كاسل الحضارة والتراث

كاسل الحضارة والتراث

السحر والتعاويذ والدمى السحرية فى تاريخ مصر

كتبت د. أسماء إسماعيل

مدرس الآثار اليونانية والرومانية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية

منسق مجلة كاسل الحضارة والتراث

اعتقد الإنسان منذ بدء الخليقة وجود قوى خفية تسيطر عليه تسبب له الخير والشر، فشعر بحاجته الشديدة لما يساعده على مواجهة تلك القوى، لذلك لجأ إلي استخدام السحر من خلال أدواته التي تتمثل في التعاويذ والتمائم والدمى السحرية

ومن المعروف أن مبدأي السحر هما التماثل أو التقليد وفيه يقوم الساحر أو ممارس السحر بإيقاع تأثير معين على شخص عن طريق إيقاع نفس التأثير على صورته، ومبدأ العدوى وفيه يقوم الساحر بإيقاع التأثير على الشخص عن طريق إيقاع نفس التأثير على جزء من جسده مثل الشعر وقلامة الأظافر، ويحدث ذلك عندما توضع في بعض هذه الدمى أجزاء من الشخص المراد سحره مثل الشعر أو قلامة الأظافر أو حتى الملابس. ويقتصر غرض استخدام الدمى السحرية على سحر الشر أو السحر العدواني مثل مجال الإغواء في أمور العشق أو الإيذاء بأشكال مختلفة

أغراض السحر

وتنقسم أغراض السحر إلى نوعين، النوع الأول وهو السحر المفيد المستخدم بغرض الشفاء والحماية، مثل استخدام التمائم السحرية في الأغراض الطبية المعالجة للأمراض وكذلك في دفع أذى الشياطين والسباع والحشرات وغيرها، أما النوع الثاني وهو السحر الخبيث أو ما يطلق عليه السحر العدواني أو سحر الشر المستخدم بغرض الإغواء واللعن وإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص، وفي كثير من الأحيان فإلى جانب الأدوات الأخرى، تستخدم الدمى السحرية التي تعبر عن الأشخاص المراد إيذائهم، ومن ثم فإن الضرر الواقع على تلك الدمى سيقع بالضرورة على هؤلاء الأشخاص، وعادة ما تُدفن هذه الدمى بالمقابر أو بالقرب منها

وقد استخدمت الدمى السحرية في مصر منذ أقدم العصور ومستمرة حتى الآن، كما استخدمت من قبل الإغريق والرومان، وصنعت تلك الدمى أو التماثيل المصغرة من الأحجار أو المعادن أو الطين أو الفخار أو الخشب أو الشمع أو القماش.

السحر فى مصر القديمة

قدمت المصادر المصرية القديمة لنا في الأسرة الثالثة المثال الأقدم على استخدام الدمى السحرية، حيث ذكرت البردية وستكار عملًا سحريًا استخدم فيه تمثال شمع على هيئة تمساح، وتشير البردية إلى تحول التمثال الشمعي الصغير إلى تمساح حي ضخم حيث استخدم لقتل شخص

كما استخدمت التماثيل الشمعية في عصر الدولة الحديثة للقيام بمؤامرة لإسقاط عرش رمسيس الثالث (1186-1154ق.م.)، حيث صنع المتآمرون تمائم وتعاويذ وتماثيل من الشمع وقاموا بتلاوة بعض الطلاسم السحرية مما أدى لإصابة الملك بالشلل

كما أشارت بعض المصادر إلى أن الملك نكتانيبو الثاني II كان يمارس السحر، وقد استخدم تماثيل شمعية مصغرة في هزيمة أعدائه وقد عثر على العديد من التماثيل  المصنوعة من الفخار والتي تعود إلى الفترات المصرية القديمة نحو القرن 20 أو 19 قبل الميلاد، وربما تكون قد استخدمت في طقوس اللعنة وتمثل بعض المقيدين وعادة ما تقيد تماثيل الأعداء بشكل مفصل ودقيق مثلما تربط الحيوانات التى يقومون بالتضحية بها

