار إليها بحملة ضد مصر بجحافل هائلة من الجند وأخفق، أما في الفترة التي نحن بصددها الآن فقد شن الحرب ثانيةً على المصريين وبعد أن نفذ بعض المنجزات الكبيرة بهمته وحيويته استرد مصر وفينيقيا وقبرص". هكذا حين انتصر نكتانيبو الثاني على جحافل الجيش الفارسي الهائلة لم يوصف هذا النصر المبين إلا بأن الملك الفارسي قد "أخفق، أو لم يحالفه الحظ ἀπέτυχε"! كما وصفت نفس هذه النتيجة في مواضع أخرى ببساطة على أنها "خسارة سابقة τὸ πρότερον ἐλάττωμα"، أو هزيمة سابقة τὸ προνενικῆσθαι دون وصف لملابساتها أو تعقيب عليها!([5])

ويمكن أن نوجز وقائع الأحداث التي أدت في النهاية إلى هزيمة الملك نكتانيبو الثاني على يد أوخوس ملك الفرس عام 343 ق.م. في الحرب الثانية بعد فشل محاولته الأولى عام 352/351 ق.م. في هذا الصدد يذكر ديودور الصقلي أن إخفاق أرتاكسركسيس الثاني (أوخوس) في محاولته الأولى لاسترداد مصر يعود إلى جبنه وعدم خبرة قواده، ولذلك احتقره المصريون([6]). ولكن عندما قلد الفينيقيون وملوك قبرص المصريين وأبدوا احتقارهم للملك الفارسي وبدأوا في الثورة عليه استبد به الغضب وقرر شن الحرب على من بدأوا الثورة عليه وتمردوا على حكمه، وصمم على أن يتولى القيادة بنفسه هذه المرة ولا يسندها إلى قواده. وأعد أرتاكسركسيس الثالث العدة للحرب من أسلحة ومؤن وعتاد، وحشد ثلاثمائة ألف من المشاة وثلاثين ألفًا من الفرسان وثلاثمائة سفينة قتال وخمسمائة سفينة إمداد. ((16.40.4-5. على الجانب الآخر قام أهل صيدا –الذين عانوا كثيرًا من ظلم وغطرسة الوالي الفارسي المقيم في صيدا وموظفيه- بعقد العزم على الثورة ضد الحكم الفارسي الجائر. وأرسل أهل صيدا سفراء إلى الملك المصري نكتانيبو الثاني الذي كان عدوًا للفرس وأقنعوه بقبول تحالفهم معه وبدأوا في الإعداد للحرب ((16.41.2-3 وقاموا بعدد من الأعمال العدائية ضد بعض المنشآت الملكية والإمدادات والموظفين الفرس في صيدا ((16.41.5-6.

وقد حصل تينيس –ملك صيدا الخاضع من قبل لسلطان الفرس- على إمدادات من الملك نكتانيبو الثاني تمثلت في أربعة آلاف من المرتزقة الإغريق بقيادة مينتور الرودي. وقد اشتبك في معارك –بهؤلاء المرتزقة وقوات المدينة- مع الولاة الفرس وانتصر عليهم وطردهم من فينيقيا([7]). وفي قبرص –حيث كان هناك تسعة ملوك للمدن الرئيسية في الجزيرة خاضعين لسلطة الملك الفارسي –أجمع ملوكها على الاقتداء بما فعله الفينيقيون بالتمرد والثورة على الحكم الفارسي وأعدوا العدة للحرب وأعلنوا استقلال ممالكهم. ((16.42.3-5

هكذا كان الوضع بين الجانبين قبيل المواجهة المباشرة بين الطرفين: الفرس من جهة، والمصريون والفينيقيون والقبارصة من جهة أخرى. أما ملوك قبرص فقد تكفل بهم طاغية كاريا إدريوس –الذي كان صديقًا وحليفًا بالوراثة لملوك الفرس– الذي أرسل إليهم قوة برية وبحرية كبيرة –خصوصًا ضد سلاميس أكبر مدن الجزيرة- وألقى في قلوبهم الفزع والرعب. (16.42.6-9).

نأتي الآن إلى بيت القصيد في هذا البحث –ونقصد به الملك نكتانيبو الثاني وحليفه الفينيقي تينيس ملك صيدا وموقف كل منهما من الفرس- لنرى أن ملك صيدا حين علم بأمر الحشود الفارسية الضخمة التي لا قبل له بمواجهتها آثر سلامته الشخصية τὴν σωτηρίαν ἰδίᾳ πορίζειν ἔκρινεν. على مصلحة وطنه ومواطنيه من أهل صيدا وبقية الفينيقيين. وعلى ذلك فقد وعد ملك الفرس –سرًا ودون علم أهل صيدا- أنه سوف يسلمه صيدا بالغدر والخديعة بل وسوف يؤازره في إخضاع مصر بحكم معرفته الدقيقة بطبوغرافية تلك البلاد ومواضع الرسو على نهر النيل، وهو الأمر الذي أسعد الملك الفارسي الذي وعده بالعفو عن تمرده وتقديم مكافآت سخية له إن هو أنجز تلك الوعود. ((16.43.1-3.

في الوقت ذاته أرسل الملك الفارسي أرتاكسركسيس الثالث وفودًا إلى أبرز المدن اليونانية يطلب منها الانضمام للفرس في حملتهم ضد المصريين ἀξιῶν συστρατεῦσαι τοῖς Πέρςαις ἐπ' Αἰγυπτίους. وقد لبت الدعوة كل من طيبة وأرجوس وبعض المدن اليونانية في آسيا الصغرى حيث أرسلوا نحو عشرة آلاف جندي يوناني للانضمام للجيش الفارسي. ومن جهة أخرى فإن تينيس ملك صيدا قد دبّر بقية خيوط مؤامرة تسليم صيدا بالغدر والخيانة مع مينتور الرودي قائد المرتزقة الإغريق الذين سبق أن أرسلهم إليه الملك المصري، حيث عهد إليه بحراسة قسم من المدينة وأن يتصرف بالتنسيق مع رفاقه لتسليم المدينة غدرًا([8]). ومن الجدير بالذكر أن هذا الخائن مينتور الذي ساهم في الغدر بمدينة صيدا قد نال حظوة كبيرة لدى الملك الفارسي وشكل دورًا مهمًا في غزو الفرس لمصر واسقاط حكم الملك نكتانيبو الثاني وكافأه الملك الفارسي بسخاء على دوره في كل تلك الخيانات.

(16.47.4; 49.7-8; 50.1-7).                                      

مما سبق ندرك أن (الخيانة) كانت القاسم المشترك الأكبر الذي أفضى في نهاية المطاف إلى هزيمة كل من الفينيقيين والمصريين أمام جحافل الجيوش الفارسية بقيادة أرتاكسركسيس الثالث (أوخوس) في حملته الثانية عام 343 ق.م. فقد غدر تينيس ملك صيدا –بالتآمر مع مينتور الرودي- بمدينة صيدا وأهلها الذين لم يكونوا على علم بغدر ملكهم واستعدوا استعدادًا مكثفًا لصد الهجمة الفارسية، إلا أن مليكهم سلّم الملك الفارسي مائةً من أبرز وجهاء المدينة من صفوة مستشاريه ونفذ فيهم ملك الفرس حكم الإعدام بوصفهم ممن حرضوا على الثورة على حكم الفرس. وفضلًا عن ذلك نفَّذ الملك حكم الإعدام كذلك في خمسمائة غيرهم من وجهاء المدينة أتوا إليه حاملين أغصان الزيتون وطالبين العيش في سلام، ولم يقبل الملك الفارسي بأقل من أن يسلمه ملك صيدا الخائن المدينة بنفسه لكي يلقنها درسًا قاسيًا ليلقي في قلوب أهلها الرعب لتصبح عبرةً لبقية المدن الفينيقية. وقد رضخ ملك صيدا –بالتواطؤ مع مينتور الرودي- لطلب الملك الفارسي وسمح له ولقواته بالولوج إلى داخل أسوار المدينة، "وهكذا وبهذه الخيانة الوضيعة -حسب وصف ديودور الصقلي- سُلِّمت صيدا لسلطان الفرس.

ἡ μὲν οὖν Σιδὼν διὰ τοιαύτης προδοσίας ὑποχείριος ἐγένετο τοῖς Πέρσαις. (16.45.4).

أما عن مصير تينيس ملك صيدا فحين اعتقد الملك الفارسي أنه لم يعد يُرجى منه نفع له أبعد من ذلك أعدمه!

ὁ δὲ βασιλεὺς ὑπολαβὼν τὸν Τέννην μηκέτι χρήσιμον ὑπάρχειν ἀνεῖλεν. (16.45.4).

وحين اكتشف أهل صيدا ما حل بمدينتهم من جراء الخيانة قاموا –قبل وصول الملك الفارسي- بإحراق كل سفنهم حتى لا يتسنى لأحد من مواطنيهم الإبحار سرًا للنجاة بحياته وسلامته. ولكنهم حين رأوا سقوط مدينتهم وأسوارها وهي تعج بعشرات الآلآف من الجند في جحافل هائلة أغلقوا منازلهم عليهم هم وأطفالهم ونساءهم وأشعلوا فيها ألسنة اللهب، ويُقال أن من قضوا نحبهم في هذه المحرقة –بمن فيهم خدم المنازل- قد تجاوز عددهم أربعين ألفًا. هكذا كانت نهاية الكوارث التي حلت بصيدا، أما بقية المدن الفينيقية فقد استبد بها الرعب والفزع واستسلمت للفرس([9]):

τὰ μὲν οὖν κατὰ Σιδῶνα συμβάντα δυστυχήματα τοιαύτην ἔσχε τὴν καταστροφήν, αἱ δ' ἄλλαι πόλεις καταπλαγεῖσαι προσεχώρησαν τοῖς Πέρσαις. (16.45.6).

وبعد أن فرغ الملك الفارسي من أمر صيدا والمدن الفينيقية، وبعد أن وصلته إمدادات  بقوات إضافية من حلفائه من طيبة وأرجوس والمدن اليونانية في آسيا الصغرى حشد كل جيشه الضخم –من فرس وإغريق- وتقدم نحو مصر. وحين اقترب من مدينة بيلوزيون في أقصى شمال شرق الدلتا آنذاك (عند مصب الفرع البيلوزي للنيل في البحر المتوسط) عسكر الملك الفارسي وقواته من الفرس على مسافة أربعين ستاديون (إلى الشرق) من المدينة، في حين جعل حلفاءه الإغريق على تخوم المدينة. ويروي ديودور الصقلي "أن المصريين كان لديهم متسع من الوقت من قبل للاستعداد للحرب، وأنهم كانوا قد حصَّنوا جيدًا كل مصبات النيل ولاسيما المصب القريب من بيلوزيون لأنه كان من أول تلك المصبات (من جهة الشرق) وأفضلها موقعًا".

οἱ δ' Αἰγύπτιοι, δεδωκότων αὐτοῖς τῶν Περσῶν πολὺν χρόνον εἰς τὴν παρασκευήν, πάντα μὲν τὰ στόματα τοῦ Νείλου καλῶς κατεσκευακότες ὑπῆρχον, μάλιστα δὲ τὸ πρὸς τῷ Πηλουσίῳ διὰ τὸ πρῶτον εἶναι τοῦτο καὶ μάλιστα κείμενον εὐκαίρως.

ومن اللافت للانتباه أن الملك الفارسي حين قام بتوزيع وتنظيم جيشه وحلفائه حول المدينة قسَّم الجيش اليوناني المتحالف معه والملاصق للمدينة إلى ثلاثة أقسام (فرق) على رأس كل منها قائد يوناني ومعه ضابط فارسي رفيع المقام ومشهود له بالبسالة والإخلاص([10])، وكان في الصف الأول الطيبيون ومن بعدهم فرقة من أهل أرجوس، أما الفرقة الثالثة فتألفت من المرتزقة الإغريق تحت قيادة مينتور الرودي الذي غدر بأهل صيدا من قبل كما غدر بالملك نكتانيبو الثاني وانضم لأعدائه الفرس. إذًا كان الإغريق من حلفاء الفرس في مقدمة صفوف القتال، أما الملك الفارسي وبقية جيشه (من الفرس) فقد جعلهم الملك بمثابة قوات الاحتياط للعملية بأكملها"([11]).ويقرر ديودور –نقلًا عن مصادره الأقدم- أن نكتانيبو (الثاني) لم يصبه القنوط من جراء الحشود الضخمة من الأعداء ولا الوضع العام للقوات الفارسية على الرغم من أن قواته كانت أقل بكثير من قوات خصومه. ويخلص ديودور إلى أنه على الرغم من الاستعدادت المكثفة للحرب من جانب المصريين فإن الملك المصري سرعان ما لقى هزيمة ثقيلة بسبب سوء تقديره.([12]) ويتضح انحياز ديودور الصقلي ومصادره للإغريق على حساب المصريين حين يقرر أن سبب هزيمة الملك المصري في هذه المواجهة هو افتقاره إلى الخبرة القتالية كقائد وهزيمة الفرس على يديه من قبل في الحملة السابقة (ربما يقصد أن الانتصار السابق للملك المصري قد أصابه بالغرور). ويستدرك فيقول أن الفضل في انتصاره الأول يعود إلى قادة جيشه من الإغريق ممن تميزوا وتفوقوا في الشجاعة والحصافة والفطنة في فن الحرب مثل ديوفانتوس الأثيني ولاميوس الإسبرطي، ويرجع إليهما الفضل في انتصاراته في كل المجالات([13]). إن مثل هذه اللهجة الاستعلائية التي تمجد قادة المرتزقة الإغريق ودورهم في الجيش المصري –على مدى فترة الاستقلال المصري عن السيادة الفارسية 404 – 343 ق.م.- وتحط من قدر الملوك والقادة المصريين في عنصرية سافرة([14]) تتضح بجلاء في حديث ديودر عن تلك الفترة من تاريخ مصر.

إن ديودر يتغاضى –عن عمد فيما يبدو- عن أن هؤلاء المرتزقة الإغريق في الجيش المصري إبان هذه المعركة الأخيرة هم من ورَّط الملك المصري نكتانيبو في الهزيمة الثقيلة. وبيان ذلك أن أحد قادة هؤلاء المرتزقة في الجيش المصري ويُدعى كلينيوس من جزيرة كوس قد خاض معركةً حامية الوطيس –حسب وصف ديودور– ضد الإغريق المحاربين في الجيش الفارسي ممن قاتلوا بصورة رائعة ونجم عن هذه المعركة مقتل هذا القائد كلينيوس وخمسة آلاف من رجاله السبعة آلاف- هذا الأمر أصاب الملك المصري بالفزع وجعله يسرع مع بقية جيشه للدفاع عن مدينة منف مخافة أن تسقط في يد جحافل الفرس وحلفائهم([15]): ويواصل ديودور -أو بالأحرى مصادره القديمة التي نقل عنها وتحمس لروايتها- نهجه المنحاز للإغريق بالقول بأن القوة المكلفة بحماية بيلوزيون ضد الهجوم الفارسي والمتحصنين في حاميتها –وهم من المرتزقة الإغريق- قد صدوا القوات الفارسية وحلفاءهم من الإغريق بجسارة، ولكنهم عندما علموا بانسحاب الملك المصري إلى منف انتابهم الذعر وأرسلوا سفراء منهم لترتيب تسوية (استسلام) لبني جلدتهم الإغريق في الجيش الفارسي، لاسيما أن الأخيرين وعدوهم بالعفو عنهم وإعادتهم إلى موطنهم في اليونان محمَّلين بكل ما استطاعوا حمله من مصر، وهو ما أغرى هؤلاء المرتزقة الإغريق المدافعين عن حامية بيلوزيون بتسليمها للفرس([16]). إن حجة أن انسحاب الملك نكتانيبو الثاني إلى منف للدفاع عنها هي ما دفع المرتزقة الإغريق لتسليم حامية بيلوزيون للفرس ما هي إلا ذريعة واهية لخيانة وانتهازية صريحة من جانب هؤلاء المرتزقة، لاسيما أنهم لن يخسروا شيئًا كما رأينا. وأخيرًا في مسلسل الخيانة الإغريقي للملك نكتانيبو يعود إلى الواجهة مرة أخرى ذلك الخائن من المرتزقة الإغريق مينتور الرودي الذي سبق أن بعث به الملك نكتانيبو لمساعدة أهل صيدا في الثورة على الحكم الفارسي، فخان –هو وملك صيدا تينيس- قضية المدينة كما رأينا. هذا الرجل الذي تمتع بحظوة كبيرة لدى الملك الفارسي عاد إلى مصر –التي يعرفها جيدًا- هذه المرة كأحد قادة الإغريق في الجيش الفارسي ولعب دورًا مهمًا في الدعاية للملك الفارسي وزعزعة الروح المعنوية للمدافعين عن المدن المصرية حتى استسلمت العديد منها للفرس([17]): ولما رأى الملك المصري –وهو في منف- ميل المدن إلى التسليم للفرس وخيانته لم يجرؤ على المخاطرة بخوض معارك للدفاع عن عرشه، لذا فإنه فقد الأمل في الحفاظ على مُلكه وحمل معظم مقتنياته وفرَّ إلى أثيوبيا([18]). وكوفئ قائد المرتزقة الخائن مينتور الرودي بأن عينه الملك الفارسي القائد الأعلى على المناطق الساحلية من آسيا الصغرى حيث ظل خادمًا مطيعًا للملك الفارسي. (16.50.1-7).

 من مجمل العرض السابق –رغم التحيز الواضح من ديودور ومصادره للإغريق على حساب المصريين وملكهم- ندرك أن هزيمة آخر ملوك الأسرة الثلاثين في مصر الفرعونية نكتانيبو الثاني (360 – 343 ق.م) لم تكن في الأساس عن ضعف منه أو لقلة حيلته وعدم أخذه بالأسباب، بل نجمت في المقام الأول عن خيانة وخذلان عناصر المرتزقة الإغريق في جيشه، ومن انقلب منهم عليه من قبل وانضم للجانب الفارسي مثل مينتور الرودي.

إذا كانت هذه هي الصورة التي وصلتنا من مصدر غير محايد في رواية أحداث تلك الفترة من التاريخ المصري وهو ديودور الصقلي ومصادره الأقدم، فما بالنا بالمصريين من شهود الحدث ومعاصريه وأجيالهم اللاحقة! لابد أن المصريين قد أدركوا من مجريات الأحداث آنذاك أن ملكهم الوطني لم يقصِّر في الذود عن حياض البلاد وبذل كل ما في وسعه من جهد للحفاظ على استقلال البلاد واستمرار الحكم الوطني الذي انتُزع انتزاعًا من براثن الفرس. ولابد أن جموع المصريين قد أيقنوا كمَّ الخديعة والخيانة التي تعرض لها مليكهم من أطراف متعددة مما أفضى إلى هزيمته وفراره الحتمي. لذلك لم تهتز صورة آخر ملوكهم الوطنيين في وجدانهم بل احتفظوا له –رغم هزيمته وفراره- بصورة الملك النبيل الغيور على وطنه وإن خذلته أمور قاهرة كما رأينا.

يبقى القول أنه في ظل عودة الحكم الفارسي المتغطرس إلى مصر –بعد عقود من الحرية والحكم الوطني- انتقم الفرس شر انتقام من مصر والمصريين وعلى رأسهم كهنة المعابد المصرية لوضعهم المتميز على مدى تاريخ مصر القديم. فبعد هزيمة الملك نكتانيبو وفراره "استولى الملك أرتاكسركسيس (الثالث) على مصر بأسرها وهدم أسوار أبرز وأهم مدنها وقام بنهب معابدها وحصل منها على مقدار هائل من الذهب والفضة ونقل السجلات المقدسة للمعابد بعيدًا، ثم أعادها باجواس (أحد قادة الفرس البارزين المقربين من الملك في تلك الحملة وكان ينسق العمل مع مينتور الرودي) لاحقًا للكهنة المصريين نظير دفع مبالغ ضخمة كفدية"([19]).

 ولم يقف أوخوس عند هذا الحد من الوحشية والإهانة في التعامل مع المصريين بل تجاوز ذلك إلى ضرب مقدسات المصريين في الصميم وإهانة معبوداتهم. إن المؤرخ وكاتب السير بلوتارخ يصف هذا الملك الفارسي الفظ بأنه أكثر ملوك الفرس قسوةً وترهيبًا: καὶ γὰρ τὸν ὠμότατον Περσῶν βασιλέα καὶ φοβερώτατον Ὦχον حتى أنه أعدم الكثيرين، وأخيرًا ذبح (العجل المقدس) أبيس وجعله وجبة عشاء له وأصدقائه، ولذا أطلق عليه المصريون لقب "السيف" ولا زالوا يطلقون عليه هذه التسمية حتى يومنا هذا في قائمة ملوكهم ... ليشبهوه –في عناده وشروره- بأداة القتل هذه" ويذكر في موضع آخر من نفس المؤلف أن المصريين "نظرًا لكراهيتهم لأوخوس أكثر من أي ملك فارسي آخر أطلقوا عليه لقب (الحمار)،  وعلّق هو على ذلك بقوله: "هذا الحمار سوف يقيم وليمة على عجلكم"([20]).

ولحسن حظ المصريين لم تطل فترة الاحتلال الفارسي بعد إعادة احتلالها من جانبهم عام 343 ق.م.، إذ قضى الإسكندر الأكبر بعد إحدى عشر عامًا على الحكم الفارسي في مصر عام 332 ق.م.، وبعدها بعامين أسقط تمامًا الإمبراطورية الأخمينية الفارسية وأخر ملوكها داريوس الثالث عام 330 ق.م. في هذا المناخ المُشبَّع بالنفور والكراهية من جانب المصريين تجاه الحكم الفارسي وصل الإسكندر الأكبر المقدوني (356 – 323 ق.م.) إلى مصر بعد انتصاراته المدوية على الفرس ومليكهم داريوس الثالث عامي 334 و 333 ق.م.، وبعد أن أخضع مدن الساحل الفينيقي والفلسطيني (لاسيما صور وغزة) بعد مقاومة عنيدة. ويركز المؤرخون لحملة الإسكندر –من اللاحقين الذين استقوا معلوماتهم من المصادر الأقدم المعاصرة- على أن فتح الإسكندر الأكبر لمصر قد جاء بصورة سلمية ودون أية مخاطر:  παρῆλθεν εἰς Αἴγυπτον καὶ παρέλαβε πάσας τὰς ἐν αὐτῇ πόλεις χωρὶς κινδύνων·  ويستطرد ديودور الصقلي في نفس الموضع ليبرر هذا الدخول الآمن المطمئن للإسكندر بالقول: "وذلك لما اقترفه الفرس من آثام وخطايا بحق المعابد وحكمهم العنيف للبلاد، لذا رحّب المصريون بالمقدونيين"([21]) ويتفق كوينتوس كورتيوس مع ديودر الصقلي في هذا الطرح والتفسير.([22])        

من هنا لعب الإسكندر الأكبر على وتر الدين الحساس عند المصريين وبمجرد أن وصل إلى منف قدم الأضحيات للآلهة هناك -خصوصًا أبيس- وأقام مسابقات رياضية وموسيقية شارك فيها مشاهير الرياضيين والموسيقيين من بلاد اليونان([23]). إن ذكر أبيس هنا على وجه التحديد وصراحةً له دلالة ذات مغزى حيث أن ذلك المعبود الذي سبق أن أهانه وسخر منه ملوك الفرس من قبل خصوصًا أولهم قمبيز أرتاكسيركسيس الثالث قبل فترة قصيرة. لقد عمد الإسكندر –على الأرجح- أن يكسب مشاعر المصريين لصفه من أقصر طريق. وقد كرر الإسكندر نفس المنافسات الرياضية والموسيقية ثانية في منف –بعد عودته من رحلته الشهيرة لمعبد وحي آمون في سيوه- حيث أقام موكبّا بقواته بأسلحتها بعد أن قدم الأضحيات لزيوس الملك([24]).

  • نكتانيبو الثاني في السيرة الشعبية للإسكندر الأكبر Alexander Romance

إذا ما ربطنا بين هذه الأحداث المتعاقبة في مخيلة المصريين في تلك الحقبة التاريخية الممتدة بين سقوط آخر الملوك المصريين الوطنيين نكتانيبو الثاني آخر ملوك الأسرة الثلاثين وفتح الإسكندر الأكبر لمصر وتخليصها من حكم الفرس ثم اسقاط الأسرة الحاكمة الفارسية الأخمينية بعد قليل لأدركنا مدى تأثير ذلك على مشاعر المصريين التي ألهبت خيالهم. فقد كان جليًا للمصريين أن آخر ملوكهم لم يُهزم عن ضعف أو تخاذل بل أدى كل ما في وسعه للحفاظ على الحكم الوطني المصري، ولكن ساهم الغدر والخيانة من أطراف عديدة داخلية وخارجية في الإطاحة بجهوده. وشاهد المصريون بأم أعينهم مقدار الإهانة والإذلال وشهوة الانتقام الوحشي الذي تعرضوا له –هم وعقائدهم ومعابدهم- على يد الملك الفارسي المنتصر، وأهاجت مشاعرهم إهانات الفرس لهم منذ غزو قمبيز لمصر. وفي الختام –وتشفيًا وثأرًا من كل فظائع وأهوال الفرس– استقبل المصريون الإسكندر الأكبر بكل حفاوة وترحاب، ورد هو بدبلوماسية بارعة على ذلك الاستقبال ورد التحية بأحسن منها كما رأينا واحترم عقائد المصريين –وهو بيت القصيد- فحظي بمكانة مرموقة في قلوبهم حين بشَّر بأفكار إنسانية عالمية أرحب من الأطر الضيقة التي درج عليها الإغريق من تقسيم العالم بين إغريق متحضرين وبرابرة أقل شأنًا ورقيًا. كما كان لاعتقاد الإسكندر بأنه من نسل إلهي مقدس وليس بشرًا عاديًا وترسيخ كاهن الإله آمون في سيوة لهذا الاعتقاد حين خاطب الإسكندر على أنه ابن آمون (زيوس) أثرٌ كبيرٌ في إضفاء الصفات الخارقة على الإسكندر في أذهان المصريين، وفي تصويره على أنه أداة الانتقام المقدس لهم من طغيان وإهانات الفرس الذين أنهوا حكم آخر ملوكهم الوطنيين (نكتانيبو الثاني).

من هنا لا يبدو غريبًا أن تشتعل قريحة المصريين وخيالهم الوطني لتوجد رابطةً من نوع ما بين آخر ملوكهم الوطنيين وبين الإسكندر الأكبر. من هنا بدأ أدب المقاومة المصري الوطني الذي يرفض الاعتراف بهزيمة المصريين أمام الملك الفارسي أوخوس، ويرى أن هذه جولة سيعقبها جولات ينهزم فيها الفرس على يد الإسكندر (ابن) نكتانيبو!!