السحر عند الإغريق

وبخصوص السحر عند الإغريق فقد أشار هوميروس إلى السحر والتعاويذ السحرية،  كما تحدث أفلاطون عن تماثيل الشمع التي  تثبت على الأبواب وتوضع على شواهد القبور وعند مفترق الطرق، وقد عثرعلى العديد من الدمى السحرية لرجال ذوي أعضاء جنسية منتصبة وأيديهم مقيدة للخلف في مدن مختلفة في اليونان داخل صناديق من الرصاص مصحوبة بألواح اللعنة، ويرجع تاريخها إلى الفترات الكلاسيكية والهلينستية، وقد عثر على مجموعة من التماثيل الصغيرة المصنوعة من الرصاص داخل حاويات من الرصاص من مقبرة كيرامايكوس في أثينا وترجع إلى حوالي 400ق.م.

كما عثر على دمية سحرية مصنوعة من الشمع لرجل تهاجمه أفعى في نافورة أنا بيرينا في روما ترجع إلى نحو القرن الرابع الميلادي، وقد وجدت  هذه الدمى في العالمين الإغريقي والروماني في أماكن مختلفة في بلاد اليونان وجزر بحر إيجة وإيطاليا وصقلية وشمال أفريقيا ومصر وفلسطين وآسيا الصغرى وسواحل البحر الأسود

السحر عند الرومان

ويتضح السحر في العصر الروماني والدمى السحرية المصنوعة من الشمع والفخار فيما جاء فى البرديات السحرية اليونانية - والتي ترجع إلى الفترة ما بين القرنين الأول والخامس الميلاديين، ويحتوي المتحف البريطاني على تمثال صغير مصنوع من الشمع الداكن لرجل يعود إلى الفترة الرومانية 100- 200 م. محفوظ بالمتحف البريطانى برقم 37918 ويبلغ طوله 7.6 سم، ويوجد في سرة هذا التمثال الصغير شعر بشري، وورقة من البردي مغروسة في ظهره، ومن شأن هذا الشعر أن ينقل جوهر الشخص الذي ينتمي إليه هذا التمثال، ومن ثم سوف تؤثر الطقوس التي تمارس على التمثال على صاحب الشعر، وتنصح بعض التعاويذ المذكورة في البرديات اليونانية المصرية بخلط شعر الضحية المقصودة بشعر شخص ميت، وقد يكون الغرض من هذا التمثال إمراض شخص ما، حيث ورد في إحدى البرديات السحرية الإغريقية وصفة لإيقاع المرض بشخص، حيث كان من متتطلبات الوصفة السحرية عمل تمثال صغير من شمع النحل، وتكتب بعض العلامات السحرية على ورقة بردي، ثم تغرس في التمثال ويوضع التمثال في إناء جديد لم يستخدم، ويترك في الظلام، ثم يؤخذ إلى مقبرة ويدفن فيها أثناء ترتيل بعض الطلاسم السحرية.

وأحيانا نكتب تعويذة اللعنة السحرية على الحاوية الرصاصية مثلما حدث في حاوية من كيرامايكوس بأثينا ضمت دمية سحرية من الرصاص وترجع لنحو 400 ق. م. وتتضمن نصوص اللعنات المسجلة على تلك الصفائح أغراضًا مختلفة مثل العشق والبغض والفراق، وهناك تمثال من مصر من التراكوتا محفوظ بمتحف اللوفر برقم E 27145 وقد عثر عليه في أنتيتوبوليس ويعود إلى الفترة من القرن الثاني إلى الثالث الميلادي وذلك لأن اسم أنتينووس ورد في التعويذة المصاحبة للتمثال، وقد مات في مصر غريقًا أثناء زيارة الإمبراطور هادريان لمصر 130 م.

ومن الواضح في التمثال أن تسريحة الشعر المعروفة باسم أسلوب البطيخ قد ظهرت بها العديد من زوجات الأباطرة مثل فاوستينا الصغرى زوجة ماركوس أوريليوس (161- 182) وجوليا دومنا زوجة سبتميوس سيفيروس (193-211) وأوتاكيليا سيفيرا زوجة فيليب العربي (244-249) وسالونينا زوجة جالينوس (253-268) مثلت فيه امرأة مربوطة الذراعين خلف ظهرها، وقد غرست بها ثلاثة عشر مسمارًا في رأسها وعينيها وأذنيها وفمها وصدرها وأعضائها التناسلية.

لوحات اللعنة

لوحات اللعنة تصنع من المعادن سواءً الفضة أو الذهب أو البرونز أو الرصاص وتنقش عليها طلاسم لتدمير الأعداء أو تعاويذ العشق التي كانت تدفن مع تماثيل سحرية، وقد بلغ عدد هذه الألواح 1700 لوحة ومعظمها مكتوب بالإغريقية والباقي منها مكتوب باللاتينية وقد عثر عليها في مناطق مختلفة في العصرين اليوناني والروماني، ويرجع أول ظهور لها إلى وقت مبكر من القرن الخامس ق. م. في صقلية وهي عبارة عن صفائح رقيقة أغلبها من الرصاص، الذي يظن أنه تتمتع بخواص سحرية، كما أنه يمتاز بالليونة ومن السهل النقش عليه بالأدوات الحادة، وقد وجدت صفائح من معادن أخرى مثل الذهب والفضة والبرونز وتكتب عليها التعاويذ السحرية وقد تلف أو تطوى أو تثقب بالمسامير، وعادة ما تدفن تحت الأرض ومن الأفضل في قبر أو تلقى في الآبار

سحر الإغواء والعشق

ذكر في إحدى البرديات السحرية الإغريقية والتى يرجع تاريخها إلى أوائل القرن الرابع الميلادي أنه يجب على القائم بالعمل السحري الهادف للإغواء والعشق أن يصنع تمثالين من الطين أو الشمع لذكر وأنثى، على أن يرتدي التمثال الذكر ملابس عسكرية بحيث يشبه الإله أريس ويحمل سيفًا باتجاه رقبة الأنثي  التي تصور راكعة ومكبلة اليدين خلف ظهرها، مع غرس ثلاثة عشر دبوسًا فى أماكن متفرقة من الجسم على أن تصاحب التمثال لوحة رصاصية بها وصفة سحرية، وهي مايطلق عليه اسم لوحات اللعنة المذكورة أعلاه، حيث توضع مصاحبة للتمثال، ومن المعروف أنه حتى عهد قريب  كانت الدمى المصنوعة من القماش والورق تثقب باستخدام الإبر، وتحرق مع تلاوة بعض الأوراد والتعاويذ للحماية من الحسد، وإبراء المرضى الذين يظن أن أمراضهم قد نتجت عنه، وهو أمر كان شائعًا في مصر بأسرها.

وتذكر البردية أنه يجب أن يدفن العمل عند غروب الشمس في مدفن شخص مات ميتة عنيفة او مات شابًا وهو يرتل " إننى أحفظ هذه التعويذة معكم يا آلهة وشياطين العالم السفلى كورى وبرسيفونى وإريسخيجال وأدونيس وهرميس وأنوبيس، إننى أتضرع إليكم أن تحضروا إلى فلانة بنت فلانة، وأن تملؤوا قلبها ولها بى أنا فلان بن فلانة ولتكن أمة لى بحق أدوناى حاكم السماء، اجذبوها بالمواد السحرية التي تملكونها، واجعلوها تحبني لا تدعوها ترتبط بعلاقة مع أحد غيري، لا تجعلوا أحدا غيري يعاشرها، ولتكن عاجزة عن الطعام والشراب بدوني، وناقمة غير راضية، وضعيفة غير قوية، ولتحرم من الشعور براحة البال، ولا تذق طعم النوم بدوني ولا تمرح أو تلهو بعيدًا عني ولو حتى لمدة ساعة وهناك أمثلة كثيرة وردت في البردي لتعاويذ سحرية للعشق والبغض والفراق