أما عن هذه الرابطة بين أخر ملوك مصر من الفراعنة (نكتانيبو الثاني) وبين الإسكندر الأكبر المقدوني فتتجلى بوضوح في السيرة الشعبية عن حياة ومنجزات الإسكندر والتي تعرف في المراجع الحديثة Alexander Romance وتنسب بشكل غير صحيح إلى كالليسثنيس (ابن أخت المُعلم الأول أرسطوطاليس، وهو مؤرخ وكاتب رافق الإسكندر في حملاته في الشرق، وأُعدم بعد رفضه السجود للإسكندر الذي طالب بتأليه نفسه كما كان يفعل ملوك الفرس). وقد أُطلق على هذه السيرة الشعبية غير مؤكدة النسبة "سيرة حياة الإسكندر Life of Alexander" ونسبت زورًا إلى كالليسثنيس Pseudo- Callisthenes. من خلال القرائن والإشارات الخارجية في هذا النص الملحمي الشعبي يمكن القول أن أقدم نسخة منقحة وصلتنا من هذا العمل تعود للقرن الثالث الميلادي([25]). أما عن طبيعة هذا العمل فإنه سرد تاريخي زائف Pseudo يتخلله أدب مراسلات روائي عبارة عن مراسلات غير حقيقية بين الإسكندر الأكبر وداريوس الثالث أخر ملوك الفرس الأخمنيين. أما عن توليفة عناصر هذا العمل الملحمي الشعبي فإنها تجمع بين عدة عناصر تراكمت على مر القرون ابتداءً من عصر خلفاء الإسكندر المباشرين Diadochoi وعلى مدى الفترة الهيللينستية. وإحدى مكونات هذه الجديلة (الضفيرة) الملحمية هو المكوِّن المصري الذي يقدم أخر الفراعنة المصريين –نكتانيبو الثاني- كفاعل بارز في الأحداث([26])، ويضيف تفاصيل مثيرة وطريفة عن الإسكندرية، وهو الأمر الذي يعنينا في سياق هذا البحث (أقصد الدور البارز لنكتانيبو الثاني في هذه السيرة). هذا الذكر المتكرر للإسكندرية بظرف المكان "هنا" وإلى مصر "هذا البلد" –لاسيما في الكتابين الأول والثاني من العمل- جعل فريزر يميل إلى ترجيح أن مصر والإسكندرية هما مكان وأصل النسخة اليونانية من هذه السيرة الشعبية للإسكندر، لاسيما وأن الأجزاء المشار إليها تفيض مديحًا لمصر وتتسم بصبغة مصرية.([27])

ها هو الفصل الأول من الكتاب الأول من هذه السيرة الملحمية للإسكندر الأكبر يبدأ على النحو الآتي: "إن المصريين الذين بلغوا ذروة الحكمة، أحفاد ونسل الآلهة، قد قاموا بقياس الأرض وتهدئة أمواج البحر، وحددوا مجرى نهر النيل، وعينوا مواضع المجرات في السماء، وأهدوا العالم المسكون القوة وقدرة العقل واكتشاف فن السحر. إذ يقولون أن نكتانيبو –أخر ملك لمصر- الذي فقدت مصر مجدها العظيم من بعده- قد فاق كل البشر في استخدام السحر، إذ استطاع بصوابه ورشده إخضاع كل عناصر الكون لنفسه"([28]) إن هذه البداية الموحية للعمل تُعد إرهاصًا إيجابيًا وبشيرًا بموقف متعاطف ومدافع عن مصر وحضارتها حتى بعد أن زالت عنها قوتها ومجدها الغابر بعد سقوط أخر ملوكها الوطنيين نكتانيبو الثاني. إن ذكر نكتانيبو منذ بداية العمل مؤشر إلى أنه سيُفرد له حديثًا مفصلًا نسبيًا ينصفه فيه رغم هزيمته أمام الفرس، ويروج له على أنه سيعود شابًا إلى مصر ويثأر لها! وتتواصل السيرة الشعبية في هذه الجزئية لتطلعنا على أن الملك نكتانيبو – رغم براعته في فنون السحر الذي سخَّر به قوى الطبيعة لمصلحته وهزم به خصومه بغير قتال– اكتشف في أواخر فترة حكمه في مصر تكالب أمم كثيرة مختلفة الأجناس والأعراق على عرشه في مصر، كما "اكتشف خذلان آلهة مصر له وانحيازها إلى أعداءه، وعندها قام بحلاقة شعر رأسه وذقنه لكي يتخفى وملأ عباءته بكل ما أمكنه أن يخفيه من الذهب وفرَّ من مصر عبر بيلوزيون"، وبعد أن طوَّف بأمم كثيرة وصل إلى بيللا في مقدونيا([29]). وهناك ارتدى رداء من الكتان كعرَّاف ومنجم مصري واتخذ مجلسه في ميدان عمومي ليسدي النصح لكل من يدنو منه.

أما في مصر فإن المصريين حين اختفى نكتانيبو قرروا استشارة جد الآلهة هيفايستوس (بتاح عند المصريين) لمعرفة ما حدث لملك مصر. وكانت إجابة وحي الإله كما يلي "إن الملك الذي فرَّ من مصر، ذلك الحاكم العظيم القوي المُسِّن سوف يعود بعد حين إلى سهول مصر فتيًا، وقد نضا عن نفسه هيئة الشيخوخة؛ وبعد أسفاره في كل أرجاء العالم سيمنحكم النصر على أعداءكم"([30]). وحين نطق وحي الإله بهذه الإجابة لم يفقهوا معناها، ولكنهم دونوها كسجل على قاعدة تمثال نكتانيبو شعرًا عسى أن تتحقق نبؤة الوحي في وقت ما في مكان ما.

 وقد حظي نكتانيبو باحترام كبير في مقدونيا حتى لقد وصلت شهرته وسمعته إلى أوليمبياس (زوجة فيليب الثاني ملك مقدونيا) التي رغبت في مقابلته ودعته إليها في الوقت الذي كان فيه زوجها فيليب غائبًا في ميدان القتال. وقد توجه إلى القصر "ورأى أن جمالها أكثر إشراقًا من القمر، وهو الذي لم يكن يكترث كثيرًا بالنساء"

ἰδὼν αὐτῆς τὴν εὐμορφίαν τῆς σελήνης διαφορωτέραν, ἄλλως καταφερὴς εἰς τὰς γυναῖκας τυχών, ….

وقد حياها نكتانيبو تحية طيبة وخاطبها ب"ملكة المقدونيين ‘Χαίροις Μακεδόνων βασίλεια’ فاستقبلته بقبول حسن وحيته وأجلسته بجوارها ودار بينهما حديث ودي عن أصله المصري وسألته عن أنواع العرَّافة والوحي والنبؤات التي يجيدها، والسحر والتنجيم الذي يمارسه. وحين حدَّق فيها بعين فاحصة سألته الملكة عن سبب ومغزى ذلك فأجابها "إنني أتذكر يا مليكتي نبؤةً، فقد سمعت من آلهتي: لسوف تُطلق نبؤةً لملكة وسوف تظهر حقيقة ما تفوهت به"

‘Ὑπομνησθεὶς χρησμοῦ βασίλισσα· ἤκουσα γὰρ ὑπὸ τῶν ἰδίων θεῶν ποτε, ὅτι βασιλίδι σε δεῖ σκέψασθαι καὶ ἅπερ λέγεις ἀληθῆ εὑρεθῆναι.

من هنا بدأت العلاقة بين أوليمبياس والساحر العرَّاف المصري (الملك نكتانيبو المتخفي على هذه الشاكلة) تتوطد لكي تتعرف على مصيرها ومستقبلها من هذا العرَّاف القدير الذي شرع في استخدام ما لديه من أدوات وطرق السحر والعرَّافة. وبدأت أوليمبياس تطرح على نكتانيبو ما يشغلها من تساؤلات تخص علاقتها بزوجها الملك فيليب (الثاني). فقد طرحت على العرَّاف المصري سؤالًا عن أخبار فيليب، إذ وصلت إلى مسامعها شائعات بأنها سوف يهجرها بعد أن يفرغ من الحرب ويتزوج بامرأة أخرى. وردَّ عليها نكتانيبو بأن الشائعة المتعلقة بالانفصال الفوري عنها غير صحيحة، وإن كان ذلك سوف يقع بالفعل بعد حين، لكنه طمأنها "بأنه كعرَّاف وساحر مصري يمكن أن يكون عونًا كبيرًا لها عندما يحتاج الأمر لتدخله، وأن ما أملته المقادير لها –حسبما يتبين من ساعة مولدها التي أخبرته هي بها- أنها سوف تلتقي بإله ولد من رحم الأرض وأنه سوف يحتضنها (يجامعها) وسوف تحمل منه ابنًا ينتقم لها من خطايا وآثام فيليب، وأن هذا الإله هو إله ليبيا ذو القرنين وجالب الثروة آمون":

πλὴν δύναμαί σοι ὡς Αἰγύπτιος προφήτης <καὶ> μάγος εἰς πολλὰ βοηθὸς γενέσθαι, ὅταν μου <ἐπὶ> πράγει τοιούτῳ χρεία γίνηται. τὸ γὰρ νῦν εἵμαρταί σοι, καθ' ἣν τέθεικές μοι σαυτῆς γένεσιν, θεῷ ἐπιγείῳ συνελθεῖν καὶ ἐξ αὐτοῦ σύλληψιν ἔχειν καὶ παιδοποιηθῆναί σοι ἔκδικον γενόμενον τέκνον τῶν ὑπὸ Φιλίππου γενομένων ἁμαρτημάτων…..

‘Ὁ τῆς Λιβύης κεραὸς πλουτηφόρος Ἄμμων.

ولما استفسرت منه عن مواصفات ذلك الإله الذي سيجامعها أخبرها أنه متوسط العمر، أشيب الشعر وله قرون كبش فوق معابده، وأن عليها أن تتهيأ لهذا اللقاء كامرأة وملكة مقبلة على الزواج. وأخبرها بأنها سوف ترى الإله في المنام أولًا، وأوصاها بأن تكون نفسها (كامرأة) وأن تضع جانبًا مقامها الملكي لأن الإله سوف يجامعها في المنام. وردت أوليمبياس بأنها إن رأت ذلك فإنها ستبجل نكتانيبو وتنزله منزلة الإله لا العرَّاف أو الساحر.([31])

بعد هذا اللقاء ذي الدلالات والمغزى –كما توحي هذه السيرة الشعبية- بدأ نكتانيبو –الساحر- يعد للموقف الجديد بكل ما أوتي من براعة وتفوق في فنون السحر حتى تحقق له ما أراد من ظهور آمون لأوليمبياس في المنام ومضاجعته إياها ثم نهض بعدها قائلًا: "سيدتي إنك تحملين في رحمك من ينتقم لكِ"([32]) ‘Γύναι, κατὰ γαστρὸς ἔχεις σὸν ἔκδικον γινόμενον. وعندما استيقظت أوليمبياس من نومها كانت مندهشة من تحقيق النبؤة وأخبرت العرَّاف (نكتانيبو) بذلك وأعربت عن رغبتها في مجامعته وهي مستيقظة وفي وضح النهارὥστε με καὶ βούλεσθαι γρηγοροῦσαν αὐτῷ κοινωνεῖν καθ' ἡμέραν. وتعجبت كيف يفوته هذا الأمر، وطلبت منه ترتيبه، وأخبرها أنه لم يفته شيء وإنما كان ينتظر أن يكون الأمر برغبتها وإقرارها. وأخذ يعد للأمر عدته. وشرح للملكة أن الحلم شيء وتحقيق ذلك في الواقع أمر آخر. وأفادها بأن تحقيق ذلك الأمر يقتضي أن يشغل غرفة صغيرة مجاورة لغرفة نومها حتى لا ترتعب الملكة حين يدنو منها الإله لأنه (العرَّاف نكتانيبو) سيقدم لها حينئذ العون بتعاويذه: لإن الإله سيتجلى أولًا في هيئة ثعبان زاحف على الأرض ويصدر فحيحًا ثم يتحول إلى آمون (الكبش) ذي القرون ثم إلى هيراكليس العظيم ثم إلى ديونيسوس وأخيرًا يأتي كإله في صورة بشرية وسوف يبدو على شاكلتي (على شاكلة نكتانيبو): (مغزى هذه العبارة الأخيرة مهم في سياق الأحداث)

εἶτα συνελθὼν ἀνθρωποειδὴς θεὸς ἐμφανίζεται τοὺς ἐμοὺς τύπους ἔχων.([33])

وقد سمحت له أوليمبياس بغرفة مجاورة لمخدعها، ودبر نكتانيبو الأمور بسحره على النحو سالف الذكر وبالتحولات المزعومة للإله في صوره المختلفة وتهيأت أوليمبياس للأمر تمامًا ولم تعد ترتاع من تلك التحولات المتوقعة –التي أُحيطت بها علمًا- وصرفت كل المحيطين بها من الحاشية، واسترخت في مخدعها وغطت وجهها ورأته (الإله المزعوم في صورته البشرية) بطرف عينها بنفس مظهره الذي ترآى لها في الحلم، فارتقى إلى مخدعها وأدار أوليمبياس ناحيته وجامعها. وحين نهض من فوقها مسَّ بطنها برفق قائلًا: "أيها الطفل ستبقى دومًا عظيمًا لا تُقهر"([34]) (لتبق أيها المَنيُ لا تُقهر ولا تخضع)  ‘Σπέρματα ἀνίκητα καὶ ἀνυπότακτα διαμείνατε.

(وحين حلَّ الصباح نهضت أوليمبياس وأخبرت العرَّاف الساحر (نكتانيبو) بما حدث وأن كلماته قد تحققت، وتساءلت منه عما إذا كان الإله لن يأتي ثانيةً ليضاجعها، وأنها تتوق إليه كزوجة ليجامعها وأنها استعذبت لقاءه بشغف. "وقد سُرَّ نكتانيبو وطرب أن الملكة قد وقعت في غرامه"، وأبلغ الملكة بأنه عرَّاف الإله واستأذنها في أن تسمح له بالبقاء حيث هو (في غرفته المجاورة لمخدع الملكة) حتى لا يزعج أو يحبط أحدًا، وأنه سوف يقوم بالتطهير التقليدي المصاحب والمطلوب لمجيء الإله. ووافقت أوليمبياس وأعطته مفتاح الغرفة. وحين فعل ذلك سرًا أصبح يأتي إليها كلما اشتهت أوليمبياس مجيئه. وكانت أوليمبياس تفصح عن رغبتها مقدمًا عن طريق العرَّاف، وكان هو يجامع الملكة –كالمعتاد- مع الإيحاء بأنه الإله آمون)- هذا الجزء من النص موجود في الفصل السابع نفسه من النسخة الأرمينية([35]) من سيرة الإسكندر الشعبية، وغير موجود بالنسخة اليونانية.

وحين كبرت بطن أوليمبياس مع الحمل وخشيت من رد فعل فيليب الغاضب العنيف حين يعود من حربه فيجدها حاملًا طمأنها العرَّاف المصري (نكتانيبو) بأن الإله آمون سوف يساعدها ويلقي في روع فيليب أن زوجته قد حملت من إله وأن الجنين نسل مقدس، وهو ما تم بفعل سحر نكتانيبو.([36]) وتمضي تلك السيرة الشعبية لتقول أن فيليب لم يكن يُزمع تنشئة المولود الجديد (الإسكندر) بعد ولادته، لأنه ليس ابنه، إلا أنه حين أدرك بوضوح أنه من نسل مقدس وتظهر عليه سمات العناصر الكونية أولاه جلَّ عنايته وجعل الناس في بيللا وطراقيا ومقدونيا يحتفلون بمولده وهم يلبسون تيجان الزهور على رؤوسهم. وحين بدأ الطفل يشب عن الطوق جلب له فيليب خيرة ومشاهير المعلمين في مقدونيا واليونان في كل فروع المعرفة وأثبت الصبي نبوغًا عبقريًا فاق كل أقرانه في العلم والجسارة.([37])

وفي سياق أحداث هذه السيرة الشعبية يرد أن الإسكندر قد رأى نكتانيبو –في أثناء غياب فيليب خارج مقدونيا- يشرح لأوليمبياس على لوحة سحرية حركة النجوم ويعلِّق عليها لكي يخبرها عما يخططه فيليب بشأنها. وحينها طلب من نكتانيبو أن يُريه ذلك المدوَّن على لوحة السحر على الطبيعة في السماء. ويبدو من السياق أن الإسكندر قد استدرج نكتانيبو إلى الخلاء في المساء ليوقع به –على الرغم من براعة نكتانيبو في السحر والتنبؤ إلا أن كل ذلك لا يمنع القدر- فاستدرجه خارج المدينة في المساء بحجة أن يرى حركة النجوم في السماء. ولكن الإسكندر رفعه فوق كتفيه وهوى به على صخرة صلبة ناتئة، وأمسك به لكي يلقيه في جُبٍّ، وفي أثناء سقوطه شُجت رأسه بصورة مفزعة وصاح: "أيها الإسكندر، يا بني، ماذا تظن أنك قد فعلت؟" فردَّ عليه: "لا تلومَّن إلا نفسك أيها المُنجِّم" فردَّ: "على ماذا؟" فأجابه: "لأنك لم تفهم أمور الأرض وتسعى لمعرفة السماء". فقال: "إنني احتضر يا إسكندر. إن هذه السقطة مهلكة. وليس بوسع أي بشر أن يهزم قدره. إذ أنني عندما قرأت طالع مستقبلي وجدت أنه مُقدَّر عليَّ ان يقتلني ولدي. وهكذا فإنني لم أفلت من قدري، بل قُتلت على يديك". عندئذ قال الإسكندر: "هل أنا حقًا ابنك؟" فرد عليه: "نعم يا بني". وشرح له كيفية حدوث ذلك (كما أسلفنا).

Ὁ δὲ εἶπε· ‘Τελευτῶ Ἀλέξανδρε· φοβερῶς εἴληφα τὸ πρᾶγμα. ἀλλ' οὐκ ἔστιν οὐδένα θνητὸν νικῆσαι τὴν εἱμαρμένην. ὡς γὰρ ἐμοιρολόγησα ἐμαυτόν, ηὗρον εἱμαρμένον μοι ὑπὸ ἰδίου τέκνου ἀναιρεθῆναι· οὐκ ἐξέφυγον οὖν τὴν μοῖραν, ἀλλ' ὑπὸ σοῦ ἀνῃρέθην.’ Εἶπε δὲ ὁ Ἀλέξανδρος· ‘Ἐγὼ οὖν σοῦ υἱὸς τυγχάνω’; Ἔφη αὐτῷ· ‘Ναὶ τέκνον.

ولما علم الإسكندر أن المتوفي هو أبوه خشي أن يطرحه في غيابة الجُب وتحركت مشاعره نحو أبيه وحمله على كتفيه عبر بوابات المدينة وقص على أمه ما باح به العرَّاف وأعلن أنه لا مناص من دفنه:([38])

Μαθὼν οὖν Ἀλέξανδρος αὑτοῦ πατέρα τὸν τελευτήσαντα εἶναι ἐφοβήθη αὐτὸν ἀφεῖναι ἐν τῷ βόθρῳ…. στοργὴν δὲ λαβὼν πρὸς τὸν σπείραντα …. βαστάξας ἐπ' ἐμοῖς ὤμοις σὸν σκῆνος ἀποκομίσω πρὸς τὴν ἐμαυτοῦ μητέρα, ξαγγέλλων αὐτῇ τὰ πεπραγμένα, καὶ συμβουλεύσω τὴν σὴν ταφὴν γενέσθαι.

(ويعبر كاتب السيرة الشعبية للإسكندر عن دهشته من المصير الذي آل إليه نكتانيبو: إذ قدم المصري إلى مقدونيا وكُفِّن ودفن على الطريقة اليونانية في حين أتى الإسكندر المقدوني إلى مصر ودُفِنَ فيها دفنًا يليق بإله على الطريقة المصرية: في النسخة الأرمينية من السيرة الشعبية/ الكتاب الأول- فصل 14).

هذا هو ما يعنينا –في هذا البحث- من السيرة الشعبية الملحمية للإسكندر الأكبر، وهو الجزء المتعلق بادعاء أبوَّة نكتانيبو –أخر ملوك الأسرة الثلاثين الفرعونية- للفاتح المقدوني. من الواضح من الرواية السابقة للأحداث أنها من بنات أفكار من صاغها (أو صاغوها) من المصريين –على الأرجح- وأنها ربما كُتبت أصلًا باللغة المصرية –رغم عدم وجود أي نص مصري مماثل- ثم تُرجمت أو صيغت أفكارها لاحقًا باليونانية (اللغة "الرسمية" المعتمدة تحت حكم البطالمة، ثم الرومان من بعدهم، واللغة الأم لجماعات الإغريق الذين توافدوا وأقاموا في مصر قبل مجيء الإسكندر وبعده وتحت حكم البطالمة). إن هذه السيرة الشعبية الملحمية تجنح في الأغلب إلى القصص السردي الذي يمتزج فيه الخيال كثيرًا بخلفية محدودة من الواقع التاريخي. ومن الواضح أن ما ورد عن نكتانيبو في هذه السيرة الشعبية للإسكندر مُختلق ولا علاقة له بالواقع التاريخي المُحدد بالزمان والمكان. لقد ظل نكتانيبو الثاني يحكم مصر –كما سبق أن رأينا- حتى عام 343/ 342 ق.م. حين هزمه الملك الفارسي أرتاكسركسيس الثالث (أوخوس) واضطره إلى الفرار إلى أثيوبيا حسب رواية ديودر الصقلي. معنى ذلك أن الإسكندر الأكبر (356 – 323 ق.م.) قد ولد قبل إضطرار نكتانيبو للفرار من مصر بثلاثة عشر أو أربعة عشر عامًا، أي في الوقت الذي كان فيه نكتانيبو في أوج سلطانه في مصر ولم يتعرض بعد لتهديدات الفرس حتى قبل محاولتهم الأولى الفاشلة لغزو واستعادة مصر عام 353/ 352 ق.م. التناقض الثاني في الرواية الشعبية يتمثل في القول بأن فرار الملك نكتانيبو من مصر كان عن طريق بيلوزيون، حيث أن بيلوزيون آنذاك كانت في قبضة الفرس المنتصرين وبالتالي لم يكن من الممكن عمليًا أن يفر من مصر عن طريقها([39])، وأن رواية ديودر التاريخية من أن فراره كان إلى أثيوبيا (في الجنوب) أقرب إلى المنطق.

دعنا الآن من مدى تاريخية النص ومحدوديته في هذا الجانب، لننتقل إلى رمزية ومضامينه ورسائله التي يبعث بها للمتلقي. رغم أن النسخة اليونانية المتاحة لدينا (وهي أقدم نسخة من هذه السيرة الشعبية للإسكندر) ترجع إلى القرن الثالث الميلادي تقريبًا فإن بعض عناصرها الفردية والمنفصلة تمثل تراثًا تاريخيًا يعود إلى العصر الهيللينستي المبكر من جيل ما بعد الإسكندر الأكبر، وعليه فإن قدرًا كبيرًا من المادة التاريخية المحدودة مستقاةٌ من مؤرخين أدنى شهرة من العصر الهيللينستي أو ربما من مؤرخ واحد منهم، لعله كان كليتارخوس الذي اتسمت روايته للأحداث بالإثارة وأخذ عنه عدد من المؤرخين اللاحقين مثل ديودر الصقلي وكونيتوس كورتيوس وجوستين.([40])  ويبدو أن من صاغ هذا العمل (السيرة الشعبية) قد اكتفى بالنقل عن هذا المصدر الوحيد ذي النزعة العاطفية المرتفعة النبرة فيما يتعلق بالسرد التاريخي، بل وكثّف من جرعة الإثارة بإضافة أحداث ميلودرامية ومستحيلات غير منطقية تخرج عن السياق. وقد تداخل مع هذا المكوِّن التاريخي العاطفي مكوِّنات أخرى تقليدية متواترة وأخرى خرافية صرفة. ومن هذه المكونات المتداخلة كانت البدايات والأصول الأولى لهذا العمل الشعبي الملحمي في بدايات العصر الهيللينستي المبكر في زمن خلفاء الإسكندر في أوائل القرن الثالث ق.م.([41])، وكما أسلفنا فإن منشأ هذا العمل الأدبي كان في مصر –على الأرجح- وخصوصًا في الإسكندرية التي شغل وصفها التفصيلي والإشادة بعظمتها ومساحتها الشاسعة كأكبر مدن عصرها متفوقةً على أعظم مدن عصرها مثل أنطاكية وقرطاجة وبابل وروما ثلاثة فصول طويلة من الكتاب الأول (I. 30-32).

ويتبين مما سبق أن هناك أصلًا مصريًا واضحًا لهذا العمل الأدبي الشعبي المُفعم بذكر مصر وأخر ملوكها الوطنيين (نكتانيبو الثاني) وبالإشادة بالإسكندرية ومديح مصر. ومن الواضح أن هذا التراث الفولكلوري قد تراكم على مدى قرون طويلة (من القرن الثالث ق.م. إلى القرن الثالث الميلادي) حتى ظهر بصيغته المنقحة التي وصلتنا والمؤرخة بالقرن الثالث الميلادي. ورغم أن نص هذا العمل الأدبي الشعبي الذي بين أيدينا مكتوب باليونانية إلا أن الروح المصرية تُطل بوضوح من مواضع عديدة في ثنايا العمل بصورة أكبر بكثير مما جاء في الكتابات الأخرى الرئيسية عن الإسكندر، وهو ما يُرجح أن هذا النص اليوناني الذي بين أيدينا ربما كان نسخة مُترجمة أو متوائمة مع أصل مصري ديموطيقي –رغم عدم وجود ما يثبت ذلك.([42]) ولكن ما الدافع وراء هذه الترجمة أو الموائمة اليونانية لأدب شعبي مصري: ربما كانت نغمةً أو نزعةً مناوئة للحكم المقدوني الجديد تريد التأكيد على أن الإسكندر –الذي غزا مصر- كان في واقع الأمر مصريًا لا مقدونيًا. ربما مثل هذا التصور نوعًا من العزاء والسلوى للمصريين في احتواء الغازي الجديد إلى بلاطهم الملكي المصري الوطني، وبالتالي استمرار الروح القومية المصرية.

هل تم هذا الأمر وترويج هذه الرواية الشعبية باليونانية –رغم كونها مصرية الروح والملامح- بإيعاز من البطالمة الأوائل لكونها متماشية مع سياستهم التي تؤكد على العلاقات والروابط بين الأسرة الحاكمة المصرية الأخيرة وبين الحكام المقدونيين؟([43]) ربما. الأمر المؤكد –على أية حال- هو الشعبية التي لابد أن الملك نكتانيبو الثاني كان يحظى بها في العصر البطلمي المبكر من منطلق أنه كان ملكًا وطنيًا شهدت مصر على يديه رخاءً وازدهارًا اقتصاديًا وحركة عمرانية نشطة وردت الفرس على أعقابهم في أول محاولة لأرتاكسركسيس الثالث (أوخوس)([44])، وأن هزيمة مليكهم في المرة الثانية كانت من جراء ما تعرض له من غدر وخديعة كما رأينا. وبالتالي ظلَّ هذا الملك –في مخيلة المصريين- رمزًا للوطنية المصرية التي لا تخبو جذوتها، وبالتالي أطلقوا لخيالهم العنان بفكر التمني أن يعود مليكهم المقدام –على أية صورة- ليثأر لنفسه ولهم من غطرسة وغدر الفرس؛ لقد كانت هذه العودة الميمونة لتحقيق هذا الغرض الأسمى مجسدةً في صورة ابنه –في مخيلتهم- الإسكندر المقدوني، رغم استحالة ذلك فعليًا كما أوضحنا من قبل... ولكن لا جُناح على الأماني والرموز كي تظل روح المقاومة متقدةً في الصدور لا يتسرب إليها اليأس. ولعل تبجيل الإسكندر وإبداء عظيم توقيره للآلهة المصرية كانت من الأمور الملهمة للخيال المصري في هذا الاتجاه.