دفن التماثيل والسحر

وهناك عادة دفن التماثيل البشرية والحيوانية بالقرب من قبر جديد لأشخاص ماتوا في مقتبل العمر أو عنفًا بساحات القتال وذلك ليزيد فاعلية وقوة التأثير السحري، حيث تعمل على إعطاء الأرواح المتحمسة للموتى الذين يحومون حول القبر الطاقة والقوة لهذه العملية، بالإضافة إلى قوى آلهة العالم الآخر، مع ممارسة الشعائر والتلاوات لمنح التماثيل قوى أكثر وفاعلية سحرية أقوى

وقد مثلت التماثيل السحرية عنصرًا هامًا فى سحر العشق يتبع فيها مبدأ التماثل، أمّا فيما يخص غرس الدبابيس، فقد ارتبط هذا الأسلوب في مصر في العصرين البطلمى والرومانى بسحر الشر الذي يعمل على إيقاع الأذى بالناس، ففى المثال السابق كان السحر للعشق– وهو نوع من الشر أيضا، وذلك لأنه يرغم شخصًا ما على عمل شئ لا يرغب في عمله - ولكن فى إحدى التمائم المصنوعة من الجاسبر الأحمر المعرق بالأسود تغرس الدبابيس فى عمل يقصد منه موت الضحية، والتميمة محفوظة فى المتحف البريطانى

 نماذج من التماثيل

          ويضم متحف مكتبة الإسكندرية نماذج لهذه التماثيل تمثل مجموعتين من التماثيل الشمعية اكتشفتا في بني مزار وتعود إلى القرن الخامس ق. م. وقد عثر عليها أسفل إناء فخاري لم يستعمل قطر حافته 22 سم  وفي جانبه شكل مستطيل 6.5 × 3.5 سم يظن أنه كان لوحة اللعنة التي تحمل الطلسم السحري قد ثبتت عليه، وهي مفقودة الآن، وقد اعتمد تأريخ المجموعتين على دراسة الإناء الذي اتضح أنه مصنوع محليًا من طينة وادي النيل. وقد تبين أنه ينتمي للتصنيف المسمى " الآنية المصرية ذات الطلاء الأحمر" والتي لم تستخدم في مصر قبل نهاية القرن الرابع الميلادي.

     المجموعة الأولى  وطولها 10 سم - عبارة عن ذئب يقبع فوق امرأة مستلقية على ظهرها مقيدة يديها ورجليها خلف ظهرها وهناك تجويف في بطنها، ومن المحتمل أن يكون الذئب قد نهش بطنها والمجموعة الثانية وطولها 11 سم -  عبارة عن ذئب يعتلي جسم رجل مستلق على ظهره وينهش رقبته، ويظهر الرجل ويداه وساقاه مربوطتان خلف ظهره، ويلاحظ أن عضوه الذكري منتصب

وهناك عددًا من التفسيرات المحتملة لهذا العمل السحري. أولها أن من قام به رجل يعتقد أن زوجته على علاقة برجل آخر، ومن ثم كان العمل من أجل تدميرهما، المرأة الخائنة والرجل الخائن، وثانيها أن رجلًا أحب امرأة رفضته وتزوجت من آخر، فعمل على تدمير زواجها بقتل زوجها وإخلاء رحمها من أي جنين محتمل، وثالثها أن امرأة عاقرًا تحسد امرأة أخرى وتأكلها الغيرة من خصوبتها، لذا فعلت هذا لتدمير قدرتها على الإنجاب بقتل زوجها وإفراغ رحمها، ويلاحظ أن أغراض السحر المرتبطة بالخصوبة لا تزال واسعة الانتشار في مصر حتى حينه لاسيما الريف

نتائج البحث

وقد توصلت إلى عدة نتائج فى دراستى للدمى السحرية مفادها أن مصر شهدت في العصر الروماني انتشارًا للأعمال السحرية المعتمدة على الدمى المصنوعة من مواد مختلفة، لأغراض العشق والشر على وجه العموم، ويستدل على ذلك من الوثائق البردية وكذلك التماثيل المكتشفة فى الحفائر, وظلت هذه التقاليد سائدة في مصر بعد ذلك في العصرين البيزنطي والإسلامي المبكر وصولّا إلى العصر الحديث مع بعض الاختلاف في المواد والأغراض والأسلوب