أما لماذا تلك الترجمة أو الصياغة أو الموائمة اليونانية للأصل المصري، فهذا شأن آخر. من المؤكد أن المصريين –أو من صاغ الأصل المصري المفقود من بينهم- أرادوا أن يوصلوا تلك الرسالة بما تحمله من مشاعر قومية مصرية وأحلام وتطلعات وطنية –برؤية مصرية رومانسية تخفف من وطأة واقعهم الأليم- إلى الجموع الغفيرة من اليونانيين –حكامًا ومحكومين- ممن يعيشون بين ظهرانيهم من قبل ومن بعد مجيء الإسكندر ومن بعده الأسرة الحاكمة البطلمية ومن بعدهم الحكم الروماني. فإذا كان الكاهن المصري المثقف مانيتون السمنودي قد كتب مؤلفًا رسميًا "باليونانية" عن تاريخ مصر القديمة (الفرعونية) على مدى ثلاثين أسرة حاكمة وأهداه إلى أول ملوك البطالمة ليُعرِّفه بتاريخ مصر القديم، فأغلب الظن أن السيرة (الشعبية) للإسكندر –بأصولها المصرية- كانت امتدادًا واستكمالًا لرواية مانيتون بما يوحي بأن الإسكندر الأكبر (ابن نكتانيبو الثاني حسب الرواية الشعبية لحياة الإسكندر) كان استكمالًا لحكم الأسرة الثلاثين ولم يكن غريبًا عنها، وأنه انتقم (لأبيه) من غدر وغطرسة الفرس وقضي على امبراطوريتهم. فضلًا عن ذلك فإن رسالة هذا العمل الأدبي المصري الجذور -وغيره من الأعمال المماثلة من هذا اللون من الأدب الشعبي المصري المكتوب باليونانية أو بالديموطيقية، كما سنرى لاحقًا في هذا البحث- هي أن حكم مصر سيظل دومًا للمصريين وأن جذوة المقاومة لأي حاكم أجنبي ستظل مشتعلة ولن تخبو. ويتجلى هذا النوع من (أدب المقاومة) المصري في أوقات الشدة والعسر أو في لحظات علو شأن المصريين في موقف أو آخر تحت حكم البطالمة أو الرومان، حينها ينهلون من معين أدبهم الشعبي الذي يعينهم على الجلد والصمود والتحدي ويرفع من معنوياتهم وهممهم. ولكن من الصعب الإجابة على أسئلة مثل من ومتى تحديدًا تمت هذه الصياغة اليونانية لهذا الأدب المصري الأصيل الذي لم يجد حظه من الاهتمام بين علماء وأدباء مدرسة الإسكندرية ومكتبتها الذي انصب اهتمامهم الأساسي على كل ما هو يوناني، واعتبروا ما دونه هامشيًا. ولكن يبدو أن مثل تلك التراجم أو الموائمات اليونانية قد تمت في الفترة المبكرة من الحكم البطلمي لمصر خلال القرن الثالث ق.م. وتم اجترارها وتطويرها وتنقيحها على مدى القرون التالية بما يتناسب مع الوقائع والظروف المستجدة، لذلك وصلتنا نسخ من هذه الأعمال المنقحة في فترات لاحقة –وليست معاصرة- لصياغة نسختها الأولية.([45])

  • "حلم نكتانيبو"

نعود الآن إلى لون آخر من أدب المقاومة المصري المكتوب باليونانية ويتمثل في "الأحلام" ودلالاتها الضمنية الموحية. إن المثال الحي الموجود من هذا النوع من الأدب هو ما يُعرف ب"حلم نكتانيبو" (المقصود "نكتانيبو الثاني" أخر الملوك الوطنيين "الرسميين" للأسرة الثلاثين المصرية)، وهو الذي حظي بأكبر قدر من الشعبية بين المصريين حتى بعد فراره من مصر لأسباب شرحناها أعلاه في حديثنا عن "السيرة الشعبية" للإسكندر، والدور البارز لنكتانيبو فيها. لقد ورد هذا الحلم في إحدى وثائق معبد السرابيوم في منف والتي يعود تاريخها إجمالًا إلى حوالي منتصف القرن الثاني ق.م. هذه الوثيقة البردية اليونانية([46]) التي تتضمن هذا الحلم للملك نكتانيبو وصلنا منها سبعون سطرًا جيدة الحفظ، وإن لم يكتمل بقية الحلم فيما وصلنا من سطور. وتشكل هذه البردية جزءًا من أوراق أبوللونيوس –أصغر واحد من مجموعة من الإخوة النُسَّاك في المعبد- ومن الواضح أنه نقل هذه النسخة من نسخة أخرى. أما عن فحوى هذا الحلم الوارد في البردية فإنه يروي أن الملك نكتانيبو قد رأى فيما يرى النائم أنه يرقد في معبد في منف وتراءى له قارب مصنوع من نبات البردي كان راسيًا في ميناء منف. وكان على متن القارب عرش عظيم تجلس عليه إيزيس العظيمة –ملكة الآلهة ومانحة الخيرات- وقد تحلَّق حولها كل آلهة مصر.

ἐφʼ οὗ ἦν θρόνος μέγας, ἐπί τε τούτου καθῆσται (read: καθῆσθαι( τὴν μεγαλώδοξον εὐεργέτιαν  καρτῶν | εὐεργέτιαν καὶ  θεῶν ἄνασον )read: ἄνασσον( Ἴσιν καὶ τοὺς | ἐν Ἀγύπτῳ θεοὺς πάντας παραστάναι (read: παρεστάναι(  αὐτῇ)[47](

وقد تقدم أحدهم إلى المنتصف وكان طوله يبلغ عشرين ذراعًا ويُدعى باللغة المصرية أونوريس وباليونانية آريس (إله الحرب) الذي تقدم واستلقى على بطنه وقال ما يلي:

"تعالي إليَّ يا ربة الأرباب يا مالكة القوة الأعظم، يا من تحكمين ساكني الكون ويا منقذة كافة الأرباب، يا إيزيس يا رحيمة إصغِ إليَّ: تنفيذًا (وفقًا) لأوامرك فقد قمت بحماية البلاد على أكمل وجه وبذلت جُلَّ عنايتي (في هذا الصدد) حتى الآن، إلا أن ساماوس القائم على منصب الكاهن الأكبر؟ للملك نكتانيبو والمُعيَّن من قبلك قد أهمل معبدي وأعرض عن تعليماتي. وخارج معبده هو لم ينجز سوى نصف العمل في محرابي نظرًا لما يضمره رئيس عماله من شر"([48]) وحين سمعت سيدة الأرباب الرواية السالفة الذكر لم تُحِر جوابًا.

وتواصل البردية سرد بقية قصة الملك نكتانيبو بالقول بأن الملك حين رأى الحلم استيقظ من نومه "وأصدر أوامره على وجه السرعة باستدعاء كبير كهنة وعرَّاف أونوريس إلى سمنود (سيبانيتس) (عاصمة ملكه) وحين أتوا إلى بلاطه علم الملك أن هناك شخصًا بوسعه إنجاز الأعمال المتبقية في معبد (محراب) إله الحرب أونوريس والذي يُطلق عليه (معبد) فيرسوس"([49]) وقد أفادا بأن "كل شيء قد أُنجز باستثناء النقش الذي يُحفر بالكتابة المقدسة (الهيروغليفية) على المنشآت الحجرية (المباني)"

Τῶν δὲ φαμένων «Τέλος ἔχει `πάντα´ παρὲξ | τῆς  ἐπιγραφῆς τῶν ἐνκολλαπτωμένον | ἱερῶν  γραμμάτων ἐν  τοῖς  λιθικοῖς [[ἔργοις]] | ἔργοις,». )III:ll.20-23).

وقد أصدر الملك أوامره على وجه السرعة بأن يقوم كتبة النقوش المصرية ἱερογλύφους ἐπὶ τοὺς بالكتابة على المعابد المعدودة (الخاصة بالإله أونوريس) في كافة أرجاء مصر

γράψας εἰς τὰ λόγισμα ἱερά τὰ κατ'  Ἄγυπτον.([50])

   وحين أتى هؤلاء الكتبة في حضرته امتثالًا للتعليمات علم الملك أن هناك من بينهم كاتبًا في غاية البراعة بوسعه أن ينجز الأعمال المتبقية على وجه السرعة في قدس الأقداس المعروف باسم فيرسوس. وكان من بين من ورد ذكرهم شخص من مدينة أفروديتو في مقاطعة أفروديتوبوليس يُدعى بيتيسيس بن إيرجيس الذي وعد في حضرة الملك بأن ينجز العمل بأكمله في أيام قليلة.([51]) وقد علم الملك من آخرين بأن تلك هي الحقيقة (أن الرجل صادق فيما يقول) وأنه ليس هناك عذر كائنًا ما كان على وجه الأرض (للتراجع عما قال).([52]) ولكن الجزء المتبقي من البردية (رغم عدم اكتمالها) يشي بأن ذلك الكاتب لم ينجز ما قطعه على نفسه رغم تقاضيه أجورًا طائلةً μεγάλους μισθοὺς τάξας αὐτῷ واستلامه أموالًا (أقساطًا) كثيرة: πολλὰ   λαβὼν κέρματα إذ يبدو أنه أسرف في شرب الخمر واستخف بالأمر قبل أن يبدأ في تثبيت (النقوش) على العمل.

ʽΟ δὲ Πετήσιος | κέρματα λαβὼν πολλὰ ἀπῆλθεν εἰς Σεβεννῦτον| καὶ ἔδοξεν αὐτῷ φύσι ὄντι οἰνοπότῃ | ῥαθυμῆσαι πρὶν ἢ ἅψασθαι τοῦ ἔργου. (col. IV., ll.19-22).

وفي الأسطر القليلة المتبقية من الجزء المتبقي من البردية (col. V. 1-4) ما يفيد بأن جزءًا صغيرًا من العمل قد تم إنجازه في المعبد. ويبدو في الأسطر الأولى من البردية أن البردية كانت -على الأرجح–خطابًا اعتذاريًا من بيتيسيس (كاتب النقوش الهيروغليقية) إلى الملك نكتانيبو([53]) يفسر ويشرح ويعتذر فيه عن عدم اتمام العمل في الوقت المحدد، ويورد قصة هذا الموضوع بمراحله. ومن الواضح أن هذا الأمر كان ضمن التراث الديني المتوارث في معبد السرابيوم في منف ويتناقله العُبَّاد والنساك في ذلك المعبد في العصور اللاحقة؛ ومن هنا نجد هذه الرواية للأمر من حوالي منتصف القرن الثاني ق.م. في العصر البطلمي.

 إن رواية هذا (الحلم) على هذا النحو المثير في بردية معبد سرابيوم منف من منتصف القرن الثاني ق.م. توحي بمضامين عميقة الدلالة مرتبطة بالسياق العام للدور الذي لعبه نكتانيبو كما رأيناه في "السيرة الشعبية للإسكندر" Alexander Romance، وأن زخم هذا الموضوع لم يفتر أو يخبو –بل ربما زاد الاهتمام به- بمضي الوقت على مدى العصر البطلمي، بل وحتى الروماني. إن هذا اللون الأدبي من الأدب المصري المكتوب باليونانية يمثل امتدادًا وشرحًا وتفسيرًا لدور نكتانيبو في "السيرة الشعبية للإسكندر". لذلك فمن المتوقع أن يكون هذا (الحلم) لاحقًا زمنيًا للسيرة الشعبية للإسكندر بعدما اكتسبت قدرًا من الذيوع والانتشار، لاسيما فيما يخص دور نكتانيبو (الثاني) بعد فراره من مصر واستقراره بمقدونيا حسب السيرة. لقد أجاب هذا الحلم على سؤال لابد أن يراود القارئ وهو يقرأ السيرة الشعبية فيما يخص نكتانيبو: لقد ورد في السيرة الشعبية أن "الملك نكتانيبو –رغم براعته في فنون السحر الذي سخَّر به قوى الطبيعة لمصلحته وهزم به خصومه بغير قتال- اكتشف في أواخر فترة حكمه في مصر تكالب أمم كثيرة من مختلف الأعراق على عرشه في مصر([54])، كما اكتشف خذلان آلهة مصر له"([55])- والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة من واقع هذه الرواية هو: لماذا خذلت آلهة مصر الملك نكتانيبو؟ يأتي هذا (الحلم) الأدبي ليفسر مَن مِن آلهة مصر تحديدًا قد خذل نكتانيبو؟ ولماذا؟ ليجيب بأنه إله (الحرب) المصري أونوريس الذي قصَّر نكتانيبو في حق معابده وعبادته وأعرض عن أوامره؛ وحتى حين أراد الملك أن يستدرك ما فاته من تقصير خذله كاتب النقوش الهيروغليفية بيتيسيس وأهمل في أداء ما كلفه به الملك كما رأينا من سياق عرض البردية! من هنا جاء رد فعل إله الحرب مناوئًا ومعاديًا لنكتانيبو ومناصرًا لأعدائه وجعل أعوانه يقودون سفن الأعداء (حاشية رقم 55)، مما جعل نكتانيبو يوقن بخذلان آلهة مصر له ويضطر إلى الفرار. كما أن هذه البردية تفصح عن أن سبب الانتصارات التي سبق أن أحرزها نيكتانيبو على أعداءه من الفرس لم تكن بسبب براعة نكتانيبو في السحر (كما في السيرة الشعبية للإسكندر)، بل كان مردها أن إله الحرب أونوريس قد قام بواجبه على أكمل وجه وزاد عن أرض مصر وبذل قصارى جهده في هذا السبيل (حاشية رقم 48 أعلاه).

نقطة أخرى جديرة بالذكر في هذا المقام وهي مكان البردية في سرابيوم منف، وترجع أهمية ذلك إلى أن هذا المكان يعرفنا بماهية ذلك الشخص الذي أعجبه وراق له مثل هذا العمل الأدبي إجمالًا: إنهم أناس من النُسَّاك من محدودي التعليم كما يتضح من الأخطاء الإملائية والنحوية على مدى البردية من جانب كاتبها الناسك أبوللونيوس، ولعل النقطة الطريفة ذات الجاذبية لهؤلاء النُسَّاك من أمثال أبوللونيوس هي قصة الحضانة الروحية في المعبد (حلم الملك نكتانيبو وهو في منف). ورغم أن البردية مكتوبة باليونانية فإن لها مغزى ودلالة في غاية الأهمية تتمثل في أن تلك الرواية عن (حلم نكتانيبو) مأخوذة بوضوح وبصورة وثيقة من حكاية شعبية مصرية، إن لم تكن فعليًا ترجمة لنص ديموطيقي كما يتضح بجلاء من التعبيرات المصرية العديدة في ثوب يوناني ومن مُجمل أسلوب وطريقة السرد.([56])

  • "الحولية الديموطيقية"

ويبقى نكتانيبو الثاني في دائرة الضوء في لون آخر من أدب المقاومة المصري من العصر البطلمي في وثيقة ديموطيقية مشهورة عُرفت باسم "الحولية الديموطيقية".([57]) إن أول من عرَّف الوثيقة بهذا المُسمَّى هو Revillout وظل هذا هو الاسم الذي عُرفت به هذه الوثيقة على الرغم من أن ريفيّو نفسه قد تدارك خطأه لاحقًا وعرَّف موضوع الوثيقة بأنه "نبؤات وطنية "Prophéties Patriotiques وهو المسمى الأقرب للحقيقة من وجهة نظره. كما أن  (Aegyptologie S.488) Brugsch قد حدد محتوى الوثيقة على أنه "سلسلة من النبؤات المحققة "eine Reihe von erfüllten Prophezeiungen, ويراها ماسبيرو على أنها "فصل من رواية ملحمية ديموطيقية/ Rapsodie demotique"، أما إدوارد ماير فيعرِّفها على أنها "تعليق قاتم جدًا على نبؤات أكثر قتامة""einen sehr dunkel gehaltenen kommentar zu noch dunklern Prohezeiungen" ([58]).

من خلاصة هذه التعريفات ندرك أن ظاهر الوثيقة يحتوي على نبؤات تتصل بأحداث التاريخ المصري، خصوصًا في الفترة المؤرخة بين نهاية العصر الفارسي وحتى عصر بطلميوس الثالث يوإرجيتيس الأول.([59]) ورغم أن ظاهر البردية يوحي بأن النبؤات الواردة فيها ترجع إلى عهد الملك تاخوس (362 – 361 ق.م.) من ملوك الأسرة الثلاثين إلا أن الإشارات الواردة فيها عن زوال حكم الإغريق عن مصر وعودة مصر إلى سيادة المصريين يرجح أنها قد كتبت في ظل الحكم البطلمي في القرن الثالث ق.م.([60])، وأنها تعبر عن أمنيات مصرية بالخلاص من هذا الحكم، وإن اتخذت شكل نبؤات. إن العمود الثاني من هذه البردية (وجه البردية (Vorderseite/ Recto يستعرض ملوك مصر الذين اعتلوا سُدة الحكم في مصر بعد الخلاص من الحكم الفارسي بعد الثورة المصرية الثالثة عام 404 ق.م. وهم حكام الأسر الفرعونية 28 و 29 و 30 (حسب قائمة مانيتون) كلٌ بإسمه على الترتيب: أميرتايوس (الأصغر)، ونفريتيس الأول، وهاكوريس، ونفريتيس الثاني، ونكتانيبو الأول، وتاخوس([61]). (ويرمز إليهم بالأيام الستة الأولى  من الشهر على التوالي). ثم يأتي الحديث (ضمنيًا) عن الحاكم السابع في هذه السلسلة من الملوك المصريين (وأخرهم قبل عودة الحكم الفارسي مجددًا على يد أوخوس الثاني عام 443/ 442 ق.م.) وهو نكتانيبو الثاني الذي تشير إليه الأسطر (5، 11-13) من العمود الثاني بأنه سوف يعتني بشؤون منف وأن القمر سوف يسحر النهر عندما يطوف ذلك الحاكم البلاد بأسرها، وهو ما يفسره كاتب البردية بأن ذلك الحاكم سيغادر مصر وأنه سوف يذهب إلى فينيقيا ثم يعود إلى مصر، وفي الختام يغادر مصر (وهو ما ينطبق على نكتانيبو الثاني كما رأينا عند ديودر الصقلي أعلاه).. وبعد ذلك وفي نفس العمود (الأسطر14-25) يتطرق كاتب الوثيقة بصورة مكثفة إلى الحديث عن هنيس (إهناسيا/ هيراكليوبوليس) ودورها المحوري المنتظر والمأمول في القضاء على الحكم الأجنبي وعودة مصر إلى السيادة المصرية؛ وتختم هذه الفقرة في السطر25 من هذا العمود بالنبؤة الآتية: "إنه رجلٌ من هنيس ذلك الذي سيتولى حكم مصر من بعد الأجانب والإغريق". ويستمر كاتب الوثيقة في الثناء على دور هنيس ومعبودها هارسافيس (في العمود الثالث من وجه الوثيقة) الذي يُعرب فيه كاتب الوثيقة (في الأسطر1-4) عن سعادة وسرور كاهن هارسافيس برحيل اليونانيين عن البلاد وأن يصبح حاكم البلاد في هنيس ويفتح أبواب المعابد ويقدم الأضحيات للآلهة، وتتزين هنيس بأبهى زينتها. ثم يستطرد ليشرح خلفيات الثورة التي انطلقت من هنيس والاستعدادات لها بدءًا من شهر هاتور (نوفمبر) (س7) حتى يتم تتويج الملك المصري بالتاج الذهبي واستقرار حكمه في شهر فامينوث (مارس) (س10) (طبعًا هي تمنيات مصرية في صورة تنبؤات مأمولة في ظل الحكم البطلمي، ربما حين بدأ يضعف في أواخر القرن الثالث ق.م.، ولذلك لم يشر كاتب الوثيقة إلى فترة بعينها باعتبارها نبؤات قديمة).

وفي العمود الرابع من الوثيقة يستطرد كاتب (النبؤة) ليستعرض مرة ثانية الحكام (الملوك) المصريين بعد زوال حكم الفرس (ملوك الأسرات 28، 29، 30) حتى حكم الملك تاخوس (الذي يُستشف منه أن النبؤات بالأحداث المستقبلية قد صيغت في عصره). ثم يرد ذكر سابع هؤلاء الملوك المصريين (سطر 13 وما بعده) (وهو بيت القصيد في هذا السياق) وهو الملك نكتانيبو (الثاني) والذي ستبلغ فترة حكمه 19 عامًا والذي يسير على نفس خُطى والده تاخوس. ثم يتلو حكمه مجئ الفرس وعودتهم لاحتلال مصر، "وحينها سوف تكون بحارنا وجزرنا ملأى بالصرخات والنحيب، وأن بيوت المصريين سوف تخلو من سكانها ليقطنها الفرس الذي سيقلبون الأوضاع إلى تعاسة مزرية" (س س 21-22). وفي العمود الخامس (س س 15-17) يشير كاتب الوثيقة تلميحًا مرة أخرى إلى الفرس فيذكر: "إن قطعان الجبل ينجذبون نحو مصر" وهو ما يعني –حسب تفسير كاتب الوثيقة- إلى أن الغرباء من الشرق والغرب ينجذبون نحو مصر، إنهم الفرس. "إن التماسيح سوف تؤخذ بعيدًا" وهو ما يفسره كاتب الوثيقة في النص بأن الإله سوف يأخذها من جديد إلى مواطنها، وتحديدًا الأجانب، إنهم الفرس.

وفي العمود السادس من تلك الوثيقة نجد إشارات إلى الفساد والسرقة وسوء أوضاع المصريين ربما قبل حكم نكتانيبو الثاني، إذ يرد فيها: "إن الجعبة تؤِّمن السكين، عندما تُرخي حبل الرقص"، إنه يعني بذلك نكتانيبو. وهذا يعني "إن جعبتك ستقطع الحبل عندما يتعلق الأمر بالسرقة في مصر" .... وهكذا نعرف: إنه صوت الآلهة. إن المزارع يبكي وينوح، إن زوجته ..." وهذا يعني: إن المزارع سوف يذهب إلى حقله الذي يبكي فيه على القمح والشعير والخبز، صعبة وشاقة هي حياته، وبعد ذلك فإن قمح الحقول الخاصة بالفرعون ليس كافيًا" (الأسطر 4-9 من العمود السادس).

ثم تشير تشير الأسطر التالية من العمود ذاته (14-18) إلى تغير الأحوال نحو الأفضل في عهد نكتانيبو الثاني حيث يرد فيها:

("إن النهر العظيم (النيل)، وبدايته في إليفانتين –إنها الحياة، الخبازون" ويعني بذلك الفرعون نكتانيبو (الثاني)، ومعنى ذلك "يدع الأجانب يأتون ويفرضون سيادتهم على مصر من بعدك".

عندما ترتفع المياه في عهده يحيا الخبازون. "فلتبتهجوا، لأن بطونكم ستجد ما تأكله"، وهذا يعني أن الشباب في عهدك سيجدون الخبز الذي يقتاتونه ولن يكونوا جائعين في عهدك")

ثم تنتقل النبؤة بعد ذلك إلى جزء مهم يتمثل في مجئ الإغريق لحكم مصر (س س 20-21 من العمود السادس): "وهنالك يوجد الإغريق ممن يأتون إلى مصر ويحكمونها لفترة طويلة، ويعيش الكلاب (كلاب الصيد)، وهذا يعني أن الكلب الأكبر سيجد ما يأكله، إنه يغادر كوم القمامة".

من هذا العرض المسحي لمحتوى هذه الوثيقة التنبؤية الديموطيقية المهمة نلمح بوضوح أن شخصية نكتانيبو الثاني كانت ماثلة بصورة لا تخطئها العين في كل مراحل السرد، والإشارات المباشرة والضمنية إليه لا تنقطع وتُذكِّر بالأحوال من قبله وفي عهده ومن بعده، حين عاد الفرس ومن بعدهم الإغريق الذين (سيحكمون) مصر لفترة طويلة (عمود6، سطر20). إن هذه الإشارة إلى "حكم الإغريق الطويل" لمصر لا تعبر –في تقديري- عن "نبؤات سوف تحدث" بقدر ما تعبر عن رصد لأحداث قد "وقعت فعلًا"، حتى وإن اتخذت صورة النبؤات في معظمها. لذلك فإن (معظم) الوثيقة ربما كان –على الأرجح- تسجيل ورصد في وقت لاحق من العصر البطلمي خلال القرن الثالث ق.م. لأحداث سابقة، حتى وإن اتخذت شكل نبؤات سابقة لأحداث لاحقة. وعليه فإنني اتفق مع رأي ماسبيرو في وصفه لتلك الوثيقة بأنها "فصل من رواية ملحمية". وفي هذا السرد التاريخي الذي يتخذ شكل نبؤات يحاول كاتب الوثيقة تفسيرها يظل نكتانيبو الثاني –كأخر الملوك المصريين في نهاية الأسرة الثلاثين الفرعونية- أيقونة نضالية مصرية تحتذى بها وتسير على نهجها الأجيال اللاحقة من المصريين تحت الحكم البطلمي. ربما كانت النبؤة الوحيدة في هذا السرد هي تلك الإشارة إلى إهناسيا (هنيس/ هيراكليوبوليس) ودورها النضالي المرتقب وإلى ذلك "الرجل من هنيس الذي سيتولى حكم مصر بعد الأجانب والإغريق". كما تشير النبؤة إلى الثورة المصرية على الحكم اليوناني والتي سوف تحدث بين شهر هاتور وفامينوث من عام لم تحدده تلك النبؤة، وأن هذه الثورة سوف تُكلل بالنجاح وتفضي إلى تتويج ملك مصري من هنيس يقتلع الحكم الأجنبي ويسعد به أهل مصر وهارسافيس معبود هنيس. من خلال هذه القرائن يبدو أن هنيس (هيراكليوبوليس) كانت المكان الذي صيغت فيه هذه الوثيقة([62]) ذات النبؤات الافتراضية والحقيقية. أما عن تاريخها (الفعلي) فأتصور أنه في أواخر حكم بطلميوس الثالث يوإرجيتيس (246 – 221 ق.م.) أو خلال حكم بطلميوس الرابع فيلوباتور (221 – 204 ق.م.) حين تجلت سوءات الحكم البطلمي تجاه المصريين وبدأ الوهن يضرب في أوصاله. إن تلك النبؤة الواردة في البردية عن ثورة ضد الحكم المقدوني (البطلمي) وتتويج ملك مصري قد تحققت جزئيًا، لكن ليس في إهناسيا (هنيس)، بل في الإقليم الطيبي الذي استقل عن الحكم البطلمي لمدة عشرين عامًا (206 – 186 ق.م.) وتُوِّج فيه ملكان مصريان قبل أن يتمكن بطلميوس الخامس من استرداده عام 186 ق.م.([63])

إن التاريخ المرجح أعلاه لصياغة تلك الوثيقة المهمة (النصف الثاني من القرن الثالث ق.م.) يكتسب مصداقيته من محتوى البردية الذي يُبدي نزعة وطنية معلنة وصريحة ضد الحكم الأجنبي عمومًا بما فيه المقدوني([64]). إن محتوى "سيرة حياة الإسكندر" –ذات النزعة المصرية- والمنسوبة إلى كاليسثنيس والمؤرخة ببدايات حكم بطلميوس الأول في مصر تفاخر –كما رأينا- بنسبة أبوة الإسكندر الأكبر إلى أخر الملوك المصريين (نكتانيبو الثاني) وتعتبره امتدادًا له أو لا ترى غضاضة في حكمه لمصر، بل تراه منقذًا من طغيان الفرس وأنه قد ثأر لأبيه منهم وقضى على الإمبراطورية الفارسية. أما في (الحولية الديموطيقية) فتتبدى كراهية المصريين جليةً لحكم المقدونيين (الإغريق) بعدما عانوا من سلبياته، وأنهم استعمار جديد لا يختلف كثيرًا عن الاستعمار والاحتلال الفارسي. إن "شبيجلبرج" يبدي ملاحظة ذكية في تقديمه وتعليقه على تلك الوثيقة (ص5) تتمثل في أن الحكام (المصريين) من أهل البلاد على مدى فترة الاستقلال عن الحكم الفارسي (404 – 342 ق.م.) هم من ورد ذكرهم بالإسم من أميرتايوس حتى نكتانيبو الثاني؛ وأنه تم التنويه إلى سيادة الفرس ثم الإغريق مرات عديدة، ولكن دون ذكر اسم أيٍ من حكامهم. وينوِّه إلى أن ذلك يُشعِر المرء بأن كاتب البردية يرى أن هؤلاء الحكام الأجانب يفتقرون إلى الشرعية، ولذلك لا يريد أن يضفي عليهم شرعية بذكر أسماءهم. ويضيف الناشر في ذات الموضع أن تلك الكراهية للإغريق تتجلى بوضوح في العمود السادس/ سطر21 حين نفهم أن "الكلاب" المشار إليهم في النص مقصود بهم المقدونيون، وأن "الكلب الأكبر" يشير إلى الإسكندر الأكبر، وإن كان يشكك في مدى مصداقية هذا التفسير لما يكتنف هذه العبارات التنبؤية من غموض على وجه العموم. ولكن عالمًا آخر([65]) يرى في هذا التلميح إلى الإسكندر الأكبر في هذا السطر أمرًا إيجابيًا وليس سلبيًا، يراه مدحًا وليس ذمًا. ويستشهد بآراء علماء آخرين في هذا السياق بما يفيد بأن تصوير الإسكندر بالكلب هنا إنما يشير إليه ككلب صيد يتعقب الفرس إلى خارج مصر بعد أن طردهم منها. ويعزز هذا التفسير بأن اللهجة العدائية ضد الفرس تتبدى مُعلَنةً تمامًا على مدى "الحولية"، في حين أن العبارات المتصلة بالإغريق قليلة نسبيًا وتتسم بالغموض! ولكن هذا الرأي والتفسير يصطدم ببساطة مع محتوى السطر الأخير من العمود الثاني الذي يتحدث عن مُخَلِّص مصر من الحكم الأجنبي (س25) قائلًا:

"إنه رجل من هنيس ذلك الذي سيتولى حكم مصر بعد الأجانب والإغريق".

  • "نبؤة صانع الفخار"

ونأتي الآن إلى موضوع شهير في الأدب المصري القديم من الفترة البطلمية والرومانية وهو ما يُعرف ب"نبؤة صانع الفخار". الطريف أن هذا الموضوع قد وصلتنا مقتطفات منه في عدد من الوثائق (اليونانية)[66]! ولكن أطولها وأبرزها وثيقتان مؤرختان بالقرن الثالث الميلادي[67]. ولعل التعليق المستفيض من جانب عالم البردي الشهير C. H. Roberts على إحدى هاتين الوثيقتين ((P.Oxy. 2332 في مقدمة الوثيقة يلقي ضوءًا معقولًا على محتوى تلك الوثيقة من جوانب متعددة[68]. إن الوثيقتين المشار إليهما (بردية راينر وبردية أوكسيرينخوس) متشابهتان إلى حد ما –رغم عدد من أوجه التباين بينهما- ومتكاملتان في المحتوى بسبب الفجوات والأجزاء المفقودة في كل منهما. ويُعزى سبب الاختلافات بين النصين إلى أن الأدب من هذا النوع دائمًا ما كان عُرضةً للإضافة وإعادة الصياغة أو التصويب ليستوفي متطلبات مناسبة بعينها أو ليدعم ويعزز تميز مروج النبؤة. ورغم المحتوى التنبوئي للوثيقتين فإن النبؤة تتضمن مقدمة سردية مهمة بقيت لنا في الشذرة البردية الصغيرة المحفوظة في المكتبة الوطنية النمساوية بفيينا ((G. 29787. إن الإطار العام للنبؤة ينتمي إلى ذلك اللون المعروف من الأدب المصري والمُسمى ب"روايات الملوك  "Konigsnovelleالذي يسرد روايات عن الأحداث البارزة المتباينة (من حملات عسكرية، وإقامة طقوس أو كتابة وتدوين نبؤات كما في حالتنا) وكلها أمور وثيقة الصلة بالملك المصري. وفي موضوع "نبؤة صانع الفخار" نجد صانع فخار κεραμεύς -لم يرد اسمه مطلقًا في الأجزاء المتبقية من النص- يمثل في حضرة الملك لأن الناس كانوا يرون أن سلوكه مختل وزنديق. ولكن طبيعة الفعل الذي جلب عليه هذا الاتهام ضاع ولم يتبين بين فجوات البردية، ولكن كل القرائن والمؤشرات المتبقية من بقايا الوثيقة تؤدي إلى استنتاج أن التهمة القائمة على المحك تشير إلى فعل رمزي من نوع ما مرتبط بفرن (تنور) هذا الفخراني أو إلى القِدور التي عثر عليها هناك. وتمضي الرواية السردية للحدث لتقدم النبؤة على أنها خطاب دفاعي يتولى فيه الفخراني الدفاع عن نفسه في حضرة الملك، وهو ما قد يرجح أن يكون العنوان الأدق للعمل هو "دفاع صانع الفخار" والذي ربما اختتمت به بردية أوكسيرينخوس (خاتمتها مفقودة)، وهو ما وصلنا في بردية راينر (= بردية فيينا الثانية) على النحو الآتي:

Ἀπολογία κεραμέως πρὸς Ἀμενῶπιν τὸν βασιλέα, μεθηρμενευμένη κατὰ τὸ δυνατόν

 "دفاع الفخراني إلى الملك أمينوفيس بعد ترجمته قدر المستطاع". وقد أُضيف إلى هذا السياق عبارة "بخصوص الأحداث المستقبلية في مصر"[69].περὶ τῶν τῇ Αἰγύπτῳ [με]λλόντων"  ". وقد اقتنع الملك بأن الفخراني ليس زنديقًا مُجدِّفًا، وأن ما يفعله ويقوله كان تحت تأثير الإله هيرمييس:

εἰπόντος Ἑρμοῦ ἀποσταλὴς εἶνα[ι εἰς τὴν νῆσον ἔλεγεν αὐτὸς] ὁ κεραμεύς  (P.Vienna 1(=G. 29787) fr.1, 12-13. 

ويرى L. Koenen أنه من الواضح أن "الفخراني" ما هو إلا ستار ملائم ثقافيًا (حضاريًا) للمعبود المصري "خنوم" المبعوث من قِبل "تحوت" الذي يُعرف عند الإغريق بهرميس في هذه الرواية[70]... وغيرها.

هذا عن السياق العام ل"نبؤة صانع الفخار" (الفخراني). والآن نأتي إلى محتوى النبؤة المتكامل من خلال وثيقتي أوكسيرينخوس وراينر (فيينا). على الرغم من أن بداية بردية أوكسيرينخوس مفقودة إلا أن ما تبقى من مقدمتها يبين بجلاء أن مصر كانت تمر بفترة من المعاناة القاسية ارتبطت (اقترنت) بإنشاء المدينة التي تحددها النبؤة تارةً "بالمدينة قيد الإنشاء/  πόλις κτιζομένη ἡ"، إذ تشير إشارة ضمنية إلى الإسكندر الأكبر على أنه سيحكم مصر عندما يدخل المدينة التي تُقام (ويقصد بها الإسكندرية)[71]. ويشار إلى هذه المدينة تارةً أخرى في موضع آخر من نفس الوثيقة ب"مدينة مرتدي الأحزمة  πόλις ζωνοφόρων τῶν ἡ"، حيث يرد في هذا الموضع من النبؤة أن "مدينة مرتدي الأحزمة سوف تصبح مهجورة مثلما حدث مع تنوري"[72]. وقد رأى أحد العلماء أن الإشارة إلى "مرتدي الأحزمة ζωνοφόροι" قد تفصح عن أصل فارسي وتشير إلى جند الملك الفارسي قمبيز حين احتل مصر، وبالتالي يرى أن النص الذي أمامنا هو نص إيراني (فارسي) أعيدت صياغته باليونانية للمصريين المتحدثين باليونانية تحت تأثير الترجمة السبعينية وربما تلك الصياغة في ظل حكم أنطيوخوس الرابع إبيفانيس. ولكن ناشر الوثيقة (C. H. Roberts) P.Oxy. 2332 يدحض هذا الرأي ل Reitzenstein ويشدد على التأثير المصري البارز والمؤكد في الوثيقة بكاملها ويرجح أن تاريخ صياغتها وكتابتها لا يتجاوز منتصف القرن الثالث ق.م. إن هذا المؤثر والعنصر المصري يتبدى جليًا في الوثيقة في الإطار السردي للنص وفي فكرة حلول فترة من المآسي والكوارث العامة تعقبها فترة من الرخاء والازدهار المثالي، كما تتجلى في النص بقوة المشاعر الوطنية المعادية للأجانب[73]. إن استخدام "مرتدي الأحزمة ζωνοφόροι οἱ" في النبؤة مقترن بوضوح –بل ومرادف-  ب"سلالة المرَدة الأشرار  Τυφώνιοι οἱ"*، وكلاهما مستخدم عند المصريين في التعريف بالإغريق، وإن كان الأخير يقدمهم في صورة سلبية للغاية[74]. وهناك وصف ثالث يرد في الوثيقة لتلك المدينة التي أقامها الأجانب الأشرار وهو "المدينة المطلة على البحرἡ παραθαλάσσιος "

 πόλις  وتقدمها النبؤة على أنها "المدينة المطلة على البحر ستصبح مكان تجفيف للصيادين[75].

ἥ τε παραθαλάσσιος π̣ο̣λ̣[ι]ς̣ ψυ̣γμῶν ἁλλιέων ἔσ[τ]αι

إن القسم الأول من بردية أوكسيرينخوس 2332 (العمود الأول/ الأسطر 1-31) –رغم الفجوات العديدة التي تحول دون الوصول إلى فهم شامل لمحتواه –تتبقى منه بعض الكلمات والعبارات الموحية التي يتجلى من خلالها قدر كبير من المعاناة والمآسي الناجمة عن ظروف طبيعية وبشرية اقترنت بإنشاء تلك المدينة (الإسكندرية) وقاطنيها من الإغريق (مرتدي الأحزمة من المردة الأشرار). من هذه العبارات الموحية بهذه المعاني القاسية أن تلك المدينة قد "قولبت الآلهة من جديد في قالبها الخاص:

ἥτεις (the πόλις) τοὺς θεοὺς | [ἐκ και]ν̣οῦς χωνεύσασα ἴδειον π̣λ̣[ά]σ̣μα ἑαυτῇ ποιη- (ll.2-3)

أي أنها صبغت الآلهة بصبغتها اليونانية. وأن (المدينة) قد تسببت في هذه المحنة من خلال المردة الأشرار:

[κακοπ]αθήσασα δ̣ὲ̣ ὑ̈πὸ τῶν Τυ[φ]φωνείων (l.4, note).

وهناك إشارات إلى المعابد ودخلها ἱερῶν πρόσοδοι (س5)، وإلى انتصار مقدس في وقت ما للمردة والأشرار:

θείαν νείκην ἐν τεινεὶ καιρῷ τῶν | [Τυ]φω̣ν̣είων (ll. 8-9).

 وأنه من خلالها (ربما يقصد المدينة على الأرجح) حلت المحنة وعصف الريح بمصر:

… κατά τ̣ε̣ ταύτης ἀνεμόφθορα κατά τὴν Αἴ -|[γυπτο]ν̣ (ll. 11-12).

 كما أن هناك إشارة إلى شُح فيضان النيل وعدم كفايته أو جدواه:

δειὰ τὴν τοῦ Νείλου ἔνδειαν ἡ ἄτοκος (ll. 13).

 وإشارة إلى النواح والألم: Εσ{τ}ται α̣π̣ο̣θρεκυεια λυπηθήσοντα وأن "مصر مبتلاة سنويًا بنوازل وشرور رهيبة ولسوف يحدث كسوف للشمس لأنها غير راغبة في رؤية الشرور التي تحل بمصر":(ll. 16-18)

Αἴγυπτος κακουργήμαηνη δεινοῖς καθ' ἔτος ἐξευρ-|[μα]σ̣[ιν] κ̣α̣ὶ̣ τοῖ[ς κ] ακουργήμασειν ὁ δὲ ἥλειος ἀμαυρωθή-|σ̣[ετα]ι [ο]ὐ θ̣έ̣λ̣[ω]ν̣ [βλέ]π̣ειν τὰ ἐνΑἰγύπτῳ κακα …

 وأن "الأرض ستكون غير راضية بما يهب عليها من محنة الريح العاصفة وسوف يُطالب المزارع بضرائب عن كل (ما لم يغرسه وما غرسه)... وسوف (يتصارع؟) الناس في مصر فيما بينهم نظرًا لشح المحاصيل التي يزرعونها:

ἡ γῆ ού συμ-|φ[ωνήσει.].[…]α̣σειν ἔσται ταῦ<τα> εἰς τὰ αὐτῆς ἀνεμό-|φ<θ>ορα [γεω̣ρ]γ[ὸς ὑπ]ὲ̣ρ̣ ὅσ{σ}ων οὐκ ἔσπειρεν φόρους ἀπαιτη-| …[.] σ̣.[……] ἐχονται ἐν Αἰγύπτῳ πρὸς ἀλλήλους | διὰ̣ τ[ὸ ἐ]ν̣δ[εεῖς] ε̣ἶ̣ναι̣ α̣ὐ̣τῶν τροφῶν ἃ γὰρ γεωργοῦσει … (ll. 19-22).

من هذه الإشارات العديدة في هذا القسم الأول من الوثيقة يتبين بجلاء أن النبؤة تشير بوضوح إلى أوضاع صعبة قاسية ومحن سوف تعاني منها مصر بعد إنشاء المدينة الجديدة (الإسكندرية) وفي ظل حكم اليونانيين وسيادتهم على مصر بعد الإسكندر (أي تحت الحكم البطلمي). ويعقب هذه البداية أو المقدمة البائسة عن الأوضاع والمحن التي (سوف) تحل بمصر –حسب (النبؤة)- التنبؤ بحقبة جديدة مغايرة تمامًا يسود فيها الأمن والرخاء بعد الخلاص من المحتل اليوناني، وهي سمة من سمات هذا اللون من الأدب المصري القديم (أنظر حاشية رقم 73 أعلاه).

يستهل كاتب النبؤة القسم الثاني من البردية (العمود الثاني) بالحديث عن حاكم مصري يسبب (يوقع) الأضرار باليونانيين ويحكم لمدة خمسة وخمسين عامًا، مع إشارة إلى نبؤة حمل بوخيريس[76]. ثم تسرد البردية التنبؤ بتدهور وضع الإغريق في مصر قبل أن تصل إلى مرحلة حكم ذلك الحاكم المصري المشار إليه أعلاه: فتذكر أن "حظوظ ذلك الجنس (الإغريق) سوف تتضاءل وتضمحل وأن البلاد ستعيش حالة اضطراب وعدم استقرار وسوف تطرحهم خلفها":

καὶ τύχη | [ἀ]π̣[ὸ] το[ύτο]υ τοῦ γένους ἀφερηθήσαιτα[ι] καὶ ἐλάττ[ω-] |[θησετα]ι̣ τούτων τὰ ἀ̣δ̣ε̣λ̣φὰ ἢ τε{τ̣ε̣} χώρα ἀκατά[σ]τα -|[τος ἔσται] καταλείψαν<α>  οὔσα αὐτῶν (col. II., ll.34-37).   

ثم تستطرد البردية لتتناول تغيرًا للأوضاع في عبارات تتسم بالغموض فتتحدث عن القشعريرة والموت الزؤام Ψύχυς ἄρα καὶ θάνατος πολὺς وفرار إلى الجنوب (في ريف مصر) ἀνε̣χ̣ ω-|[..]α̣ν ἐν τοῖς ἄνω τόποις وبعد ذلك تأتي الإشارة الأكثر أهمية والنبؤة الأبرز وهي أن "مدينة مرتدي الأحزمة سوف تُهجر بنفس الطريقة التي هُجر بها تنوري" في إشارة إلى الإسكندرية كما أوضحنا أعلاه (حاشية 72). ويشير إلى انقلاب الأوضاع من تحرير للعبيد οἱ δούλων ἐλευθερωθήσονται وفقدان الصبية لحياتهم οἱ κοίρειοι αὐτῶν βίος δεηθήσον<του> καὶ وهلاك الفتيات καὶ οἱ πάρθεναι …. etc. φθαρησονται  ويفصل المرء زوج اخته عنها وتحدث زيجات بالأمهات؛ والتضحية بالأبناء الذكور عنوةً وبالقوة:

καὶ ὁ ἀνὴρ τῆς θυγατρὸς ἀποσπάσει τὸν ἄνδρα καὶ μητρογάμοι ἔσονται καὶ τὰ ἀρσενικὰ παιδ[ί]α β̣ια̣ί̣[ω]ς <κατ> ἰ̣σ̣χὺν θύσονται

وأن مرتدي الأحزمة سوف يدمرون ويسحقون أنفسهم لكونهم مردةً أشرارًا ولسوف تغادر الروح الخيِّرة المدينة قيد الإنشاء وتذهب بعيدًا إلى أم الآلهة منف وسوف تصبح تلك البقاع (الإسكندرية وما حولها/ على الأرجح) مهجورة تمامًا مع نهاية للشرور والمظالم عندما تتساقط الأوراق:

καὶ ἑαυτοὺ<ς> οἱ ζωνοφόρο̣ι̣ | ἀνελουσείοντες καὶ αὐτοὶ Τ̣υφών̣ιοι κατά τε ὁ ἀγαθὸς | δαίμων καταλείψει τὴν κτιζομένην πόλειν καὶ ἀ-| πελεύσεται εἰς τὴν θεοτόκον Μέμφειν καὶ ἐξερημώση-| ται ταῦτα δὲ ἔσται ἐπὶ τέλει τῶν κακῶν ἐπάν φυλλ̣ορ(όη)

وتشدد الوثيقة (النبؤة) مرة أخرى على أن "مدينة مرتدي الأحزمة سوف تصبح مهجورة بنفس الطريقة التي هُجر بها تنور الفخراني، وأن ذلك (من جراء ما أحدثه أهلها (من الإغريق) من فوضى وانعدام للقانون) διὰ τ̣ά̣ς̣ ἀνομείας ἃς ἐποιήσαν-| τοι

وتؤكد على أن (تماثيل الآلهة؟) سوف يؤتى بها ثانية إلى مصر لتعود إليها وأن المدينة الواقعة على ساحل البحر سوف تصبح مكان تجفيف لصائدي الأسماك نظرًا لهجران الروح الخيِّرة لها وذهابها لمنف

καὶ τῆς Αἰγύπτου τα .. […].[.]α̣ ἐκεῖ μετενεχθέντα | πάλειν εἰς τὴν Αἴγυπτον ἐπα[ν]ήξειν {εἰς Αἴγυπτον} ἣ τε| παραθλάσσιος π̣ο̣λ̣[ι]ς̣ ψυγμῶν ἁλιέων ἔσ[τ]αι |διὰ <τὸ> τὸν ἀγαθὸν δαιμόονα <καὶ> μῆφιν <εἰς Μέμφιν> πορεύεσθαι

حتى أن بعض المارين بها (الإسكندرية) ليقولون أنها كانت (ذات يوم) تطعم الجميع ويقطنها الناس من كل جنس:

ὥστε τεινὰς διερχόμενος λέγε̣ι̣ν̣ αὕτη ἦν παντο-| τρόφος εἰς ἥν κατοικεῖ πᾶν γένος ἀνδρῶν[77]

وبعد هذه النبؤة عن تدهور واضمحلال وضع الإسكندرية وتحولها من مدينة كبرى يقطنها أناس من كافة الأمم والأجناس وتقدم الطعام للجميع إلى قرية صغيرة لصيادي الأسماك ينعي المارون بها مجدها الغابر. نصل إلى المرحلة الأخيرة من النبؤات في هذا الصدد. إن العمود الثالث من بردية أوكسيرينخوس (ll. 63-79)  يطلعنا (في شكل نبؤة) على علو شأن مصر وارتفاع منزلتها حين يحكمها أحد أبنائها المخلصين لمدة خمس وخمسين عامًا. هذا الحاكم ينحدر من نسل إله الشمس وهو (الحاكم المُبشر به) مانح الخيرات الذي نُصِّب من قِبل الربة الأعظم (إيزيس):

καὶ τότε ἡ Αἴγυπτος αὐξηθήςεται | ἐπάν ὁ τὰ πεντήκοντα πέντε | ἔτη ἀπο Ἡλίου παραγενόμενος | ἀγαθῶν δοτὴρ καθεσταμέν[ο]ς <ᾗ> ὑ̣π̣ὸ θεᾶς μεγίστης (ll. 63-67).

 لدرجة أن الباقين على قيد الحياة حينئذ سوف يصلون لكي ينهض من ماتوا قبلهم ليتشاركوا معهم في الخيرات بعد أن انتهت الشرور:

ὥστε εὔ-| ξα̣σ̣θαι τοὺς π[ερ]ι̣ό̣ντας καὶ τους προ{σ}τετελευκότας ἀν[α]-|στῆναι ἵνα μετ̣ά̣σ̣χωσι τῶν | ἀγαθῶν ἐπὶ τέ̣λ̣ε̣ι̣ δ̣[ε] κακῶν (ll, 67-71).

وتواصل النبؤة الحديث عن أنه رغم شُح مياه النيل الري للأرض وأن أوراق الشجر (والمحاصيل) سوف تتساقط إلا أن النيل بما تبقى من مياهه يظل يفيض وينساب وأن الشتاء سوف يجري مسرعًا ويغير دورته الخاصة وأن الصيف سوف يتخذ مسارًا خاصًا وسوف تهب رياح مواتية ...هكذا ستكون الأمور:

ξηρὰ ποτισα ….[.] σιλε. Καν̣[] | θ̣α̣ φυλλορήσε [κ̣] ὁ̣ λειφ<θ>εὶς ὕ-| δωρ Νεῖλος πεπληρώμενος ἐλεύ-|σεται καὶ ὁ μετημφιεσμένος χω-|μῶν ιδείῳ δραμεῖται κύκλῳ | καὶ θέρος λήμψαιται ἴδι-| [ο]ν δρόμον ε̣ὔ̣τακτο ἄνεμοι | π[νεύ]σ[ουσιν] ἔσται ταῦτα̣ (ll. 72-79).

  • تعليق على وثائق "نبؤة صانع الفخار"

مما سبق نرى أن محتوى الوثيقة (التي تتخذ شكل نبؤة) تنقسم إلى ثلاثة أقسام على أعمدتها الثلاثة، (1) الحديث عن سوء أحوال مصر الاقتصادية والاجتماعية بل وظواهرها الطبيعية مع نشأة وقيام المدينة الجديدة (الإسكندرية). (2) تدهور وضع الإغريق واضمحلال وتدهور مدينتهم الجديدة وهجران الروح الخيِّرة لها وعودة الآلهة منها إلى منف، ونشوب الصراعات بين أهل وحكام الإسكندرية وتدميرهم لبعضهم البعض، وتدني مستوى المدينة العظيمة إلى قرية فقيرة للصيادين. (3) ارتفاع مصر وعلو شأنها وارتقاء حاكم مصري وطني عرش البلاد لمدة خمس وخمسين عامًا وتوسع مصر ووفرة خيراتها وفيضان نيلها وتحسن ظروفها حتى الطبيعية والمناخية.

من خلال هذا المحتوى لوثيقة "نبؤة صانع الفخار" ندرك بكل وضوح أنها وثيقة مصرية قلبًا وقالبًا -رغم أنها مكتوبة باليونانية- وأن النصوص اليونانية للنبؤة من الواضح أنها تُرجمت عن أصل مصري -أو نقلت بتصرف عن ذلك الأصل على الأقل- وإن وردت الإشارة الصريحة في بردية فيينا G. 19813 أن "دفاع صانع الفخار" κεραμέως ἀπολογία أمام الملك أمينوفيس (بما يحتويه من نبؤات) قد تُرجم قدر الطاقة κατὰ τὸ δυνατόν μεθηρμενευμένη (2. 54-57). إن مفهوم الترجمة إلى اليونانية عن وثيقة ديموطيقية مصرية أمر متفق عليه بصورة نمطية وإن كان من العسير تحديد الفترة الزمنية التي تمت فيها تلك الترجمة[78]. أما عن طبيعة موضوع الوثائق التي تناولت تلك النبؤات فرغم أن G. B. Bazzana (ص207) يفضل أن يعِّرفه بعنوان "دفاع صانع الفخار" استنادًا إلى الاقتباس المشار إليه توًا، إلا أن الأقرب إلى صلب محتوى الوثيقة –كما رأينا أعلاه- يتسق مع العنوان الذي عُرفت به تلك الوثائق على نطاق واسع وهو "نبؤة صانع الفخار"، إن "دفاع صانع الفخار" عن نفسه في اتهامات نُسبت إليه أمام الملك تمثل (المناسبة) التي وردت فيها تلك النبؤات التي تغطي معظم الوثيقة، هذا فضلًا عن المدلول الرمزي لصانع الفخار وهو الإله "خنوم" كما أشرنا أعلاه. كما ينظر بعض العلماء إلى "نبؤة صانع الفخار" على أنها "دعاية تنبؤية" وطنية[79].

أما عن تاريخ تلك النبؤة فعلى الرغم من الزعم أنها نبؤة قديمة ترجع إلى عصر الدولة الحديثة في مصر الفرعونية وموجهة إلى الملك أمينوفيس (أمنحتب/ لا ندري أي أمنحتب من الأربعة؟) من الأسرة الثامنة عشرة (1569 – 1315 ق.م.) إلا أن محتواها والإشارات إلى كثير من الأحداث فيها يشير إلى أن العمودين الأول والثاني من بردية أوكسيرينخوس 2332 ليسا سوى رصد لاحق لأحداث سابقة، وإن اتسم بالغموض والرمز البعيد عن المباشرة ليضفي عليها صفة (النبؤة القديمة التي تخترق حجب الغيب وتنبئ عن أحداث مستقبلية). إن الحديث عن الإسكندرية –دون ذكر اسمها اليوناني بطبيعة الحال- بالإشارة إليها بأوصافٍ تنطبق عليها مثل "مدينة مرتدي الأحزمة" أو "المدينة المطلة على ساحل البحر" يؤكد ويدَّعم هذا الاتجاه. كما أن الأحداث المشار إليها في العمود الثاني من البردية ذاتها عن "تدمير مرتدي الأحزمة من التيفونين (الأشرار) لبعضهم البعض وأحداث العنف والموت والفرار إلى الجنوب وزواج المحارم" يشير بوضوح إلى أحداث القرن الثاني ق.م. –لاسيما الصراع المحتدم على العرش البطلمي بين الأخوين بطلميوس السادس وبطلميوس الثامن على مدى الفترة التي تبدأ من حوالي 170 ق.م. حتى أواخر ذلك القرن، بل وامتد الصراع على العرش حتى بعد وفاة بطلميوس الثامن عام 116 ق.م. واستمر حتى عام 80 ق.م. مما أنهك مملكة البطالمة بصورة كبيرة. ولذلك فإن التأريخ الحقيقي لتلك (النبؤة المصطنعة) ربما كان على الأرجح في فترة ما من النصف الثاني من القرن الثاني ق.م.[80] فضلًا عن ذلك فإن هناك إشارة تاريخية واضحة في نهاية العمود الأول من البردية 2332 (س س30-31): "ولسوف يحتل (مصر) ملك من سوريا سيصبح مكروهًا لكافة البشر":

……. Καθέξει δ]ὲ̣] εκ̣ [Σ]υρ̣ι̣ά̣ς βασιλεὺς ὅς | [ἔσται μεισητὸς πᾶ]σειν ἀνθρώποις

وذلك في إشارة واضحة إلى الملك السليوقي أنطيوخوس الرابع[81] إبيفانيس الذي غزا مصر مرتين عامي 169 و168 ق.م. وحاصر الإسكندرية ولكن طرده منها الرومان طردًا مهينًا.

أما القسم (العمود) الثالث من بردية أوكسيرينخوس والذي يتنبأ بظهور ملك مصري وطني مخلص من نسل إله الشمس وتنصِّبه إيزيس على عرش مصر ليحكم خمسة وخمسين عامًا تتوسع فيها مصر وتنهال عليها الخيرات والطيبات وتتحسن ظروفها الطبيعية والمناخية، ففي تقديري أنه هو الجزء الذي ينطبق عليه وصف (النبؤة) أو بالأحرى "التفكير المُفعَم بالأماني "wishful thinking لرفع روح المصريين المعنوية للإستمرار في تحدي ومقاومة الحكم البطلمي المتدهور على مدى القرن الثاني ق.م. وشحذ عزائمهم من خلال هذا الأمل في الخلاص من الحكم الأجنبي .. إنها تلك الدعاية الوطنية الإيجابية في صورة نبؤة[82]. معنى ذلك أن هذه النسخة اليونانية من (نبؤة) صانع الفخار تمثل خليطًا من التاريخ والأساطير والخيال التنبوئي الجامح وتتضمن عناصر مصرية في الأساس جنبًا إلى جنب مع أخرى يونانية وربما كذلك يهودية وفارسية[83]. أما بالنسبة لجزئية ترجمة نص تنبوئي مصري إلى اليونانية فيرى Roberts أن ذلك ربما كان مفهومًا خلال القرن الرابع ق.م. لمصلحة مجتمع إغريق منف حين كانت تجمع المصريين والإغريق مصلحة وقضية مشتركة ضد العدو الفارسي، أما تلك الترجمة –أو إعادة الكتابة- باليونانية لنص مصري في أواخر القرن الرابع أو أوائل الثالث ق.م. (بُعيد إنشاء الإسكندرية) فربما كان قاطرةً للتعبير عن الكراهية والغيرة تجاه الطبقة اليونانية الحاكمة وقلعتها الحصينة في الإسكندرية ليس فقط من جانب المصريين (لأن النبؤة لو كانت للمصريين فقط لكُتبت بالديموطيقية) بل كذلك من جانب طبقة "البيض الفقراء" من الإغريق والمصريين المتأغرقين ممن لا ينتمون إلى المدن اليونانية (في مصر) أو الجاليات اليونانية. ويرى الناشر ارتباطًا بذلك الأمر أن هذا الموقف يلائمه تاريخيًا أواخر القرن الثالث ق.م. وليس بداياته، وأن العبارات المعادية للإغريق ربما أضيفت لاحقًا. ولكن المشكلة لديه في أن الهجوم على الإسكندرية في النبؤة يلائمه ويتطلب تاريخًا أقدم من أواخر القرن الثالث ق.م. على اعتبار أن النبؤة تتحدث عن "المدينة قيد الإنشاء ἡ κτιζομένη πόλις والتي ربما أثارت –على الأرجح- مشاعر العداء ضدها في أوساط الجالية اليونانية في منف[84]. لكن هذا التفسير من جانب Roberts يتعارض مع نقطتين موضوعيتين في هذا الصدد (1) الأولى أن الجو العام للنص (لا سيما في العمود الثاني من الوثيقة) يُرجح القرن الثاني ق.م. بأحداثه وتداعياته وصراعاته في الإسكندرية ومصر كما أوضحنا أعلاه. (2) وثانيها أن استخدام اسم المفعول في حالة المضارع لوصف الإسكندرية κτιζομένη أي "قيد الإنشاء حاليًا" يتعارض مع مفهوم "النبؤة" التي تُشير إلى أحداث مستقبلية وكان ينبغي أن يكون في حالة المستقبل κτισθησόμενη لتتوافق –حسب السياق العام- مع نبؤة الفخراني للملك أمينوفيس. وفضلًا عن ذلك فإن الإسكندرية ظلت مكروهة من المصريين على مدى العصرين البطلمي والروماني لأنها سحبت البساط من تحت أقدام عواصمهم الوطنية وأهمها منف التي ستذهب إليها "الروح الخيِّرة" وتهجر الإسكندرية بعد اضمحلالها وتدهورها حسب النبؤة.

ويحاول فريزر الإجابة عن سؤال لا يجد له إجابة شافية تمامًا ويتمثل هذا التساؤل في الدافع الذي قد يدفع يونانيًا في الإسكندرية في أوائل القرن الثالث ق.م. –حتى وإن كان تعليمه متواضعًا جدًا- إلى الرغبة في قراءة "حلم نكتانيبو" أو "نبؤة صانع الفخار". ويرى أن النتيجة التي يمكن الوصول إليها في هذا الصدد أن تلك الترجمات كانت نتيجة للتأثير والنفوذ المصري لأن السكان المصريين (أهل البلاد) كانوا على إلمام ودراية باللغة اليونانية بصورة طيبة آنذاك وكانوا يفضلون قراءة رواياتهم باليونانية. ويرى فريرز أن هذه الروايات المصرية المُترجمة أو المُصاغة باليونانية قد تُرجمت في حالات عديدة بمبادرة من مصريين وكانت نواياها معادية أو شبه معادية للإغريق وأنها مستوحاة من تقاليد وتطلعات قومية[85]. ويمكن أن يؤيد ذلك التصور أن عددًا غير قليل من المصريين تعلموا اليونانية كمصدر لكسب العيش من خلال كتابة المذكرات والعقود والشكاوي والأوراق الرسمية لمن يجهلون اليونانية (اللغة الرسمية لمصر في العصرين البطلمي والروماني) من المصريين، وربما ساهم عدد من هؤلاء الكتبة المحترفين في ترجمة النصوص الأدبية المصرية من هذه النوعية إلى اليونانية[86].

أما عن المدى الزمني لتحقق نبؤة ظهور ملك مصري صالح مخلص يقيم ميزان العدل في البلاد ويصلح أحوالها المتدهورة ويأتي على يديه الرخاء والأمن فإنه لم يتحدد في الوثيقة (أو مجموعة الوثائق المعنية)، ولذلك فإنه أقرب إلى الأمنيات المفتوحة غير المحددة بزمان. إن "نبؤة صانع الفخار" يبدو أنها تشير بوضوح إلى مواقف تاريخية عديدة في إطار مركب من نسخ أو طبعات أو تنقيحات مختلفة[87] قابلة للتعديل والإضافة في صور أدبية متواضعة وظلت متداولة ويتم اجترارها على مدى زمني طويل -كلما دعت الحاجة– وهو أمر ينطبق على تلك الكتابات الأدبية من "أدب المقاومة المصري" على مدى فترات الحكم البطلمي[88].

النقطة الأخيرة فيما يتعلق "بنبؤة صانع الفخار" أن الوثيقتين الأساسيتين اللتان عرضتا النبؤة (P. Rainer, Vienna: G. 19813 + P.Oxy. 2332) يؤرخان بالقرن الثالث الميلادي في أواخره، أي بعد ثلاثة قرون من بداية الحكم الروماني. وهذا الأمر يثير التساؤل: ما جدوى اجترار مثل هذه النبؤة -التي تتمحور خلفيتها وأحداثها وإشاراتها المبطنة حول العصر البطلمي –في فترة متأخرة من الحكم الروماني لمصر؟ وأين جوهر النبؤة عن ظهور ملك مصري قوي يستعيد قوة مصر ورخائها، ولماذا لم تتحقق طيلة هذه الفترة التي تزيد عن خمسة قرون؟ يبدو أن دائرة الحدود الزمنية للنبؤات المصرية لا متناهية وغير محددة، وليس هناك في نص النبؤة ما يشير بقوة إلى تتابع وتوالي زمن العناء والشدة وزمن الخلاص وأن ذلك سوف يتكرر ثانيةً بنفس صورته في التاريخ المستقبلي في قادم الأيام. بل أن الطريقة التي وَصف بها زمن الخلاص ربما انطوت على انطباعات أو نبرة تدفع بها إلى ما وراء حدود الزمن المتعارف عليه. هذا الأمر يتجلى بوضوح أكبر بالتأكيد في "نبؤة الحَمَل" التي يمتد زمن البعث والإحياء فيها تسعمائة عام في المستقبل، وهوعدٌّ رمزي يدفع البعث والإحياء مسافات وأزمنة بعيدة عن الزمن الراهن لإطلاق النبؤة ليس فقط من منظور كمّي وإنما غالبًا كذلك بمنظور نوعي وكيفي .. إنها فترة زمنية (مدى زمني) مجردة[89].

من هذا المنظور فإن هذه المادة المصرية الأصل –سواء كانت باليونانية أو بالديموطيقية- ظلت متداولة لفترات زمنية طويلة بعد زمن صياغتها في القرنين الثالث والثاني ق.م. إلى أواخر القرن الثالث الميلادي (وربما بعده) كما رأينا في بعض من نسخ "نبؤة صانع الفخار" و"السيرة الشعبية للإسكندر" وغيرها. لقد كان الهدف من هذا اللون من الأدب الشعبي المصري هو الحفاظ على الوعي القومي المصري واجترار هذا الأدب في المواقف التي تستدعي ذلك، كما كان من أهدافه زعزعة الثقة عند سكان مصر من الإغريق، ولذلك فإن من المرجح أن إنجاز أيٍ من الهدفين أو كليهما تطلب نشر وتداول هذا القصص في صورة مكتوبة[90]. ويحاول البعض تفسير استمرار هذه النصوص الأدبية المصرية باللغة اليونانية تحت الحكم الروماني (بدلًا من الديموطيقية أو القبطية) بأن السبب في ذلك ربما كانت الأزمات الاقتصادية والسياسية في مصر والإمبراطورية في القرن الثالث الميلادي من استغلال اقتصادي ومعاناة الطبقة الوسطى من المصريين والإغريق في المدن المصرية مثل أوكسيرينخوس، وتغاضي ولا مبالاة معظم أباطرة القرن الثالث الميلادي بأوضاعهم، وأخيرًا وليس آخرًا الفشل المتكرر للرومان في حروبهم في الشرق ونجاحات وهيمنة تدمر وحكامها على زمام الأمور في الشرق لفترة قصيرة. إن مثل هذه التنبؤات الواردة في النصوص المذكورة ربما كانت مُحمَّلة بمشاعر الطبقات الدنيا من السكان المتحدثين باليونانية الذين لم تعد هناك أية روابط مشتركة مع الطبقة العليا من الإغريق، ناهيك عن الحكام الرومان على الرغم من صدور "الدستور الأنطونيني"[91] عام 212م. من جانب الإمبراطور كاراكللا والذي منح المواطنة الرومانية لكل السكان الأحرار في الإمبراطورية.

الخاتمة

والخلاصة بعد كل ما تقدم أن المصريين قد صُدموا –على الأرجح- بهزيمة وفرار أخر ملوكهم الوطنيين نكتانيبو الثاني (360 – 343/ 342 ق.م.) على يد الفرس رغم إنجازاته المدنية والعمرانية والحربية الكبيرة السابقة، ولكنه هزم نتيجة لظروف خارجة عن إرادته تتمثل في الخيانات التي تعرض لها من جانب جنده المرتزقة الإغريق وكذلك المرتزقة في الجيش الفارسي وحاكم مدينة صيدا. لذلك احتفظ المصريون لأخر ملوكهم بذكرى ناصعة لا تشوبها شائبة واتخذوا منه أيقونة نضالية لا تنمحي من ذاكرتهم في نضاله ضد الفرس القساة المتجبرين. من هذا المنطلق ابتهج المصريون بانتصار الإسكندر الأكبر على الإمبراطورية الفارسية وإسقاطها في نهاية المطاف عام 330 ق.م. لقد استقبل المصريون الإسكندر استقبال الفاتحين المحررين لهم من طغيان الفرس لا استقبال الغزاة، وشاركهم الإسكندر مشاعرهم المُرحبة باحتفالات كبرى في منف وأبدى توقيره وتبجيله لآلهتهم وعقائدهم عكس الفرس. من هنا اعتبر المصريون الإسكندر امتدادًا لحكامهم المصريين وأنه قد ثأر لهم من طغيان وغطرسة الفرس. وتطور هذا الشعور لديهم في صورة مزدوجة تتمثل في اعتزازهم بأخر ملوكهم الوطنيين نكتانيبو الثاني وامتنانهم للإسكندر الأكبر الذي خلّصهم نهائيًا من حكم الفرس وثأر لأخر ملوكهم الذي أطاحت به الخيانة. من هذه التوليفة جمح الخيال المصري ليجعل من الإسكندر الأكبر إبنًا لنكتانيبو الثاني –رغم عدم منطقية ذلك في السياق التاريخي- وذلك من خلال اختراع رواية عن فرار نكتانيبو الثاني إلى مقدونيا بعد هزيمته من الفرس في صورة ساحر مصري بارع استطاع أن يغوي أوليمبياس –والدة الإسكندر- وأن يجامعها في غياب زوجها فيليب الثاني في معارك خارج مقدونيا. كل ذلك ورد في "السيرة الشعبية للإسكندر Alexander Romance المنسوبة إلى كالليسثنيس Pseudo – Callisthenes.

ويظل نكتانيبو الثاني متوهجًا ومتقدًا في خيال وذاكرة المصريين ونراه في وثيقة يونانية من وثائق معبد سيرابيوم منف عرفت باسم "حلم نكتانيبو"، وهي وثيقة مفسرةٌ لما جاء في "السيرة الشعبية للإسكندر" عن سبب خذلان آلهة مصر لنكتانيبو –في نهاية المطاف- في حربه ضد الفرس. إن هذا السبب يتمثل في تقصير وإهمال نكتانيبو لمعابد إله الحرب المصري مما أثار حفيظته وجعله ينقلب عليه.

ويستمر نكتانيبو كأيقونة نضالية مصرية في وثيقة ديموطيقية مصرية يُطلق عليها "الحولية الديموطيقية" يوحي ظاهرها بأنها قد كتبت في عهد الملك تاخوس (362 – 361 ق.م.) إلا أن الإشارات الواردة فيها عن زوال حكم الإغريق وعودة مصر إلى السيادة المصرية يرجح أنها كُتبت –على الأرجح- في أواخر القرن الثالث ق.م. ربما بعد معركة رفح عام 217 ق.م. ومن الجدير بالملاحظة في هذه الوثيقة أنها لم تذكر من حكام مصر بالإسم إلا أسماء الملوك المصريين (من الأسرة 28 إلى حكم الملك تاخوس في الأسرة الثلاثين) وورد ذكر نكتانيبو الثاني ضمنيًا في إشارات واضحة الدلالة في عدة مواضع من البردية مع تجاهل تام لأسماء الحكام الأجانب من فرس أو إغريق حتى لا يُضفي عليهم أي شرعية. ومن المُلاحظ كذلك أن سيرة نكتانيبو الثاني –رغم الإشارات العديدة إليه- بدأت تفقد بريقها نسبيًا، بدليل أن الأمل صار معقودًا على بطل من "هنيس/ هيراكليوبوليس" ليحرر مصر من الاحتلال اليوناني الذي جثم على صدرها. هنا تبدلت الصورة وبدأ المصريون يدركون بوضوح أن الإغريق مستعمرون بعد أن زالت الأقنعة الزائفة التي خُدع بها المصريون مع مجيء الإسكندر الأكبر.

وأخيرًا تفاقم إحساس المصريين بوضعهم المزري في ظل الحكم البطلمي الذي بدأ يضعف ويضمحل خلال القرن الثاني ق.م. في ظل الصراعات بين أفراد العائلة الحاكمة البطلمية وتدهور الاقتصاد وزيادة الضرائب حتى وصلت حالة السخط ذروتها وندم المصريون –بأثر رجعي فيما يبدو- على إنشاء تلك المدينة على ساحل البحر (الإسكندرية). وجاء في (النبؤة) أنها سوف تسقط بعد أن تضمحل وتتردى لتصبح قرية للصيادين وتعود منف إلى مجدها القديم بهجرة "الروح الخيِّرة" من الإسكندرية إليها، وأن مصر سوف يحكمها أحد أبنائها المخلصين لمدة خمس وخمسين سنة تتحسن فيها أوضاعها كثيرًا وتتوسع وتزداد خيراتها وتتحسن ظروفها الطبيعية والمناخية- كل ذلك نراه في "نبؤة صانع الفخار".

[1])) في واقع الأمر هناك ملك مصري وطني آخر بعد نكتانيبو الثاني هو خبّاش الذي لم يرد ذكره في المصادر الكلاسيكية، ولكن ورد ذكره في لوحة الساتراب لبطلميوس الأول من عام 311 ق.م. ومن عدد من اللُقى الأثرية التي عُثر عليها بالصدفة في أرجاء مصر. لقد استغل خبّاش فرصة استياء جانب من الصفوة العليا من المصريين من حكم الفرس وقاد ثورة وتمردًا ضد حكم أرتاكسركسيس الثالث والرابع، في مصر العليا على الأرجح. ثم سيطر بعد ذلك على قسم كبير من مصر السفلى، وبذلك امتد حكمه على أجزاء من مصر بين عامي 338 و 336 ق.م. لكن خبّاش لم يُدَّون في قائمة مانيتون السمنودي عن ملوك مصر من الفراعنة، ربما أراد مانيتون أن ينكر عليه شرعية اعتلاء عرش مصر كملك. ويبدو أن السيرة الشعبية للإسكندر المنسوبة بالخطأ إلى كالليسثنيس قد حذت حذو نفس التقليد المصري (عند مانيتون) الذي يجعل الحكم الوطني المصري ينتهي بفرار نكتانيبو الثاني آخر ملوك الأسرة الثلاثين عند مانيتون، أنظر:

  1. Nawotka (2017), The Alexander Romance by Ps.- Callisthenes, A Historical Commentary, Brill, Leiden, p.38; Günter Hölbl (2001), A History of the Ptolemaic Empire, London and New York (Routledge: Translated into English by Tina Saavedra), p. 83; J. M. Cook (1985), The Persian Empire, New York, p. 207.

([2]) B.G. Trigger, B. J. Kemp et alii (1983), Ancient Egypt- A Social History, Cambridge (in Chapter 4: The Late Period, 664-323 B.C., by Alan B. Lloyd) pp.281, 287; G. Hölbl (2001), p.4.   

* كانت فترة حكم نكتانيبو الثاني تتسم بالقوة العسكرية والرخاء والازدهار الاقتصادي في مصر، ويدلل على ذلك المشروعات الإنشائية الضخمة فيما لا يقل عن 52 معبدًا داخل مصر. لقد اقتفى نكتانيبو الثاني في العديد من المجالات أثر ملوك الأسرة السادسة والعشرين في سايس الذين أطاح بهم قمبيز عام 525 ق.م. وبفضل الازدهار الاقتصادي لمصر في عهده تمكن نكتانيبو من حشد جيوش كبيرة تضم –ولا تقتصر على- الآلآف من المرتزقة الإغريق، ومن تبني سياسة خارجية نشطة تقوم على دعم وتأييد خصوم الإمبراطورية الفارسية في فينيقيا وقبرص (كما سنرى في سياق البحث)، ونجح في تحجيم النفوذ الفارسي إلى حد كبير. أنظر:

  1. Nawotka (2017), p.38.

([3]) راجع: محمد السيد عبدالغني (2018)، مصر القديمة من منظور يوناني – بين المفاهيم والممارسات، المبحث العاشر: العلاقات المصرية اليونانية (404 – 343 ق.م.) فترة استقلال مصر عن الفرس، ص ص 95-120، ص ص 108-109.

[4])) راجع المبحث العاشر من المرجع السابق.

([5]) Diodorus Siculus, The Library of History 16.40.3:

Κατὰ δὲ τὴν Ἀσίαν ὁ βασιλεὺς τῶν Περσῶν ἐν μὲν τοῖς ἐπάνω χρόνοις στρατεύσας ἐπ' Αἴγυπτον πολλοῖς πλήθεσι στρατιωτῶν ἀπέτυχε, κατὰ δὲ τοὺς ὑποκειμένους καιροὺς πάλιν ἐπολέμησε τοῖς Αἰγυπτίοις καὶ πράξεις ἀξιολόγους κατεργασάμενος διὰ τῆς ἰδίας ἐνεργείας τὴν Αἴγυπτον ἀνεκτήσατο καὶ Φοινίκην καὶ Κύπρον.

Cf. also 16.44.1; 16.48.1.

([6]) Diodorus Siculus 16.40.4-5:

ἀπετύγχανε διὰ τὴν κακίαν καὶ ἀπειρίαν τῶν ἡγεμόνων. διὸ καὶ καταφρονηθεὶς ὑπὸ τῶν Αἰγυπτίων.

([7]) Diodorus 16.42.2:

Τέννης δ' ὁτῆς Σιδῶνος βασιλεὺς προσελάβετο παρ' Αἰγυπτίων στρατιώτας μισθοφόρους Ἕλληνας τετρακισχιλίους, ὧν ἦν στρατηγὸς Μέντωρ ὁ Ῥόδιος. μετὰ δὲ τούτων καὶ τῶν πολιτικῶν στρατιωτῶν τοῖς προειρημένοις σατράπαις συμβαλὼν ἐνίκησεν καὶ τοὺς πολεμίους ἐξέβαλεν ἐκ τῆς Φοινίκης.

([8]) Diodorus 16.45.1:

ὁ δὲ Τέννης κοινωσάμενος τὴν προδοσίαν Μέντορι  τῷ στρατηγῷ τῶν ἐξ Αἰγύπτου μισθοφόρων τοῦτον μὲν ἀπέλιπε τηροῦντα μέρος τῆς πόλεως καὶ συνεργοῦντα τοῖς περὶ τὴν προδοσίαν ἐγχειρουμένοις

([9]) Diodorus 16.45.2-6.

([10]) Diodorus 16.47.1:

τῇ δ' ὑστεραίᾳ τοῦ βασιλέως εἰς τρία μέρη τὴν Ἑλληνικὴν δύναμιν μερίσαντος ἑκάστη μερὶς εἶχε στρατηγὸν Ἕλληνα καὶ τούτῳ παρακαθεσταμένον ἡγεμόνα ἄνδρα Πέρσην, προκεκριμένον ἐπ' ἀρετῇ τε καὶ εὐνοίᾳ.  

([11]) Ibid. 16.47.5:

αὐτὸς δὲ τὴν λοιπὴν δύναμιν ἔχων ἐφήδρευε τοῖς ὅλοις πράγμασι.  

([12]) Diodorus 16.47.5:

….. ὁ μὲν τῶν Αἰγυπτίων βασιλεὺς Νεκτανεβὼς οὔτε τὸ πλῆθος τῶν πολεμίων οὔτε τὴν ὅλην διάταξιν τῶν Περσῶν κατεπλάγη, καίπερ πολὺ λειπόμενος τοῦ πλήθους.

47.7:

 ἔχων δὲ καὶ τὰς ἄλλας παρασκευὰς πάσας πρὸς τὸν πόλεμον ἱκανὰς διὰ τὴν ἰδίαν ἀβουλίαν ταχὺ τοῖς ὅλοις ἔπταισεν.   

([13]) Ibid. 16.48.2:

ἐσχηκὼς γὰρ τοὺς τότε στρατηγοὺς ἐπιφανεῖς ἄνδρας καὶ διαφέροντας ἀρετῇ τε καὶ ἀγχινοίᾳ στρατηγικῇ, Διόφαντον τὸν Ἀθηναῖον καὶ Λάμιον τὸν Σπαρτιάτην, διὰ τούτων ἅπαντα κατώρθωσε·

([14]) راجع الحاشية رقم (2) أعلاه: المبحث العاشر.

([15]) Diodorus 16.48.4-7.

([16]) Ibid. 16.49.2-3:

ἐπὶ δέ τινας ἡμέρας συνεχοῦς γινομένης τῆς τειχομαχίας τὸ μὲν πρῶτον οἱ κατὰ τὸ Πηλούσιον

Ἕλληνες ἐρρωμένως ἠμύνοντο τοὺς πολιορκοῦντας· ὡς δ' ἐπύθοντο τὴν τοῦ βασιλέως ἀναχώρησιν εἰς Μέμφιν καταπλαγέντες περὶ διαλύσεων ἐπρεσβεύοντο. τοῦ δὲ Λακράτους δόντος αὐτοῖς διὰ τῶν ὅρκων πίστεις ὅτι παραδόντων αὐτῶν τὸ Πηλούσιον ἀποκομισθήσονται πάντες εἰς τὴν Ἑλλάδα μεθ' ὧν ἂν ἐξενέγκωσι, παρέδωκαν τὸ φρούριον.

([17]) Ibid. 16.49.7-50.7.

([18]) Ibid. 16.51.1:

 ἐν δὲ τῇ Μέμφει διατρίβων ὁ βασιλεὺς Νεκτανεβὼς καὶ θεωρῶν τὴν τῶν πόλεων <ἐπὶ τὴν προδοσίαν> ὁρμὴν οὐκ ἐτόλμησεν ὑποστῆναι τοὺς ὑπὲρ τῆς ἡγεμονίας κινδύνους. ἀπογνοὺς οὖν τὴν βασιλείαν καὶ τὰ πλεῖστα τῶν χρημάτων ἀναλαβὼν ἔφυγεν εἰς τὴν Αἰθιοπίαν.

([19]) Ibid. 16.51.2:

Ἀρταξέρξης δὲ παραλαβὼν πᾶσαν τὴν Αἴγυπτον καὶ τῶν ἀξιολογωτάτων πόλεων τὰ τείχη περιελὼν τὰ μὲν ἱερὰ συλήσας ἤθροισεν ἀργύρου τε καὶ χρυσοῦ πλῆθος, ἀπήνεγκε δὲ καὶ τὰς ἐκ τῶν ἀρχαίων ἱερῶν ἀναγραφάς, ἃς ὕστερον Βαγώας πολλῶν χρημάτων ἀπελύτρωσε τοῖς ἱερεῦσι τῶν Αἰγυπτίων.

([20]) Plutarchs Moralia, De Iside et Osiride 355C (=11); 363 C (= 31).

([21]) Diodorus Siculus 17.49.2:

οἱ γὰρ Αἰγύπτιοι τῶν Περσῶν ἠσεβηκότων εἰς τὰ ἱερὰ καὶ βιαίως ἀρχόντων ἄσμενοι προσεδέξαντο τοὺς Μακεδόνας.

([22]) Quintus Curtius 4.7.1:

Aegyptii olim Persarum opibus intense quippe avare et superbe imperitatum sibi esse credebant ad spem adventus eius erexerant animos.

([23]) Arrian 3.1.4:

ἧκεν ἐς Μέμφιν· καὶ θύει ἐκεῖ τοῖς τε ἄλλοις θεοῖς καὶ τῷ Ἄπιδι καὶ ἀγῶνα ἐποίησε γυμνικόν τε καὶ μουσικόν· ἧκον δὲ αὐτῷ οἱ ἀμφὶ ταῦτα τεχνῖται ἐκ τῆς Ἑλλάδος οἱ δοκιμώτατοι.

([24]) Ibid. 3.5.2.

([25]) P. M. Fraser (1972), Ptolemaic Alexandria, Oxford, vol.1, p.677; S. Hornblower and A. Spawforth (1996) (eds.), The Oxford Classical Dicthionary (3rd ed.), s.v. Pseudo- Callisthenes.

([26]) S. Hornblower and A. Spawforth (1996), loc. cit.

([27]) P. M. Fraser (1972), loc. cit., see also A. Tallet- Bonvalot (1994), Peseudo- Callisthenes. Le Roman dʼAlexandre. Vie dʼAlexandre de Macédoine, traduction et édition, Paris.

([28]) W. Kroll (1926), Historia Alexandri Magni, I. 1; (with the English translation of the Greek version by E. H. Haighr 1955):

Οἱ σοφώτατοι Αἰγύπτιοι, θεῶν ἀπόγονοι, γῆς μέτρα καταλαβόμενοι, θαλάσσης κύματα ἡμερωσάμενοι, ποταμὸν Νεῖλον διαμετρησάμενοι, οὐρανοῦ ἀστροθεσίαν διαψηφισάμενοι, παραδεδώκασι τῇ οἰκουμένῃ ἐπικράτειαν † ἀλκὴν λόγου, εὕρεσιν μαγικῆς δυνάμεως. φασὶ γὰρ τὸν Νεκτανεβώ, τὸν τελευταῖον τῆς Αἰγύπτου βασιλέα, μεθ' ὃν ἡ Αἴγυπτος ἐξέπεσε τῆς τοιαύτης τιμῆς, τῇ μαγικῇ δυνάμει πάντων περιγενέσθαι. τὰ γὰρ κοσμικὰ στοιχεῖα λόγῳ πάντα αὑτῷ ὑπετάσσετο·  

([29]) Ibid. I. 1-3:

3: διὸ καὶ στοχάσας τὸν τῶν Αἰγυπτίων βασιλέα ὑπὸ τῶν μακάρων ἤδη προδοσίαν ἐσχηκέναι ξυρησάμενος τὴν κεφαλὴν καὶ τὸν πώγωνα πρὸς τὸ ἀλλομορφῆσαι, ἐγκολπωσάμενος χρυσὸν ὅσον ἠδύνατο βαστάξαι, ἔφυγε τὴν Αἴγυπτον διὰ τοῦ Πηλουσίου. πολλὰ δὲ περινοστήσας ἔθνη εἰς Πέλλην τῆς Μακεδονίας παρεγένετο.

([30]) Ibid. I.3:

….. χρησμοδοτεῖ αὐτοῖς οὕτως· ‘Αἴγυπτον ὁ φυγὼν κραταιὸς ἄλκιμος πρέσβυς βασιλεὺς δυνάστης ἥξει μετὰ χρόνον νέος, τὸ γηραλέον ἀποβαλὼν τύπων εἶδος, κόσμον κυκλεύσας, ἐπὶ τὸ Αἰγύπτου πεδίον, ἐχθρῶν ὑποταγὴν διδοὺς ἡμῖν.

([31]) Ibid. I.4.

([32]) Ibid. I.5.  

([33]) Ibid. I.6.  

([34]) Ibid. I.7.   

([35]) A. M. Wolohojian (1969), Pseudo – Callisthenes, The Romance of Alexander the Great. Translated from the Armenian version with an Introduction by A. M. Wolohojian, New York.

([36]) Ibid. I.7-12.   

([37]) Ibid. I.13.   

([38]) Ibid. I. 14.

([39]) K. Nawotka (2017), pp. 46, 49.

([40]) P. M. Fraser (1972), I. pp. 677-78.

([41]) Ibid.

([42]) K. Nawotka (2017), Introduction, pp.25-26.

ولمزيد من التفاصيل عن هذه النقطة، أنظر:

  1. Jasnow (April, 1997), "The Greek Alexander Romance and Demotic Egyptian Literature", in the Journal of Near Eastern Studies, vol. 56, no. 2, pp.95-103.

([43]) Ibid.; P. M. Fraser (1972), I. pp.680-81.

([44]) G. Hölbl (2001), p.78.

([45])  P. M. Fraser (1972), I. pp.681, 85.

([46]) UPZ. I. 81.

([47]) Ibid. col. II., ll.8-10.

([48]) Ibid. col. II., l.17-III. l. 9:

«Ἐλθέ μοι θεὰ θεῶν, κράτος ἔχουσα μέ[[γιτο]]-γιστον καὶ τῶν ἐν τῷ κόσμωι ἄρχουσα καὶ ζώζουσα θεοὺς πάντες Ἴσιν, καὶ εἵλεως | γινομένης  ἐπάκουσόν μοι. Καθότι προσέταξας, |

διατετήρηκα τὴν  χώραν ἀμέμπτως |

III: καὶ ἕως  τοῦ  νῦν  ἐμοῦ  τὴν πᾶσαν | ἐπιμέλειαν πεποιημένου Νεκτον- | αβὼι τοῦ βασιλέως  Σαμαῦτος ὑπὸ  σοῦ | κατασταθὶς  ἐπὶς τῆς ἀρχῆς ἠμέληκεν | τοῦ ἐμοῦ ἱεροῦ καὶ τοῖς ἐμοῖς προσστάγ-|γμασιν ἀντιπέπτωκεν. Ἐκτὸς τοῦ | ἑαυτοῦ  ίεροῦ εμει καὶ τὰ ἐν τῷ ἀδύτωι | ἱμιτέλεστα ἐστειν διὰ  τὴν τοῦ πρωεσ-|τῶτος κακίαν»

([49]) Ibid. col. III., ll. 13-19:

…. καὶ  προσέταξεν κατὰ  σποδὴν ἀποστῖλαι | εἰς Σεβεννῦτον ἐπὶ  τὸν  ἀρχιερῆα καὶ  | τὸν  προφήτην  τοῦ 'Ονούριος. Παραγενο-|μένων δὲ  αὐτῶν εἰς τὴν αὐλὴν [[. . . . ν]]  ἐπυνθάνετο ὁ βασιλεύς, | τίνα  ἐστὶν  τὰ ἐνλίποντα  ἔργα  ἐν τῷ | ἀδύτωι  τῶι καλουμένωι Φέρσωι.

([50]) Ibid. col. IV., ll. 1-2.  

([51]) Ibid. col. IV., ll. 3-11:

Παραγενομένων δ' αὐτῶν κατὰ τὸ προστεταγμέ|νον  ἐπυνθάνετο ὁ βασιλεύς τίς ἐστειν ἐν αὐτοῖς | ἐυφυέστατος, ὅς  δυνήσεται ἐν  τάχει ἐπιτελέ-|σαι τὰ ἐνλίποντα ἔργα  ἐν τῷ ἀδύτωι τῷ | καλουμένῳ Φέρσωι. Τούτων διη | ῥηΟέντων OC Ν ἐξ Ἀφροδίτης πόλεως τοῦ | Ἀφορδιτοπολίτου, οἱ ὤνομα Πετήσιος | πατρὸς δε Ἐργῆος, καταστὰς  ἔφη δύνασθαι τὰ ἔργα πάντα ἐπιτελέσιν ἐν ηλι ἡμέραι.

([52]) Ibid. col. IV., ll. 12-15.

([53]) Ibid. col. I., ll. 1-4:

Πετήσιος | ἱερωγλύφου | πρὸς Νεκτοναβὼι τὸν βασιλέα.

([54]) W. Kroll (1926), I. 2.

([55]) Ibid., 1. 3:

ἀτενίσας δὲ εἰς τὴν λεκάνην εἶδε τοὺς τῶν Αἰγυπτίων θεοὺς τὰ τῶν πολεμίων βαρβάρων πλοιάρια διακυβερνῶντας. διὸ καὶ στοχάσας τὸν τῶν Αἰγυπτίων βασιλέα ὑπὸ τῶν μακάρων ἤδη προδοσίαν ἐσχηκέναι ….

([56]) P. M. Fraser (1972), I., p. 682.

([57]) W. Spiegelberg (1914), Die sogenannte demotische Chronik des Pap. 215 der Bibliothèque Nationale zu Paris nebest den auf der Ruckseite des Papyrus stehenden Texten, Leipzig.  

([58]) W. Spiegelberg (1914), S. 5.

([59]) Ibid., S. 4.

([60]) P. M.  Fraser (1972), I, p. 682; W. Spiegelberg (1914), S. 5.

([61]) W. Spiegelberg (1914), Vordeseite, kol. II, ll. 2-4.

([62]) W. Spiegelberg (1914), S. 5.

([63]) G. Hölbl (2001,the English translation), pp. 153-159.

([64])  Ibid., p. 153.

([65]) R. Jasnow (April 1997), p. 102.

([66]) G. B. Bazzana (2018), "The Oracle of the Potter and the "Apocalyptic Worldview" in Egypt", in (Ephemerides Theologicae Lovanienses 94/ 2) pp. 207-222, 211-213.

([67]) The first is a Rainer papyrus published by Carl Wessely in 1893 and is a part of the Austrian National  Library (collection in Vienna (G. 19813); it was revised in a much improved edition by H. Gerstinger in Wiener Studien (1925), pp. 219ff; then reprinted with one or two additional supplements by R. Reitzenstein in Reitzenstein- Schaeder, Studien zur antiken Synkretism (Studien der Bibliothek Warburg, VII), pp.38ff. the second document is P.Oxy. 22. 2332. See P.Oxy. 2332, introduction, p. 89, note 2.  

([68]) Ibid., introd., pp. 89-94.

([69]) P. Rainer = P. Vienna 2(G. 19813) 2. 54-57 apud G. B. Bazzana (2018), p.214.

([70]) L. Koenen (2002), "Die Apologie der Tӧpfers an Kӧnig Amenopolis oder das Tӧpterorakel in A. Blasius – B. U. Schipper (eds.), Apokalyptik und Ägypten: Eine kritische Analyse der relevanten Texte aus dem griechisch – rӧmischen Ägypten (Orientalia Lovaniensia Analecta), 107, pp. 139-187, pp. 183-184, apud G. B. Bazzana (2018), ibid; cf. also S. Beyerle (2016), "Authority and Propaganda – The Case of the Potter's Oracle", Supplements to the Journal for the Study of Judaism 175/ 1, pp.167-184, p. 177.

([71]) P.Oxy. 2332, Late 3rd century A.D., col. I, ll. 1-2: ….. ἄρξει δὲ τῆς Αἰγύπτου | […]ς εἰς τὴν [κτ]ειζομένην π̣όλιν … etc; see Bazzana, p. 214, note 31.   

([72]) P.Oxy. 2332, col.II, ll. 43-44, 55-56:

 ἐν τοῖς ἄνω τόποις καὶ ζωνοφόρων πόλ̣ι̣ς̣ ἐ̣ρ̣η-|[μ]ωθήσεται ὅν τρόπον τὴν ἐμὴν κάμεινον….  

([73])Ibid., introduction, pp. 91-93.

* تيفون  Tύφῶνفي الأساطير اليونانية هو ابن تارتاروس (رب الجحيم) وجايا (ربة الأرض). وُلد عقب انتصار زيوس على العمالقة Titans. وقد صُوِّر تيفون في صورة وحش له مائة رأس ثعبانية وعيون تقدح الشرر وصوت رهيب هائل. وقد هاجمه زيوس على الفور بالصواعق وألقاه في جحيم تارتاروس. ويصوره بندار وأيسخيلوس على أنه القوة الكامنة تحت البركان وأنه مصدر الرياح العاصفة المدمرة والتي تحول السفن إلى حطام. وهو يماثل المعبود ست الأخ الشرير لأوزيريس عند المصريين.

  1. C. Howatson (1900), The Oxford Companion to Classical Literature, Oxford University press, s.v. Typhoeus or Typhen.

([74]) G. B. Bazzana (2018), p.215.

([75]) P.Oxy. 2332, col.II, l.59.

([76]) Ibid., col.II, ll.32-34; and note on l.34.

ὁ δὲ τὰ πεντήκοντα πέντε ἔτη|{κοντα πέντη ἔτη} ἡμέτερος ὑπάρχων τοῖς Ἕλλησ̣ι̣ |τὰ κακὰ .[.] αχαριν ἡμε<ῖ>ν ὁ ἀμ{μ}νος ….

نبؤة حَمل بوخيريس هي نبؤة ورد ذكرها في بردية ديموطيقية تنبأ فيها الحَمل بغزو مصر من قبل الأشوريين ونقل آلهتها (تماثيل الآلهة) إلى نينوي عاصمة الآشوريين. والبردية الديموطيقية التي تتناول هذا الموضوع مؤرخة بعصر الإمبراطور أغسطس هي: P. Rain. Dem., Soknopaiou Nesos, 4/5 A.D.

أنظر: P. M. Fraser (1972), vol.I, pp. 509, 684.

([77]) كل الفقرات المقتسبة أعلاه هي بقية العمود الثاني من بردية أوكسيرينخوس:

P.Oxy. 2332, col.II, ll. 42-62.  

([78]) G. B. Bazzana (2018), p.213, note 24.

([79]) A. B. Loloyd (1982), "Nationalist Propaganda in Ptolemaic Egypt", Historia 31, pp.33-55; L. Koenen (2002); S. Beyerle (2016).

([80]) S. Beyerle (2016), pp.174-175; G. B. Bazzana (2018), pp.213, 215 (note 37).

([81])  S. Beyerle (2016), p. 169, n.7.

([82]) P. M. Fraser (1972), vol.I, pp.71, 210, 509, 681, 683-84.

([83]) C. H. Roberts, P.Oxy. 2332, introd., p.93.  

([84]) Ibid. and note 3 of the same page.

([85]) P. M. Fraser (1972), vol.I, pp.71, 210, 509, 681, 82.

([86]) رندة ماهر عبدالوهاب، "ظاهرة الكتابة باليونانية نيابةً عن الآخرين في مصر في العصرين البطلمي والروماني"- رسالة ماجستير غير منشورة- كلية الآداب- جامعة الإسكندرية، فبراير 2019.

([87]) S. Beyerie (2016), p.173.

([88]) P. M. Fraser (1972), vol.I, p.681.

([89]) G. B. Bazzana (2018), p. 217.

([90]) P. M. Fraser (1972), loc. cit.

([91]) C. H. Roberts, P.Oxy. 2332, introd., p. 94.

كيف وصلت الأثار المصرية إلي المملكة العربية السعودية ؟؟

بقلم -  د . هدير عبيد .

هناك العديد من الأدلة التي تثبت أن ملوك مصر القديمة أقاموا علاقات تجارية مع جيرانهم خلال الدولة القديمة والوسطى، أي منذ حوالي خمسة آلاف عام، حيث كنا نستورد الزيوت من سوريا وفلسطين وخشب الأرز من لبنان , ولكن بدأ الفراعنة خلال عصر الدولة الحديثة، أي منذ حوالي ثلاثة آلاف عام، يتوسعون بحدود مصر ويقومون بحملات حربية في مناطق شرق وجنوب مصر ..

اكدت الدكتورة "أوليفيا مونوز" الباحثة في مركز فرنسا الوطني للتحليل العلمي (CNRS)، الفريق الدولي لعلماء الآثار من فرنسا والمملكة العربية السعودية وإيطاليا، الذين اكتشفوا مساحة 35 مترًا منصة طقسية مثلثة طويلة (115 قدمًا) مدفونة فى مستوطنة واحة دومة الجندل شمال المملكة العربية السعودية، وأثناء الأكتشاف تبين أن المنصة بها مقبرة نهبت وبين الجثث المتحللة اكتشفوا تحفا مصرية قديمة، جاء ذلك بحسب ما ذكر موقع ancient-origins..

وقدمت ورقة جديدة بحثية جديدة نشرت في مجلة Antiquity ، دراسة علمية تتضمن تاريخ الكربون المشع على 14 من القطع الأثرية والبقايا البشرية من الرواسب الموجودة داخل المنصة، وتوضح الورقة كيف كان الهيكل فعالاً منذ الألفية السادسة قبل الميلاد واستخدمت في الطقوس الجنائزية والتذكارية، ويشار إلى أن هذه الاكتشافات "بصمة رمزية محتملة تركها الرعاة الرحل في المناظر الطبيعية خلال هذه الفترة النائية".

تشرح الورقة أن تحت الأحجار، تم اكتشاف عدد من الأجسام البشرية التي استنتج الباحثون أنها تعني أن المنطقة كانت ذات أهمية رمزية وموقع النشاط الاجتماعى والطقسى منذ بنائه.

وتشير نتائج البحث الذي تم إجراؤه ونشره إلى أن "المنصة شكلت حيزًا احتفاليًا للأنشطة الاجتماعية والطقسية، وتوفر مرساة مادية للذاكرة الاجتماعية وبناء الهوية، بالإضافة إلى علامة إقليمية للرعاة المتنقلين في المنطقة".

تعود مرحلة الدفن الثالثة إلى حوالي 5400 إلى 5000 سنة مضت، تم نهب هذه المقابر، لكن علماء الآثار اكتشفوا ثلاث عشرة خرزة: خرزة صدفة أسطوانية، وثلاث حبات أسطوانية حجرية، وثلاث حبات مسطحة من الحجر الأبيض وخمس حبات عقيق، علاوة على ذلك الأصداف البحرية من البحر الوردى، خرزة خزفية بزجاج مصرى وتميمة خنفساء الجعران من مصر القديمة.

الجعران الحجري مغطى بالزجاج الأزرق المصرى وهو محفور بفرعون منمق يرتدى غطاء رأسه التقليدي وتنورة مطوية طويلة، مفصّلة بكوبرا بارزة منه يشير هذا الاكتشاف بالذات، والاكتشافات المصرية الأخرى، إلى العلاقات التجارية القديمة بين سكان دومة الجندل والمملكة المصرية قديمة، هيمنت من القرن السادس عشر إلى القرن الحادي عشر قبل الميلاد.

وتخلص الورقة إلى أن وجود الحرف المصرية يرجع إلى قرب الموقع من سيناء وجنوب الشام، تم تداول الأختام المصرية على شكل جعران من أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد إلى منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد، لن نعرف أبدًا كيف وصلت هذه القطع الأثرية إلى السعودية من مصر القديمة، ولكن نأمل أن تساعدنا المزيد من الحفريات في المنصة الطقسية على فهم الحياة فى المملكة العربية السعودية قبل 8000 عام ..

كما ارسل الملك رمسيس الثالث بعثات تجارية لجلب النحاس حيث كشفت الحفائر ، عن آثار الفراعنة في المملكة والعلاقة التجارية بين البلدين قبل 3 آلاف عام.  

كما أن الحفائر في السعودية كشفت عن طريق تجاري يربط بين البلدين، كان يستخدم في العصور القديمة، ما يعني احتمال العثور على آثار وأدلة جديدة لملوك مصريين أرسلوا بعثات تجارية إلى المملكة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. وأكد أن جميع الدلائل الأثرية تشير بنسبة 100% إلى أن هذا كان طريقاً تجارياً استخدم في العصور القديمة، والعثور على خرطوش رمسيس الثالث لا يعني أنه ذهب إلى هناك، لكن القوافل التجارية اعتادت أن تضع اسم الملك في الطرق التي تمر بها.

جاء ذلك خلال لقاء جمع جاسر الحربش، رئيس هيئة التراث التابعة لوزارة الثقافة السعودية، ووزير الآثار المصري الأسبق الدكتور زاهي حواس، الذي يترأس البعثة المصرية السعودية في الحفائر، وذلك لبحث خطوات البدء في المشروع الحفائر ، وتنفيذ عدة مشاريع أخرى حول التراث السعودي، وتصوير سلسلة من الأفلام الوثائقية عن آثار السعودية ..

وأوضح حواس في تصريحات صحافية، أن العثور على آثار تخص رمسيس الثالث في السعودية أمر طبيعي، خصوصاً أن إحدى البرديات تقول إن الملك رمسيس الثالث أرسل بعثات تجارية لجلب النحاس من بلد مجاور، يعتقد أنه السعودية، لذلك من المتوقع العثور على آثار مصرية في الجزيرة العربية.

كانت السعودية أعلنت في نهاية عام 2010، اكتشاف ما وصفته وقتها بأنه أول نقش هيروغليفي في الجزيرة العربية، وهو نقش موجود على صخرة ثابتة في منطقة تيماء شمال السعودية، يتضمن خرطوشاً للملك رمسيس الثالث، آخر ملوك الرعامسة، الذي حكم مصر في الفترة بين 1192 و1160 قبل الميلاد.

يذكر أن تيماء التابعة لمنطقة تبوك شمال السعودية، تحوي نحو 46 موقعاً أثرياً، وعُثر بها على آثار مختلفة يعود بعضها إلى نحو 500 ألف عام، من بينها متحجرات لكائنات منقرضة، وآثار الحضارات ما قبل التاريخ، حيث كانت المدينة واحدة من المدن الرئيسية على طريق التجارة بين مصر وبلاد الرافدين.

                وما زال العمل والبحث مستمر لكشف الحجاب عن المزيد من البعثاث المصرية للملكة السعودية وبالتالي كشف المزيد من الطرق التجارية التي كان يستخدمها المصري القديم في المرور فكن كل مكان يمر به الفرعون المصري ينقش اسمه عليها  ...

 

 

الحقبة الفارسية في مصر بين الواقع والأسطورة

بقلم – ميرنا محمد

مرشدة سياحية

 يوم «منفيسَ» والبلاد لكِسرى والملوك المطاعة الأعداء يأمر السيفُ في الرقاب وينهَى ولمصرٍ على القذَى إغضاءُ جيء بالمالك العزيزِ ذليلًا

تُعد فترة الحكم الفارسي لمصر من بين الفترات الأوسع جدلًا في التاريخ المصري القديم حيث تعرضت للتشويه والتحريف الكبير من قبل الكتاب اليونانين في الفترات اللاحقة وبما أن هيرودوت وغيره من الكتاب اليونانين ظلوا لأوقات طويلة المرجع الوحيد تقريبًا لتاريخ هذه الحقبة فاعتمدت كتابات في أغلبها على روايات الكهنة وأفراد الشعب في حين أهملت المصادر التاريخية الموثوقة لذلك فقد تسربت إليها الكثير من الخرافات والأساطير

 ولقد شهدت مصر بداية من عصر الأسرة الـ22 اضمحلالاً عاماً لم ينتهِ إلا بوصول  الإسكندر الأكبر إلى سواحلها حيث جاء إليها

کمنقذ ولكن في الواقع قد جاء کمحتل جدید

لم تستطع مصر منذ عهد أبسماتيك الأول أن تستعيد قوتها بعد الانقسامات التي أضعفتها

غزت فارس مصر وحكمتها خمس مرات... ولكن تلك السنوات كانت فقيرة في تاريخ مصر

ما هي الحقيقه التاريخيه الاحتلال الفرس لمصر

اكثر من مرة ؟

ماهي اسباب دخول الفرس لمصر ؟

وهل ثار المصريون القدماء علي الفرس حقا خمس مرات؟

الاحتلال الفارسي لمصر *

ان بداية فقدان مصر نفوذها قي آسيا نتيجة لتغير الخريطة السياسية في آسيا وظهور قوى جديدة على مسرح الأحداث وهي

 الدولةالاخمنيه بقياده الملك "كورش الكبير" (سايروس الكبير)

 بحلول عام 550 ق.م.أسس الملك كورش الكبير

 الإمبراطورية الأخمينية بعد إخضاعه ما يُعرف اليوم بإيران والعراق وآسيا الوسطى وأجزاء من الشام إلى حكمه وبعد أستسلام الفينقيين كانت أسيا قد سقطت بيد الفرس ولم يبق في المواجهة دولة أخرى سوى مصرثم وبوفاة الملك كورش اعتلى ابنه قمبيز الثاني العرش من بعده وفور قضائه على الإضطرابات والمؤامرات التي حدثت عند توليه الحكم بدأ بالتجهيز لغزو مصر التي كانت تعيش فترة متعثرة في تاريخها وتحقيق خطط والده بالهيمنة على المنطقة بأسرهافي عام 525 قبل الميلاد شنّ قمبيز حملة عسكرية على مصر وقد ذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت في مؤلفاته والذي يعتبر المرجع الرئيسي لأحداث تلك الفترة بأن الملك أماسيس الثاني (الملقب بـ  أحمس الثاني ) قد نقض وعده في تزويج ابنته إلى قمبيز وتقديم ابنة الملك الذي حكم قبله (أبريس ) بدلاً من ابنته كعروس له  ومهما كان الأمر يبدو جليّاً أن هذه الحادثة كانت مجرد ذريعة قد استغلّها قمبيز لإخضاع آخر قوة عظمى متبقية في المنطقة تحت سيطرته .

توفي أحمس الثاني وخلفه ابنه ( پسماتك الثالث  ولكن هذا لم يمنع قمبيز من غزو مصرفي طريقه إلى مصر  سار قمبيز بجيشه على طوال سواحل البحر الأبيض المتوسط وأثناء مروره عبر صحراء سيناء  زوّد زعماءالقبائل المحليين ( العرب البدو) جيشه بالمياه العذبة تحسباً للعطش والجفاف فضلًا عن مساندة جماعة من اليهود الذين يدينون بالولاء للفرس منذ فك كورش أسرهم بعد دخوله إلى بابل

 كما أرسل قمبيز أسطولاً فينيقياً مع تعزيزات حربية على السواحل  وفي المقابل أرسل پسماتك القائد الأعلى للجيش المصري (أوجاهورسنت ـ ويُعرف أيضا بإسم ويجاهرريس) لإيقاف الأسطول الفينيقي في التقدم والهجوم لكن أوجاهورسنت أدار ظهره إلى ملكه پسماتك  والتحق هو واسطوله البحري إلى جانب قمبيز وجيشه وذلك قبل أي معركة بحرية يمكن أن تحصل !  وبطريقة مماثلة  قرر (بوليكريتوس ) حاكم مدينة ساموس اليونانية الذي وعد في تزويد بسماتك بالمرتزقة  لكنه قام

بإرسال هؤلاء المرتزقة إلى قمبيز بدلاً منه ثم تُرك پسماتك دون أيّ حليف !

وبعد اجتيازهم للصحراء قرر الفرس إقامة معسكرهم بالقرب من المعسكر المصري عند البيلوسيوم «الفارما» والتي كانت تعتبر بمثابة بوابة لمصر على الحدود الشرقية حوالي 30 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من بورسعيد حاليًا إلى جانب كونها منطقة حيوية كموقع تجاري هام ونقطة بداية للبعثات المصرية المتجهة إلى أسيا

 لم يتمكن الجيش المصري المتكون في أغلبه من المرتزقة الإغريق بقيادة أبسماتيك الثالث

للتصدي للفرس إذ كان الجيش الفارسي أكثر منه عددًا وأشد قوة وهنايذكرُ "الدكتور سليم حسن" في الجزء الثاني عشر من موسوعة مصر القديمة عن المؤرخ الإغريقي "بوليانوس" بأن قمبيز قد لجأ إلى نوع من الحيلة لشل مقاومة المصريين في الحصار حيث أمر بأن تجمع القطط والكلاب وبعض الحيوانات التي يقدسها المصريون وسيقت في مقدمة الجيش الفارسي فخشي بذلك المصريون من استخدام السلاح ضد ما يمثل آلهتهم وهي رواية ظاهرة التلفيق ولو كان لها ظل من الحقيقة فلِمَ لم يستعملها أعداء مصر على تعاقب القرون؟

مصرتحت الولاية الفارسية*

وهزم قمبيز الملك المصري بسماتيك الثالث فانسحب الأخير إلى منف الحصن العسكري لمصر وقتذاك ولكن قمبيز حاصر منف ودخلها وأسر الملك المصري وأرسله مكبلاً بالأغلال إلى

سوسا في بلاد فارس مقيدًا بالسلاسل كأخر حاكم مصري يحكم مصر حتى منتصف القرن العشرين وأصبحت مصر ولاية فارسية بشكل رسمي وبعد سقوط ممفيس (منف ) استمر قمبيز في التقدم على طول النيل  كانت جميع أراضي مصر في أيدي الجيش الفارسي القبائل الليبية (الأمازيغ ) المجاورة ودول المدن اليونانية

على طول الساحل الليبي  وعندما بسط سيطرته في أنحاء مصر  ذهب قمبيز إلى العاصمة المصرية (سائس  )  أو (صا الحجر  وهي الان قرية  في محافظة الشرقية ) ليتوج نفسه ملكاً على مصر  ثم منح قمبيز أوجاهورسنت صفة مستشار له ورئيساً للأطباء !!

على الرغم من أن قمبيز لم يواجه الكثير من المتاعب خلال غزوه الأولي لمصر الانه قد حاول التقرب وخلق نوع من الودّ والارتباط مع المصريين وذلك باتخاذه للألقاب المصريه القديمه والاهتمام بالديانات والطقوس المصرية وراح يتقرّب من الكهنة المصريين رغم ديانته الزرادشتية الديانة الرسمية للإمبراطوريات الأخمينية والبارثية والساسانية

حتى أن المؤرخ المصري مانيتون نسب إليهم الأسرة السابعة والعشرين بدءًا بالملك قمبيز وقد سجلت المصادر التاريخية المصرية عدة محاولات للتوسع التدريجي في ممارسة المراسم واعتناق العادات والتقاليد المصرية إضافة إلى عمله على وضع نظام لتأريخ أحداث عهده في مصر حيث أعتمد هذا النظام على اعتبار أن دخول الفرس إلى مصر قد حدث في فترة أسبق على تاريخ وقوعه الحقيقي أي منذ أصبح قمبيز ملكًا على فارس وهكذا أرخ للأحداث التي وقعت بعد فتح مصر

وفي المقابل تشير بعض الدلائل إلى اقترافه للعديد من الأعمال الوحشية تجاه المصريين

ولقد قتل قمبيز عقب استسلام منف  كثيرا من الشعب المصري القديم  رداً على شدة المقاومة الشعبية و قيامه بإخراج جثة الملك أحمس الثاني والد "بسماتيك الثالث "وحرقه على ضوء حادث قد جرى بينهما عبر مراسلات قبل الغزو

تنوعت الاّراء والاتجاهات عن تلك الشخصية المثيرة للجدل إذ نقل المؤرخ اليوناني هيرودوت صورة سيئة عن قمبيز عندما

وصفه بأنه ملك مجنون في كتاباته وذلك بسبب ارتكابه العديد من أعمال التدنيس للمقدّسات المصرية أثناء غزوه لمصر بما في ذلك قتل الإله المقدّس ( آبيس العجل)  ورغم ذلك  يبدو أن هذا التصور مُستمد من حكايات مصرية منقولة شفوياً وغير موثقّة  وبالتالي لربما تكون

تلك الفكرة ضعيفة تاريخياً  وغير حيادية

كانت معظم الاتهامات المنسوبة الى قمبيز في تدنيس الآلهة المصرية لا تؤيدها المصادر التاريخية المعاصرة

سعى قمبيز لاحقاً إلى إرسال حملة إلى نبتا حيث حكم محلي في النوبة أو مملكة الكوش وللتمويه قرّر الزحف عبر الصحراء الشرقية بعيداً عن وادي النيل ولاحقاً انقضّ من الصحراء على طيبة وهنالك اختار 50 ألف جندي من جيشه من أجل تجريد حملة ثالثة على واحة سيوة حيث معقل كهنة أمون وآخر مصادر التمرد على الأراضي المصرية وعلى رأسهم  "بيتوباستيس الرابع" الذي تحدى قمبيز ومن المحتمل جداً أن تواجد وتمركز بيتوباستيس  كان في إحدى الواحات الكائنة في عمق الصحراء الليبية وان قمبيز قد أرسل جيشاً 50 ألف جندي لإخماد تلك الثورة أو التمرّد ومن المحتمل أيضاً أن هذا الجيش قد هُزم في المعركة  أدت هذه الهزيمة في وقت لاحق  إلى ظهور أسطورة جيش قمبيز المفقود للتغطية على تلك الخسارة الغير متوقعة والتي صُيّرت فيما بعد الى ضياع الجيش في عاصفة رملية حسب ما رّوج له

  كما فشل في الوصول إلى المملكة النوبية فقرر قمبيز الاعتراف بفشله والعودة إلى منف

أراد قمبيز الاستقرار في مصر ولكن تمردات وثورات اندلعت في الأقاليم والمستعمرات الفارسية دفعته للعودة إلى فارس وأثناء بدء رحلته للعودة توفي في مصر عام 522 ق.م. وأثيرت قصص كثيرة عن وفاته وأشار هيرودوت إلى أن قمبيز بينما كان يعتلي جواده غرس نفسه بنصل سيفه عن طريق الخطأ وتلوث جرحه ومات انتظر العالم قرابة 2500 عام حتى يكشف أولاف إ. كابر من جامعة لايدن (أقدم جامعة في هولندا) عام 2015 عن تاريخ مرحلة مجهولة من تاريخ مصر استناداً إلى بعض الآثار والبرديات الموجودة في متحف اللوفر والتي ظلت مهملة لما ظنه البعض من عدم ثرائها لأنها تنتمي إلى مرحلة الاحتلال الفارسي

الثورات المصرية ضد الإحتلال الفارسي*

لم يقبل الشعب المصري الاحتلال الفارسي وظل يكافحه وتتابعت ثوراته بين حين وآخر

_"الثورة الأولى"

قاد النبيل المصري بيتوباستيس الثالث جيشاً وطنياً وقام بالثورة الأولى ضد الاحتلال الفارسي عام 522 ق.م. وسحق جيش الفرس غرب مصر يقول كابر في كتابه  أدلة جديدة حول التمرد المبكر ضد الحكم الفارسي وقمعه في الذاكرة السياسية" إن نبيلاً مصرياً "بيتوباستيس الثالث من نسل الأسرة الـ23قاد جيشاً وطنياً قام بالثورة الأولى ضد الاحتلال الفارسي وقام هذا النبيل بجيشه بسحق جيش قمبيز غرب مصر ولم ينتهِ الأمر هنا بل اندلعت ثورة شاملة في مصر عام 522 ق.م. أدت إلى تولي بيتوباستيس الثالث حكم مصر حتى عودة الفرس بجيش قوي مرة أخرى وإعادة احتلال البلاد مجدداً في زمن الملك الفارسي "داريوش الأول "الذى وصل إلى منف العاصمة عام 520 ق.م. قتل الفرس الملك بيتوباستيس الثالث ومحوا كافة آثار حكمه ما تسبب في محو هذه الثورة من الذاكرتين المصرية والفارسية ويفسر هذا الأمر اللغز الغامض حيال وفاة قمبيز واختفاء جيشه في الصحراء الغربية وغياب الحكم الفارسي عن مصر ما بين عامي 522 و520 ق.م. لم يكن بحث كابر الأول من نوعه ففي دراسة أكاديمية صدرت عام 2003 بعنوان "تاريخ الشرق الأدنى القديم 3000 – 323 قبل الميلاد" أشار عالم المصريات مارك فان دي مييروب إلى أن قمبيز قُتل على يد مصري قاد ثورة ضد الاحتلال وأشار إلى اسم الملك بيتوباستيس الثالث وتحدث العالم الفرنسي جان يويوت عن هذا الملك وثورته وحكمه في كتابه "بيدوباست الثالث" عام 1972، كما أشار اليه العالم الألماني هيرمان رانكي في كتابه "الأسماء المصرية القديمة" عام 1935 وهكذا يتضح لنا أن الحقيقة التي ظلت مهملة في اللوفر تعززها دراسات أخرى في أزمنة مختلفة

_الثورة الثانية ضد الفرس*

في دراسة نشرها العالم الأمريكي يوجين كروز  أوريب عام 1980 بعنوان "اكتشاف بسماتيك الرابع" أشار إلى بسماتيك الرابع باعتباره قائداً لثورة حررت مصر من حكم الفرس في الأيام الأخيرة لحكم داريوش وتطرّق أنثوني جون سبالينغر في كتابه "بسماتيك الرابع والخامس والسادس في معجم علم المصريات" الصادر عام 1982 إلى هذه الثورة وهذا الملك المصري وعصره كما أشار إلى الأمر أولاف إ كابر في قراءته لما أهمل اللوفر أن قد حكم بسماتيك الرابع حتى عام 484 ق.م. وكان داريوش الأول قد توفي عام 486 ق.م. وتولى ابنه "خشایارشا الأول" الحكم بعده عيّن خشايارشا أخاه هخامنش حاكماً لمصر وهو الرجل الذى استطاع أن يقضي على الثورة المصرية ويسقط الملك بسماتيك الرابع كما أسس جيشاً وأسطولاً قوياً من المصريين شارك مع الأسطول الفارسي في محاولة الغزو الفارسي الثانية لليونان بين عامي 480 و479 ق.م.

_الثورة الثالثة ضد الفرس*

يشير المؤرخ الأمريكي جون راي في كتابه "مصر ما بين عامي 525 و404 قبل الميلاد" إلى أن الثورة المصرية الثالثة التي اندلعت بين عامي 460 و459 ق.م. كانت بقيادة "إيناروس" ابن بسماتيك الرابع وقد تلقت دعماً من اليونانيين واشتبك الأسطول اليوناني مع الأسطول الفارسي على مقربة من السواحل المصرية بينما كانت الثورة مشتعلة في الداخل نجح" إيناروس" في قتل الحاكم الفارسي لمصر هخامنش  وإمعاناً في التحدي أرسل جثمانه إلى البلاط الفارسي ولكن الفرس استطاعوا أن يعودوا بجيش قوي مرة ثالثة إلى مصر وأسروا الملك إيناروس وصلبوه في فارس ويشير عالم المصريات بجامعة كوبنهاعن الدنماركية كيم ريولت في كتابه "الغزو الآشوري لمصر في التقليد الأدبي المصري" إلى أن أغلب خبراء التاريخ يخلطون بين الملك الثائر إيناروس والأمير الليبي إيناروس الذي ثار ضد الآشوريين قبل قرنين من زمن الاحتلال الفارسي لمصر

_الثورة الرابعة الثواره الكبري*

منذ وقوع الحرب البيلوبونيزية بين آثينا وآسبرطة 341 ق.م وبدأ الهدنة المشتركة مع الفرس فَقَدَ المصريون أي أمل في  الحصول على المساعدة اليونانية للتخلص من الفرس وفي هذه الأثناء أغتيل الملك اتكزركسيس وخلفه دارا الثاني الذي كان على العكس من أسلافه غير مؤمن بالتسامح الديني وحاول فرض عقيدته التي تقوم على عبادة النار في شتى الأقاليم المصرية الأمر الذي استتبع غضب المصريين حتى تحرجت الأمور واقتضت الثورة

والتي رصدها هيرودوت وغيره من المؤرخين الكلاسيكيين ولم يقدر الاحتلال الفارسي على محوها من الذاكرة لأنها ثورة انتصر فيها المصريون بقياده  (أمير تايوس الثاني)  الذي يرجح أنه ابن بوزيريس ابن أميرتايوس الأول

 في حشد جيش ضخم وأطلق الثورة المصرية الرابعةمستغلاً اضطرابات سياسية في البلاط الفارسي وبالفعل في هذا العام تحررت مصر من الغزو الفارسي

وقيام الأسرة الثامنة والعشرين

الفرس الساسانية يعودون من جديد*

فشل آخر ملوك الأسرة الثلاثين نخت أنبو في الدفاع عن مصر أمام الشاه أردشیر الثالث الذي احتلت قواته منف عام 343 ق.م ليبدأ الاحتلال الفارسي الثاني لمصر بحسب الكتابات القديمة والرابع بحسب الاكتشافات الحديثةوبحسب سليم حسن فإن أردشیر قام بنهب مصر من أجل تعويض خسائر فارس الاقتصادية ومارس بحقهم اضطهاداً دينياً إذ تمت مصادرة الكتب الدينية ومُنعت الصلاةوبحلول عام 332 ق.م أي بعد أقل من عشر سنوات وصل اليونانيون إلى السواحل المصرية لتبدأ مرحلة سيطرتهم على مصر انتقل الحكم في مصر من البطالمة إلى الروم ثم البيزنطيين كذا الحكم في بلاد فارس حتى قيام الإمبراطورية الساسانية (226 – 651)

وعلى أثر الحروب الساسانية البيزنطية استغلت الدولة الساسانية الوهن البيزنطي بالتقدم إلى مصر فدخل القائد شهربراز  إلى الإسكندرية عاصمة مصر عام 619 بعد غياب الفرس لمدة طويله لتبدأ حقبة فارسية جديدة

واستمر الحكم الساساني لمصر عشر سنوات بقيادة القائد شهربراز من الإسكندرية واستطاع الإمبراطور الروماني الجديد هيراكليس هزيمة كسرى الثاني الفارسي وأمر شهربراز بالرحيل عن مصر ولكنه رَفَض وعندما وقع الخلاف بين الفرس فقد منح مساعدة شهربراز للسيطرة على العرش الفارسي لنفسه وتوصل لاتفاق معه وانسحب الساسانيون من مصر عام 629

  والملاحظ في هذه *

يبدو من الإشارات والدلائل السابقة مدى التناقض والتضارب التاريخي الذي اكتنف هذه

 الحقبات سواء حقبة مصر الساسانية أو مصر الأخمينية هو غياب محاولات المزج الحضاري كتلك التي قام بها اليونانيون ثم الروم بالإضافة إلى أن الاضطرابات كانت تعم الدولة الأم في بلاد فارس ومصر فلم تكن محطات استقرار للبلدين بأي حال من الأحوال بالإضافة إلى ذلك هنالك غياب للمنجز الأثري أو العلمي فقد كانت تلك السنوات فقيرة في تاريخ مصر كما أن تقسيم هيرودوت للأسرتين الفارستين اللتين حكمتا مصر سواء الـ27 أو الـ31 بحاجة إلى إعادة نظر بعد اكتشاف الحكام المصريين الذين طمر تاريخهم وتاريخ ثوراتهم

إلا أن مما يمكن إقراره من خلال المصادر التاريخية هو البُعد عن المغالاة والقسوة في تصدير هذه الصور المبالغة عن الحكم الفارسي لمصر وأن التجاوزات التي وقعت في معظمها سواء من البطش بالمصريين في بدايات عهده أو ما وقع من اعتداءات على المعابد والحد من امتيازاتها كانت شائعة خلال تلك الحقبة الزمنية ككل لترهيب الشعوب المهزومة وإحباط مقاومتها

الأحفاد على خطى الأجداد – المتحف المصرى الكبير

          بقلم – ميرنا محمد

         مرشدة سياحية

عندما نزور أهرامات الجيزة نستغرق وقتاً طويلاً للذهاب إلى المتحف المصري القديم بميدان التحرير بسبب زحمة السير اما الان

على بعد كيلومترين فقط من أهرامات الجيزة سوف تزور المتحف المصري الكبير  الذي  قربيا سوف يفتح أبوابه أمام الجميع بعد أن أبهرت مصر العالم العام الماضي بأكثر من حدث واحد  جاء الدور الأهم وبدأ العد التنازلي لأكبر حدث أثري في القرن الحادي والعشرين افتتاح المتحف المصري الكبير قريب من موقع يستخدمه الأجداد منذ العصور القديمة يعود الأحفاد ليؤكدوا للعالم براعة وعظمة الشعب المصري عبر التاريخ ويضيفون الهرم الرابع بجوار إحدى عجائب الدنيا السبع

ملحمة تحدث فى المتحف المصرى الكبير*

لا يوجد شيء فى المتحف المصرى الكبير متروك للصدفة أو المفاجأة حيث أن تخطيط المتحف والطرق المحيطة به تخطيطًا عالميا وبأحدث الطرق العلمية المتبعة عالميًا ونظرًا لانه سيكون اكبر المتاحف الأثرية في العالم

فقد تم انشاء واجهة المتحف لتكون صلة وثيقة لتربط الرموز الأبدية لحضارتنا العريقة ومن أبرز ملامح التصميم الحالي استخدام التكوينات المعمارية المثلثة الشكل التي ترمز بوضوح إلى الأهرام هذه الصروح الراسخة التي تطاول الزمان

تتكون واجهة  المتحف من 7 أهرامات وهو رقم ذو دلالات عقدية وإيحاءات تراثية وطيدة الصلة بحضارتنا وتراثنا  الخالد على مدى قرون

وجاءت الواجهة الشرقية للمتحف  التى يبلغ ارتفاعها ٤٦ مترًا وطولها أكثر من ٨٠٠ متر  لتكون مقسمة إلى ثلاثة أجزاء الجزء الأول والثاني يحتوي كل منهما على 3 أهرام مضيئة وكأنها من خلال الضوء تصل الأرض بالسماء وهو ما يعرف بالبعد الرابع الذي استخدمه المصري القديم في تشكيلاته الفنية وتطل هذه الأهرام المضيئة من داخل المتحف بينما تظهر جزئيًّا من الواجهة الخارجية في حركة ديناميكية تؤكد على إبراز عبقرية المصرى القديم في تشييد الأهرام

أما واجهة المتحف الشمالية (الجزء الثالث) فهى الواجهة الزجاجية ذات الهرم السابع الشفاف وجاء التصميم للتأكيد على استمرار دور مصر الريادي الذى بدأ منذ قديم الزمان في بث إبداعات الحضارة علومًا وفنونًا وآدابًا

إذ نفذت الواجهة من الرخام والأحجار المصرية المستخرجة من محاجرنا في سيناء وهي نفس الخامات التي استخدمها المصرى القديم فى نحت التماثيل الفارهة وتشييد المعابد بعناصرها المعمارية الباهرة. أما جوانب المدخل الرئيس لهذه الواجهة المتميزة فجاءت في تشكيل بديع من خراطيش ملوك مصر في لمسة ترحيب حميمة بزوار المتحف المصري الكبير

حدث وتصميم فريد يحدث الاول مرة*

أمام المدخل الرئيس للمتحف المصري الكبير وفي البهو الخارجي على مساحه تبلغ 28 الف متر مربع أول ميدان لمسلة معلقة في العالم

ويُعدُّ هذا التصميم الأول من نوعه فى مصر والعالم على كثرة المسلات المعروضة في مصر وخارجها حيث يتيح التصميم الجديد للزائر رؤية فريدة فهو سيقف علي لوح زجاجي تحت قدميه مستقرًا فوق قاعدة المسلة ويعلو رأس الزائر بدن المسلة فإذا ما رفع الزائر بصره إلى أعلى رأى حينئذ الخرطوش النادر الذي يحمل اسم الملك رمسيس الثاني والذي يظهر في باطن بدن المسلة وذلك بعد أن ظل مخفيًّا عن الأنظار لأكثر من 3500 سنة حينئذ يأتي التواصل البصري الوجداني بين عين الزائر الواقف في المسافة بين قاعدة المسلة على الأرض وبدنها المرتفع فوق الرؤوس وهو إحساس إنساني فريد يحدث لأول مرة

ويبلغ وزن مسلة رمسيس الثاني حوالى 110 أطنان ويصل ارتفاعها إلى حوالى 16 مترًا وتقف شامخة في الميدان الخاص بها يصل الزائر للمسلة فإنه يرى خريطة مصر محفورة علي الميدان وبداخلها كلمة (مصر) أيضًا بكل لغات العالم ترحيبًا بالزائرين وذلك على الكسوات الخارجية للقاعدة الجديدة للمسلة علمًا بأنه قد أخذ في الحسبان مراعاة الجوانب الهندسية والأثرية في تصميم الميدان

 بانوراميًّا ساحرًا تثير الانتباه والإعجاب*

لقد بلغ إجمالى مساحة العرض المتحفى حوالى ٤٠ ألف متر مربع تشمل "متحف الطفل" و"الدرج العظيم" وقاعات العرض المؤقتة بجانب قاعتى العرض الرئيسيتين والأولى على مساحة ١٤ ألف متر مربع لعرض مجموعة الملك توت عنخ آمون والثانية على مساحة ٢٢ ألف متر مربع لعرض حوالى ٢٣ ألف قطعة أثرية تعود إلى ٤ حقب زمنية مختلفة

وبالتالي  ستكون بمثابة متحف مفتوح مرتبط بمتحف مغلق  مما يجعل المتحف المصري الكبير أول متحف بهذا الحجم في العالم

  سوف يضم المتحف العديد من القطع الأثرية ويبلغ إجماليها 1000 قطعة أثرية تعود إلى عصور مختلفة من الحضارة المصرية القديمة وإن كان أغلبها يعود لعصر الدولة الحديثة وبينها تمثال كبير للملك أمنحتب الثالث والإله حورس من الجرانيت الوردي يزن نحو 4 أطنان يعرض على الدرج العظيم بالمتحف

 وعمودين من الجرانيت الوردى للملك رمسيس الثاني يبلغ ارتفاع كل منهما 6 أمتار ويزن كل عمود 13 طنا تم وضعهما على الدرج العظيم ليكون بذلك آخر العناصر المعمارية الضخمة التى سيتم وضعها على الدرج العظيم

وسوف يحتوي المتحف علي المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون وذلك فى ١٠٤ فاترينات

نقلت 5800 قطعة أثرية من مجموعة الملك الذهبي إلى المتحف المصري الكبير

  تحتوى على مجوعة من الحلى والقلائد الذهبية وتحتوى على تمثال من الخشب المذهب يصور الملك توت عنخ آمون على ظهر فهد ولا يتبقى سوى القطع المهمة التى ستظل معروضة لآخر لحظة فى المتحف المصرى بالتحرير ومن أبرزها القناع الذهبى للملك وكرسى العرش والمقاصير الذهبية

 ولقدانتهى العمل بقاعدة تمثال الملك رمسيس الثاني والتي صممت بشكل فريد لتعطي إيحاء بأنّ التمثال الذي يصل وزنه إلى 83 طنًا يطفو على المياه

لقد نجح مهندسو المتحف المصري الكبير في تحقيق تعامد أشعة شروق الشمس على وجه تمثال الملك رمسيس الثاني داخل مقره الأخير في بهو المتحف المصري الكبير وبهذا تصبح الفكرة حقيقة مرتين الأولى في 21 أكتوبر والثانية 21 فبراير

 وسوف يعرض المتحف أيضا مجموعة أخرى متميزة تنتمى إلى عصور مختلفة تبدأ من عصر الدولة القديمة حتى عصر الدولة الحديثة

 أهمها تمثال مزدوج لكاتب معبد أتون فى تل العمارنة للمدعو مري- رع

 يحتوى التمثال على العديد من الدعوات والألقاب موجودة على لوح الظهر بتفاصيل ملونة بالأزرق ويتميز بتقنية فنية عالية من حيث الملامح والملابس والتفاصيل الممتازة لباروكات الشعر المستعار وصدريات الزينة

إضافة إلى عدد من قطع الفخار ومجموعة من التوابيت

ولقد تم نقل ايضا 67 قطعة أثرية ثقيلة إلى المتحف المصري الكبير بين تماثيل وبوابات معابد وأعمدة وضع منها 54 قطعة على الدرج العظيم

طبقا لسيناريو العرض المتحفي للدرج العظيم توجد 4 موضوعات مهمة الأول سيعرض على بداية الدرج ويجسد الصورة الملكية من خلال عرض تماثيل كاملة ونصفية ضخمة لملوك وملكات من العصر المبكر وحتى العصر اليوناني الروماني

 فيما يصور الموضوع الثاني مفهوم العبادة عند المصري القديم عن طريق عرض العناصر المعمارية الخاصة بتخطيط المعابد خلال الدولة القديمةوالوسطى والحديثة والعصر المتأخر ويتناول الجزء الثالث من الدرج العظيم فكرة تمثيل الملوك مع المعبودات المختلفة من خلال عرض مجموعات من التماثيل بأحجام متفاوتة تصور الآلهة منفردة أو مجتمعة برفقة الآلهة إضافة إلى تمثيل الملوك أثناء تأديتهم للطقوس والشعائر الدينية والطقسية أمام الآلهة أو الملوك في الهيئة الأزويرية.

وجاري ايضا زراعة الحديقة المتحفية بالأشجار التي كانت معروفة عند المصري القديم

ولقد انتهى نقل عدد كبير من القطع الأثرية من مختلف أنحاء الجمهورية من العديد من المواقع والمناطق والمتاحف الأثرية، خاصة المتحف المصري بميدان التحرير إلى المتحف المصري الكبير

ولا يتوقف الإبداع عند هذا الحد سوف يتم عمل أول "براند مصرى" من إنتاج المتحف حيث تم تصنيع منتجات يدوية تحاكى الأبعاد الحقيقية للقطع الأثرية بنفس الطريقة المتبعة فى التصنيع عند المصرى القديم مع إضافة شعار المتحف "براند" من إنتاج مركز الحرف والفنون اليدوية بالمتحف وبذلك يكون المتحف الكبير هو أول متحف مصرى له منتجات خاصة به تحمل اسمه أسوة بما هو معمول به فى المتاحف العالمية

حيث من المتوقع أن يستقطب 5 ملايين زائر سنوياً وعند افتتاحه سيكون أكبر متحف خُصص لحضارة واحدة

طريق الحرير ماضى أصبح حاضرًا

بقلم الباحثة الشيماء كامل

قد يحاول أى رحالة على قدر كاف من الجرأة والتهور أن يقطعه فى الوقت الحالى حيث يبدأ من الصين مرورا بدول الاتحاد السوفيتى سابقا وإيران والعراق وسوريا وأفغانستان وتركيا وباكستان والهند ولبنان وفلسطين والأردن ومصر، وحتى فى حالة قدرة المرء على التسلل عبر الحدود المغلقة، وعبور تلك المناطق التى تشتعل فيها الحروب فإن المسافر سيمكنه رؤية جزء متواضع من طريق الحرير قياسا على ما كان عليه من عظمة فى تلك الأيام الخوالى. ولكن الجيد فى الأمر أن الصين قد أعادة إحياء هذا الطريق. تعالوا لنتعرف على قدر من المعلومات عن الطريق الذى كان جزء من ماضى، وأصبح حاضرا الأن بيننا. 

كان طريق الحرير من الطرق التجارية الهامة فى عالم العصور القديمة والوسطى، بالإضافة إلى كونه طريق الديانات، والحضارات، والثقافات، والفتوحات القديمة، إنه الطريق الذى سار عليه دعاة البوذية، والمسيحية، ونشر من خلاله التجار العرب الإسلام فى ربوع أسيا فى العصورالوسطى الإسلامية.

فقد عاش هذا الطريق  سنوات عز وازدهار، وأخرى من الكساد والانقطاع، أما أكثر أيامه ازدهارا فكانت عندما خضعت البلاد الواقع فيها الإمبراطوريات القوية كما حدث فى عهد الفرس والمغول، فى حين أدى ضعف الدولة التى يمر فيها وحدوث حروب صراعات فيما بينها إلى انقطاع الطريق .

سبب التسميه:

أشار الباحثون إلى أن أهل الإمبراطورية البيزنطية أطلقوا عليه هذا الاسم أى طريق الحرير،

) وفى القرن التاسع عشر أطلق المستكشف الألمانى فرديناند فون ريشتهوفن اسم Die Seidenstraße ( (أي طريق الحرير) على هذا الطريق الذى يقطع قارة أسيا، وقد احتفظت الصين بسر انتاج الحرير مدة لا تقل عن ألفى سنة، كانت خلالها المصدر الوحيد للأقمشة الرقيقة الفاخرة التي تصل للغرب حتى القرن السادس الميلادي. وكان الحرير أهم سلعة تنقل على هذا الطريق خاصة أن الصين ظلت زمنا طويلا تحتفظ بسر تربية دودة القز وصناعة الحرير وأدى هذا إلى نسج الحكايات والأساطير عن الحرير فى الغرب ، ووصل الأمر بالبعض إلى القول أن الحرير نبات، وكان أهل الغرب الأوروبى يعرفون الصين باسم سيريس وهو مشتق من الكلمة التى تعنى الحرير بلغة آسيا الصغرى.

الطريق واهميته :

على مر التاريخ كانت هناك مدن تظهر وأخرى تختفى تبعا لموقعها من طريق الحرير، تماما كما حدث مع تدمر والبتراء اللتين ازدهرتا بمرور تجارة الحريرعليهما ثم انهارتا وطواهما النسيان حين ابتعدا مسار الطريق عنها.

شهد طريق الحرير أنواعا شتى من التجارة، لعل أغربها ما عرف باسم التجارة الصامته حيث كان أحد الطرفين يترك بضاعته فى مكان متفق عليه، ثم يأتى الطرف الأخر بما يريد مقايضته بتلك البضاعة ويضعه ويغادر المكان. فإذا عاد الطرف الأول وأعجبه ما تركه الطرف التانى مقابل بضاعته أخذه وانصرف وإلا فإنه يغادر المكان دون أن يأخذ شيئا. وهنا يعود الطرف الأخر ويزيد المقابل ويغادر المكان، فإن قبل الطرف الأخر فى هذه المرة أخذ بضاعة الآخر وانصرف، وإلا استمرت هذه العملية إلى أن يرضى وتتم الصفقة، وطوال هذه الفترة لايرى أحد الطرفين الآخر أو يلتقى به.

وعلى الرغم من أن أهم  سلعة على هذا الطريق هى الحرير، وهى الأغلى ثمنا والأرقى، إلا أن الطريق عرف عليه تجارات أخرى متعددة منها الفواكه، والخضروات، والحبوب، وأيضا اليشب (وهو ذلك الحجر الكريم ذو المكانة عند الصينين) وهناك الذهب، والفضة، والزجاج وغيرهم. كذلك انتقلت صناعة من أهم الصناعات وهى الورق وهذا المنتج أحدث ثورة فى عالم الثقافة والمعرفة، وخاصة أن الصينين ابتكروا أيضا طريقة للطباعة بالقوالب الخشبية. وانتقلت هذه الطريقة إلى أوروبا على طريق الحرير، لتفتح الباب أمام جوتنبرج ليخترع طريقة الطباعة بالحروف المتحركة .

وأيضا ذكر المؤرخ  الثعالبى فى القرن الرابع الهجرى العاشر الميلادى بقوله " إن كواغيد سمرقند عطلت قراطيس مصر، والجلود التى كان الأوائل يكتبون عليها؛ لأنها أحسن وأنعم وأرفق وأوفق ولا تكون إلا بسمرقند والصين". فكان أجود أنواع الورق فى ذلك العصر  بمملكة الإسلام هو "الكاغد" والذى نقلت صناعته من الصين، ونال على أيدى المسلمن التغيير الهام الذى يعتبر تطورا فى تاريخ العالم، وقام المسلمون الفرس بتنقيته مما كان يستعمل فى صناعته من ورق التوت ومن الغاب الهندى .

تاريخ الطريق وفترات ازدهاره:

لقد أشارت المصادر إلى أن هذا الطريق ازدهرت عليه مدن تجارية عندما خضع إلى إمبراطوريات قوية كما حدث فى عهد الفرس والمغول، والحقيقة أن طريق الحرير لم يزدهر سوى فى فترات معينة أولهما فيما بين القرنين الخامس والثامن الميلاديين، والثانية فيما بين القرنين السابع والثامن الهجريين، وجانب من القرن التاسع الهجرى، وجانب من القرن الخامس عشر الميلادى حيث تم تبادل السلام المغولى على طريق الحرير فى الفترة الأولى وهى عهد أسرة ينوان (يوان) المغولية فى الصين 658-770 ه  /1260- م1368 بعد ذلك حلت أسرة مينغ الصينية محل الخانات فى الصين 1368-1644م،  واستطاع خانات المغول من الأسرة الينوانية فرض السلام المغولى على طريق الحريرلمدة قرن من الزمان، فعمت السكينة تجارات المدن الصينية، ومدن آسيا الوسطى الواقعة على الطريق، وكان هذا قرن السلام والازدهار المغولى لطريق الحرير، ثم جاء التيموريون خاصة عهدى تيمور وابنه شاهرخ ميزرا (1370- 1447م)، فتم فرض سلام تيمورى - لم تتحدث عنه المصادر والدراسات المختلفة، حتى كتاب طريق الحرير ذاته – على طريق الحرير بعد أن أعاد تيمور بناء وتجديد ما تم تدميره من مدن على أيدى المغول وعلى يديه، خاصة مدن أسيا الوسطى فعاد الازدهار الثالث – ويتصل زمنيا بالازدهار الثانى- لطريق الحرير وتجارات أسيا الوسطى، ويرجع هذا إلى احتياج مغول الصين ثم أسرة منغ الصينية أل تيمور لإعادة الانتعاش لخزائنهم فعاد الإزدهار التجارى والثقافى للمدن الصينية ومدن آسيا الوسطى على الطريق الحريرى ، وظلت هكذا حتى انتهاء العصر التيمورى 1505م.

وقد يظن البعض أن طريق الحرير طريقا واحدا، ولكن فى الحقيقة هو شبكة من الطرق الفرعية التى تصب فى طرق أكبر أو بالأحرى فى طريقين كبيرين، حيث أشار بدر الدين الصينى إلى طريقين حيث يعرف أحد الطريقان فى المصادر الجغرافية الصينية باسم (نان لو) أى الطريق الجنوبى، والآخر باسم (بيلو) أى الطريق الشمالى، وكانت المحطة الابتدائية لكل واحد منها هى مدينة سى آن التجارية الصينية والمحطة النهائية هى مدينة خبوا التجارية الفارسية. وقد كانت المدينة التجارية الصينية شان شان (تشرتشن) أول وأكبر مدينة يستريح فيها التجار المسافرون على الطريق الجنوبى ويتزودون فيها بالمؤن ثم يتجهوا بعد ذلك إلى مدينة خوتان التجارية الصينية ، أما التجار المتجهون إلى الهند يسيرون فى بعض الأحيان عبر الجبال الواقعة خلف خوتان، وغالبا ما كانوا يمضون فى السير على الطريق الجنوبى. أما الطريق الشمالى الذى يسلكه التجار من تونهوانج فيتجه ناحية الشمال الغربى عبر صحراء كوبى حيث يجدون العديد من الواحات وكانت أولى تلك الواحات هى واحة هامى . والذي يجمع بين هذه السبل والمسارات جميعاً هو أنها مسالك للقوافل المتجهة من الشرق إلى جهة الغرب، لتمر في طريقها ببلدان ما لبثت أن ازدهرت مع ازدهار هذا الطريق التجاري الأكثر شهرة في العالم القديم.

ولقد سار الرحالة أمثال ابن بطوطة وماركو بولوعلى هذا الطريق فى عصر ازدهاره، وكانوا شاهد عيان على ازدهار الطريق والمدن التجارية. وقد استخلصنا من كتابات الرحالة والجغرافيين والمؤرخين المعالم السياسية والحضارية لطريق الحرير ومدنه التجارية.

ويبلغ طول هذا الطريق يبلغ 8325 كيلو مترا تقريبا ، وكان يبدأ من سور الصين العظيم أو مدينة سى آن كما أشارنا من قبل ثم نصل إلى ممر كانسو مخترقا آسيا الصغرى مرورا بالهند وروسيا وإيران وأفغانستان حتى يصل إلى بغداد وحلب

ودمشق ثم إلى أنطاكية وأوروبا وهذا الطريق قد ربط شرق العالم بغربه، ومثلما كان هذا الطريق للتبادل التجارى أيضا كان طريقا للتبادل الثقافى وخاصة الصين وآسيا الوسطى، حيث نقلت الصين من آسيا فنون الأكروبات التى اشتهرت بها حاليا وأيضا انتقل اللاعبون مع أهل الفن والغناء والرقص وانتقلت أيضا موضة الملابس، وأغطية الرأس، وفنون المعيشة .

أما الوسيلة المستخدمة فى التنقل على هذا الطريق هى الجمال، وهى وسيلة الانتقال الأساسية وتختلف الجمال فى أسيا الوسطى عن الجمال فى الجزيرة العربية فى كونها ذات سنامين، وهى قادرة على تحمل برد الليل القارس وزمهرير الشتاء إلى جانب تحملها لحرارة الصحراء أثناء النهار، وهى قادرة على معرفة العواصف، حيث قال عنهم بى شى "عندما توشك هذه الرياح على الهبوب تكون الجمال وحدها هى القادرة على التنبوء بوجودها ففى الحال تجتمع كلها وتدفن أفواهها فى الرمال ". وهناك وسائل أخرى مثل الحمير والبغال، وأيضا شهد استئناس الحصان، وتوليد سلالات قوية من الخيل، حيث ظهرت أساطير عن الخيل أهمها أسطورة الخيول السماوية التى ولدت فى الماء وحملت الحكام الأسطوريين إلى السماء حيث يخلدون .

طريق الحريركأى طريق قديم ملىء بالمخاطر وخاصة أن التجارات عليه كانت تحمل كل غالى ونفيس، لذا وجد قطاع الطرق الذين كانوا ينتظرون الفرص لذلك، وأيضا وجدت مخاطر أخرى مثل العواصف الرملية ومشاكل فى الطعام والشراب، ولكن لم يكن هذا ما يواجهه المسافر فقط من مخاطر بل هناك جانب أخر وهو مانع جبال البامير الشرقية التى أطلق عليها الفرس سقف العالم بسبب ارتفاعها الشاهق الذى يصل إلى خمسة وعشرين ألف قدم نعم طريق الحرير من أعظم الطرق القديمة ولكن كان به الكثير من المخاطر التى يصعب تلاشيها جميعا.

مشروع الحزام والطريق:

لقد حصلت الصين على لقب مصنع العالم، ولكى تتمكن الصين من مواصلة هذا التوسع فإنها أطلقت مبادرة الحزام والطريق التى تساعدها على تعزيز علاقتها الإقتصادية مع العالم الخارجى، وتعتمد هذه المبادرة على استثمار فكرة طريق الحرير القديم، ذلك الطريق البرى الذى كان يربط الصين بمنطقة أسيا والبحر المتوسط منذ ألاف السنين، ولكن المبادرة الجديدة هى أوسع نطاقا من حيث المكون القطاعى فهى تتضمن إنشاء شبكة من الطرق البرية، وأخرى من الممرات البحرية، وثالثة من خطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعى . حيث بدأ الاعلان عنها فى عهد الرئيس الصينى شى جين بينغ لأول مرة فى عام 2013 بعنوان حزام واحد وطريق واحد، وفى عام 2017 استخدمت المبادرة باسم الحزام والطريق، ونجحت الصين حتى يناير 2018 فى اجتذاب 75 دولة و35 منظمة دولية للانضمام للمبادرة وتعد هذه المبادرة أوسع نطاقا من الناحية الجغرافية مقارنة بطريق الحرير القديم.

 

" فرعون المجد في مصر القديمة "

بقلم - د . هدير عبيد

دكتوراه في الآثار المصرية القديمة 

الملك تحتمس الثالث، فرعون المجد والانتصار وسيد الملوك المحاربين والعسكريين الاستراتيجيين، ومكمل الإمبراطورية المصرية فى العالم القديم متخذًا من جده الملك المؤسس تحتمس الأول قدوة ومثلاً أعلى، قال التاريخ عنه أنه أعظم حكام مصر، وأنه أحد أقوى الأباطرة في التاريخ، حيث أسس أول إمبراطورية مصرية، استمرت لأكثر من أربعة قرون، طيلة حياته قاد 17 حملة عسكرية لقارة آسيا، وليغزو سوريا، وفلسطين، ويقتحم بلاد ما بين النهرين، فقد امتدت حدود مصر إلى عمق آسيا وإفريقيا ليؤسس إمبراطورية عظمى فى ذلك العصر.

تحتمس الثالث والذي يعني اسمة "المولود لجحوتي" إله العلم والمعرفة، وهو الفرعون السادس من الأسرة ١٨، التى حكمت مصر فى الدولة الحديثة، وابن تحتمس الثانى من زوجته إيسة، كما انه أخ نصف شقيق للملكة حتشبسوت، والتي أصبحت وصية عليه عند اعتلائه العرش صبيًا فيما بعد، بل إنها أغتصبت منه العرش قبل أن يعتليه منفردًا بعد وفاتها، ليحكم مصر 54 عام كاملة.

طيلة سنوات حكمه ترك تحتمس الثالث العديد من الأثار التي تخلد انتصاراته ومعاركه،فى كل أنحاء مصر تقريبا من سيناء إلى الشلال الرابع، فقد شيد معابد فى الكرنك، بالإضافة للبوابتان العملاقتان السادسة والسابعة في قاعة الإحتفالات، ومعبد الدير البحري بجوار معبد حتشبسوت، وجبل السلسلة والإلفنتين، ومعبد للإله بتاح في موطنة منف، ويحتوى على ثلاث حجرات، الأولى لبتاح، والثانية لحتحو ربة طيبة، والثالثة المعبودة سخمت زوجة بتاح، كما أقام ما لا يقل عن سبع مسلات معظمها يزين عدد من عواصم العالم، في نيويورك ولندن وروما واسطنبول.

توفي تحتمس الثالث عام 1425 قبل الميلاد، وقد تخطي عمره 82 سنة، وقبل أن يموت قام بأكبر عملية  تدمير منظمة لتماثيل زوجة أبيه وشريكته في العرش الملكة حتشبسوت، بالإضافة لتدمير صورها ونقوشها ومدوناتها، لكنه لم يمحو إلا التماثيل والصور التي أظهرتها في صورة حاكمًا لمصر، وترك تلك التي تظهر فيها حتشبسوت باعتبارها الإبنة الملكية، أو الزوجة الملكية .

لقد كان لتحتمس الثالث عظيم الفضل في جعل مصر القوة السياسية والعسكرية العظمى في منطقة الشرق الأدنى القديم، بفضل انتصاراته العسكرية الفريدة التى غيرت وجه التاريخ، حيث قام بقيادة الجيش المصري في 16 حملة حربية مظفرة في بلاد الشام، قاهرا كافة القوى السياسية والعسكرية من الإمبراطوريات والدول والممالك المناوئة للنفوذ المصري في المنطقة في العهد القديم، ومؤسسا لإمبراطورية مصرية عظيمة في بلاد الشام، كان لها الفضل فى الحفاظ على الأمن القومي المصري لمئات الأعوام.

لقد أثارت تلك العبقرية العسكرية الفريدة والمقدرة الإستراتيجية الفذة التى تمتع بها الفرعون المحارب العظيم تحتمس الثالث ذهول المؤرخين وعلماء المصريات إلى حد كبير، حيث تجلت تلك العبقرية العسكرية  والمقدرة الإستراتيجية من خلال تلك المعارك الحربية الكبرى التى خاضها، والتي طبقت من خلالها معايير ومبادئ الحرب التى مازالت مطبقة حتى الآن – من الناحية الأكاديمية – في الجيوش الحديثة.

كما كان للتكتيكات العسكرية وخطط التطوير الاستراتيجي التى عمل تحتمس الثالث على تحقيقها داخل المؤسسة العسكرية المصرية عظيم الفضل في وصول الجيش المصري خلال عهده إلى درجة رفيعة من التطور والتنظيم لم تحدث من قبل في تاريخ مصر، جعلته القوة الضاربة الأكبر والأعظم في التاريخ القديم.

وجد لهذا الفرعون تماثيل عدة، غير أن الكبير الحجم منها على وجه عام قليل، ففي الكرنك عُثِر له على قاعدة تمثال ضخم جالس من الحجر الجيري الأبيض الصلب، في النهاية الغربية من واجهة البوابة الثامنة، وفي المتحف البريطاني يوجد له رأس تمثال ضخم من الجرانيت الأسمر ولا يُعرَف أين جسمه حتى الآن، وفي متحف القاهرة له تمثالٌ أكبرُ من الحجم الطبيعي بقليلٍ، من الحجر الجرانيتي الأحمر، عُثِر عليه في «الكرنك»، وقد كان موضعه في الحجرة التي تقع على محور محراب مباني «تحتمس الثالث» في النهاية الشرقية للمعبد، وكذلك كُشِف له في الكرنك عن تمثال جالس من الجرانيت مهشم قطعًا ورُكِّبت أجزاؤه بعضها مع بعض، والواقع أنه كان يوجد له عشرات التماثيل في معبد الكرنك، كما ذكر ذلك «مريت».

وفي متحف «تورين» يوجد تمثال جميل من حجر الديوريت الأسود والأبيض، ويوجد له تمثال آخَر جالس من الجرانيت الرمادي القاتم بدون رأس، عُثِر عليه في بلاد النوبة، ويُحتمل أنه عُثِر عليه في «إلفنتين»؛ وذلك لأنه وُجِد عليه أسماء آلهة هذه البلدة، وهو الآن بمتحف «فلورنس» بإيطاليا.

أما في المتحف المصري فيوجد له التمثال العظيم المصنوع من الشيست الأغبش اللون، ويُعَدُّ من القِطَع الفنية النادرة المثال، وبخاصة الرأس الذي يمثِّل صورة صادقة .

تحتمس الثالث الملك المنقطع القرين في التاريخ المصري القديم صاحب أول اسطول بحري في التاريخ , العبقري المصري الذي خلد اسمه بسطور من ذهب في التاريخ المصري القديم والحديث ..

قصر البرنس يوسف كمال بنجع حمادي

بقلم د. نيڤين محمد حازم

مدير البحوث والدراسات الأثرية بمنطقة اثار نجع حمادى

قصر البرنس يوسف كمال الذى يقع على ضفاف النيل بوسط مدينة نجع حمادى هو تحفة معمارية و مَعلم أثرى بين مزيج من الطراز الأورُبى و الإسلامى

بدأت أعمال الترميم و التطوير بالقصر وانتهت في مبني السلاملك ومازالت عمليات الترميم مستمرة بالقصر و تسعى محافظة قنا لجعله مزار سياحى و أثرى حيث شملت أعمال الترميم و التطوير مبنى السلاملك و السبيل و قاعة الطعام و المطبخ و النافورة و الأسوار و تنسيق الحديقة و الموقع العام للقصر ، مع مراعاة الدقة فى أعمال الترميم و الحفاظ على المعالم الأثرية و التراثية بالقصر .

القصر أسسه الأمير يوسف كمال بن الأمير أحمد كمال أحد أفراد الأسرة العلوية التى حكمت مصر من عام 1805 - 1952 و تم تسجيله ضمن الآثار الإسلامية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 65 لسنة 1988 و يمثل القصر تحفة معمارية من طراز أصيل وهو من أهم و أكبر المعالم الأثرية بمركز نجع حمادى بمحافظة قنا .

أنشئ قصر الأمير يوسف كمال عام 1908، بإشراف مهندس القصور المعمارية أنطونيو لاشياك .

و يتكون قصر الأمير يوسف كمال بنجع حمادى ، من 9 وحدات معمارية فريدة ، أقيمت على مساحة 10 أفدنة ، إلا أنها نقصت مع مرور الأيام ، حيث تم إقتطاع أجزاء من القصر لجهات حكومية و مصالح خدمية .

و تضم الوحدات المعمارية للقصر " قصر السلاملك ، القصر ، قاعة الطعام ، المطبخ ،الفسقية ،ضريح الشيخ عمران ، المئذنة ، قاعة الدرس ، السبيل " ، وتعد وحدات القصر التسع مزيجا من الطرازين الأوربى و الإسلامى .

يتصدر الواجهة قصر السلاملك ، و هو عبارة عن بانوراما فنية لمجموعات أثرية و لوحات فنية لمختلف العصور ، ويتكون من طابق سفلى "بدروم" يعلوه الطابق الأول ، و المكون من 3 قاعات رئيسية ، وكتلة المدخل الرئيسية التى تقع بالجهة الجنوبية ، وهى عبارة عن أربع دعامات آجريه " مبنية بالطوب المحرق " ، و بالجهة الشمالية لردهة المدخل ممر يفتح عليه من الجهة الغربية .

 

أما القصر فيقع فى الطرف الشمالى للمجموعة ، و هو مشيد من الآجر " الطوب الأحمر " .

وتم افتتاح المجموعة المعمارية للامير يوسف كمال للزيارة في 30 سبتمبر 2019في احتفال مهيب في حضور وزير الآثار والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار وتعتبر المجموعة المعمارية مزاراً سياحياً واثرياً للمصريين والأجانب ومنذ ثلاثة أيام تفضلت السيدة الدكتورة غادة شلبي نائب وزير السياحة والآثار والوفد المرافق لها بزيارة المجموعة المعمارية بتوجيهات من القادة السياسيه تنفيذاً لتوجيهات فخامة السيد رئيس الجمهورية واستغلالاً للمناطق التاريخية والأثرية بالصعيد وتعتبر وبنسبة لأسعار تذاكر الزيارة فهي في المتناول بالنسبة للزوار المصريين عشر جنيهات وللطلبة خمسة جنيهات وبالنسبة للزوار الاجانب اربعين جنيهاً وللطلبة الاجانب عشرون جنيهاً.

لماذا تُسرق الآثار المصرية وتُهرب الي الخارج

بقلم دكتور / محمد عطية محمد هواش

مدرس بقسم الترميم – كلية الآثار – جامعة القاهرة

باحث دكتوراه في القانون الدولي الخاص

  عناصر المقال

  • مقدمة
  • الخطوط العامة لاهم اسباب سرقة وتهريب الاثار

مقدمة

  ان الجماعة الانسانية ارتبطت بالقانون منذ نشأتها لتنظيم العلاقات بين افرادها ووضع الجزاء للمخالف وحتي عصرنا الحالي نجد ان هدف القانون ظل ثابتا وهنا يجب ان ننوه الي ان وجود القانون لا يمنع الجريمة بل يحقق انواع الردع من خلال تطبيق الجزاء علي المخالف ليصل بالجريمة الي نسب تستقيم معها حياة الجماعة وليس المنع الكامل للجريمة لان ذلك يستحيل عمليا , وللوصول الي نسب الجريمة التي تستقيم معها حياة الجماعة علي كافة المستويات اقتصاديا واجتماعيا واخلاقيا .......  الخ , فيجب دراسة كل نوع من انواع الجرائم بالتفنيد والتمحيص للوصول الي اسبابها لتجفيف منابعها وليس لعلاج بعض الاعراض وترك اصل المرض قائما , والسؤال موضوع المقال حتي يتسني الاجابة عنه ربما يجاب عنه في مؤلف ضخم كثير التفاصيل نظرا لتضافر عدة عوامل اسهمت بشكل كبير في الوصول الي نتيجة سرقة وتهريب عناصر التراث الثقافي , وهنا يجب ان ننوه الي كتاب حصاد العصر في سرقة اثار مصر للمؤلف علي القماش وهو صحفي بالاساس , لذا يفتقر الكتاب الي التنظيم الجيد وبالتالي يعتبر من وجهة النظر العلمية ليس مؤلفا بالمعني العلمي لكن تقيمي للكتاب لا يقدح في اهميته بل تمنيت ان يكون اكثر تنظيما من الناحية الشكلية , لكن الكتاب به جهد كبير في تجميع الداتا التي تتعلق بكبريات قضايا سرقة وتهريب الاثار مشفوعة بالكثير من الوثائق التي تدلل وتثبت تلك الجرائم . وعند استقصاء تلك الجرائم الواردة في كتاب حصاد العصر في سرقة اثار مصر نجد الملاحظات التالية :

  • يغلب علي معظم الجرائم وجود سوء استغلال السلطة من قبل موظف عام وهو ما يمكن اعتباره نوع من الفساد الاداري
  • فكرة الحقيبة الدبلوماسية لها دور اساسي في عمليات السرقة والتهريب
  • الغلط في تطبيق القانون له دور رئيسي في تلك الجرائم بل يمكن اعتباره باعث علي جرائم التهريب

ولذا سوف تناول الخطوط العامة لاهم اسباب سرقة وتهريب الاثار في اكثر من مقال منفرد لتفنيد كل سبب واقتراح اليات لمنع او التقليل من تلك الجرائم

الخطوط العامة لاهم اسباب سرقة وتهريب الاثار

أولا اسباب قانونية

  • من المعروف في الفقه القانوني قاعدة عدم رجعية القوانين لذا عند الغاء قانون 215 لسنة 1951 الذي كان الاتجار في الاثار مباحا فيه من قبل الاشخاص الطبعيين وايضا من قبل الدولة حيث كانت احدي قاعات المتحف المصري تباع بها الاثار , وبصدور قانون 117 لسنة 1983 لحماية الاثار جرمت فيه بيع الاثار ولم تترك الدولة عند تطبيق القانون فترة انتقالية لتقنيين اوضاع مالكي الاثار بل اعتبرت مالك الاثر حارسا عليه لحساب الدولة وحائزا له فكان ذلك باعثا علي بيع تلك الاثار بالمخالفة للقانون الجديد.
  • الاثار تعتبر من اهم السلع الثقافية المنقولة وعلي المستوي الدولي لازالت فكرة الحيازة في المنقول سند الملكية وعلي المتضرر اثبات العكس وبالتالي كافة الاثار المهربة غير المسجلة يصعب استرجاعها او اثبات انها مصرية (بمعني ان ملكيتها تؤول الي الدولة المصرية)
  • اشكال الحماية المدنية للاثار في قانون حماية الاثار مثل التعويض والمكافأة لاتؤدي دورا حقيقيا في مقاومة الجريمة الاثرية بل تحولت لباعث علي تلك الجريمة ( انظر المقالات الخاصة بالتعويض والمكافأة )
  • ومن اهم الاسباب القانونية علي المستوي الدولي المادة 27 من اتفاقية فينا للعلاقات الدبلوماسية 1961 والتي تمنع تفتيش الحقائب الدبلوماسية الي جانب تطور فكرة الحقيبة الدبلوماسية من حقيبة من الجلد تحفظ بها بعض المستندات الي صناديق كبير تنقل بها اجهزة والات وعند الاستخدام السيء لفكرة الحقيبة تستغل لتهريب الاثار .

ثانيا أسباب اقتصادية اجتماعية

الفقر اصل كل الشرور

بحسب ما ذكره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فان نسبة الفقر في مصر تصل الي 32.5% وارتفاع نسبة الفقر لها تبعات كثيرة لها من القوة لهدم اركان المجتمع ما لاتسطع فعله الحروب والكوراث الطبيعية واهم تبعات ارتفاع نسبة الفقر

  • الجهل وانخفاض الوعي العام حيث يتحول الانسان الي اشباع حاجاته الاساسية دونما اكتراث لاي قانون .
  • الارتباط الوثيق بين الجرائم التي تقع علي الاموال وارتفاع نسبة الفقر بحيث تزيد جرائم السرقة والنصب ومن المعروف ان الاثار هي من قبيل المال العام وبالتالي فان نسبة الجرائم التي تقع عليها تزيد.

وخلاصة القول

ان العديد من الاسباب تتضافر معا كبواعث علي الجرائم ضد الاثار وسيتم تفنيد كل سبب في مقال مستقل للخروج ببعض الحلول مستهدفين خفض نسب تلك الجرائم للمستوي المعقول موضحين في تلك الاثناء دور الدولة ودور الفرد ودور المجتمع الدولي في مقاومة الجريمة التي تقع علي الاثار .

اللغة المصرية القديمة

بقلم/ جمال بن خالد الجازوي

هناك خطأ شائعاً فيما يتعلق بمسمى "اللغة المصرية القديمة"

فالشائع أن يشار إليها باللغة الهيروغليفية ، فالهيروغليفية خط وليست لغة ، ويمكننا مقارنة ذلك باللغة العربية ، فهي لغة واحدة كتبت بعدة خطوط ، منها النسخ والرقعة والثلث والكوفى وغيرها من الخطوط...

فإنه لا يمكن أن يشير إلي خطوط اللغة المصرية القديمة علي أنه لغات ، فهي لغة مصرية واحدة عبر عنها المصري القديم بكتابتها في اربع خطوط....

وتنتمي اللغة المصرية القديمة إلي عائلة اللغات "الإفروأسيوية" والتي يطلق عليها أحيانا مجموعة اللغات السامية الحامية ، والتي خرجت غالباً من شبه الجزيرة العربية وأستوطنت في مناطق جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا ولها بالتأكيد علاقة وثيقة بمجموعة محددة منها ، وهي مجموعة اللغات السامية في تراكيبها المميزة كالجمل الأسمية وأصواتها الحلقية مثل العربية ، والأشورية ، والآرامية ، والعبرية...

ولقد بدأت الكتابة الهيروغليفية في الظهور منذ أكثر من 3400ق.م حيث ظهرت العلامات الهيروغليفية الأولي علي الصلايات التذكارية

وحيث ظهرت مراحل خطية تتناسب مع ظروف كل عصر وهي

الخط الهيروغليفى》اشتقت كلمة هيروغليفى من الكلمتين اليونانيتين " هيروس و جلوفاس ".

وتعني بالكتابة المقدسة أو النقش المقدس..

إشارة إلي أنه كانت تنقش علي جدران الأماكن المقدسة كالمعابد والمقابر...

والكتابة المنقوشة كانت تنفذ بأسلوب النقش البارز علي جدران الآثار الثابتة مثل المباني...

وعلي الآثار المنقولة مثل التماثيل واللوحات وحيث أن الخط الهيروغليفي كان صعب النقش وما يتتطلب من وقت وجهد للكتابة به ، وحيث كان ينقش بالازاميل...

فانتقل بعده المصري القديم إلي الخط الأبسط وهو "الهيراطيقى"...

الخط الهيراطيقى》اشتقت كلمة هيراطيقي من الكلمة اليونانية هيراتيكوس وتعني " كهنوتي" إشارة إلي أن الكهنة كانوا أكثر الناس استخداما لهذا الخط حيث أن نسبة كبيرة من النصوص الهيراطيقية هي نصوص دينية وكتب معظمها بواسطة الكهنة..

حيث يعتبر الخط الهيراطيقى هو تبسيط للخط الهيروغليفي أو بمعني اخر اختصار له حيث ظهرت بداياتها منذ الأسرة الأولي وإن كان أول نص مكتوب علي روق البردي بالهيراطيقية يرجع للأسرة الخامسة من " معبد ساحورع الجنائزي " في ابو صير جنوب الجيزة

حيث كان يكتب الخط الهيراطيقي بقلم البوص والحبر

الخط الديموطيقى》اشتق مسمى هذا الخط من الكلمة اليونانية " ديموس " والنسبة منها ديموتيكوس اي شعبي ولا يعني هذا المسمي الربط بين هذا الخط وبين الطبقات الشعبية في مصر ، وإنما هو خط المعاملات اليومية ، وجاء ظهور هذا الخط نتيجة لتعدد الأنشطة وكثرة المعاملات ، وخصوصاً الإدارية منها ، والتي تحتاج لسرعة في الانجاز وقد كتب هذا الخط علي مادتين رئيسيتين ، وهما " البردي ، والأوستراكا ، وحيث ظهر الخط في عصر الأسرة السادسة والعشرين وازدهر في العصرين اليوناني والروماني مسجلاً موضوعات من الحياة الأجتماعية ، والاقتصادية....

الخط القبطى》يعبر عن المرحلة الأخيرة من مراحل اللغة المصرية القديمة وكلمة قبطي مشتقة من اليونانية " ايجوبتى " وتعني مصري إشارة إلي المواطن الذي عاش علي ارض مصر..

ولان القبطية هي الصدى الأخير للغة المصرية القديمة ، فهي تمثل أهمية لغوية خاصة من حيث استخدام حروف الحركة لأول مرة في خط من خطوط اللغة المصرية ، والأمر الذي ساعد إلي حد كبير في التواصل إلي أقرب نطق صحيح للغة المصرية القديمة...

حيث استخدم المصري القديم هذا الخط حتي يسهل له وسيلة التفاهم مع اليونانيين الغزاة ، وبعده ظلت مستعملة كلغة تراتيل في الكنائس والأديرة

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.