كما ساد استعمال المواد المتاحة والرخيصة وسهلة التشكيل مثل الطين والشمع ولا يعني هذا عدم وجود دمى من مواد أخرى قد تكون دمرت أو أعيد استخدامها أو لم تزل في باطن الأرض، ولكن وجود تلك الأمثلة يدل على شيوعها، ويلاحظ أن الشمع يمثل أكثر المواد المستخدمة في صناعة الدمى قابلية للدمار، ذلك أن جو مصر العليا والوسطى عادة ما يكون شديد الحرارة في الصيف، وبالتالي قد يسبب هذا ذوبان الشمع وإفساد العمل السحري، لذا من المرجح أن تلك الدمى كانت تدفن في عمق كبير نسبيا حتى لا تتأثر بالحرارة، وأن أسلوب تنفيذ هذه الدمى أو التماثيل خال من الدقة والاهتمام بالصنعة والأسلوب الفني نظرًا لأن هذه التماثيل ليست للعرض أو الاستخدام اليومي، فهي قد صنعت لهدف آخر وهو الممارسات السحرية، ومن ثم كانت تخفى عن الأنظار وتدفن في أماكن مختلفة من أهمها المقابر.


                                             



أخناتون الملك الموحد

 كتب د. حسين عبد البصير

*مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية-مصر

أخناتون هو الملك الموحد القادم من مصر القديمة

عصر العمارنة هو عصر الثورة في مصر الفرعونية على كل المستويات

ففي هذا العصر حكم مصر ملك جديد أحدث ثورات على كل الأصعدة التقليدية وقلب الأمور رأسًا على عقب في فترة زمنية قصيرة عادت بعدها الحياة في مصر القديمة إلى مجراها الطبيعي وسابق عهدها بعد اختفاء ذلك الملك أو إقصائه وإنهاء زمنه وتاريخه من قبل كارهيه ومعارضيه من أنصار الملكية المصرية المستقرة وكهنة المعبودات الأخرى الذين قضى عليهم أخناتون وأزاحهم عنوة من المشهد السياسى في مصر القديمة.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الآثار التي تركها عصر العمارنة على معاصريه ولاحقيه لم تختف كلية من المشهد كما كان يظن هؤلاء الكارهون لتلك الحقبة الأكثر إشكاليًا وإثارة في تاريخ مصر القديمة قاطبة بل امتدت تلك الآثار إلى ما بعد عهد الفرعون الموحد الملك أخناتون لفترة ليست بالقصيرة.

وتعتبر فترة العمارنة من أهم الفترات التاريخية في مصر القديمة التي حدثت بها تطورات بل طفرات في كل مظاهر الحياة بل والعالم الآخر. وكان الدين من بين أهم العناصر المميزة التي قامت عليها دولة الملك أخناتون ودعوته الدينية الجديدة. ولعب الدين دوره الكبير بامتياز في فترة العمارنة الفريدة في التاريخ المصري القديم كله. وانصب اهتمام الملك الشاب على معبوده الجديد "آتون" الذي جسده الملك فنيًا على هيئة قرص شمس تخرج منه أيد بشرية تمسك بعلامة "عنخ" كي تهب الحياة للبشرية جمعاء من خلال الوسيط الملك أخناتون وأفراد عائلته المقدسة.

وكان الأمير أمنحتب (الملك امنحتب الرابع بعد ذلك) قد تعلق بديانة الشمس وتحديدًا قرص الشمس "آتون" منذ أن كان صغيرًا. وتأثر كثيرا بخاله الذي كان كبيرا للرائيين في معبد الإله رع إلى الشمس في مدينة الشمس: هليوبوليس (منطقتا عين شمس والمطرية الحاليتان في شرق محافظة القاهرة). وكان والده الملك أمنحتب الثالث وجده الملك تحوتمس الرابع دعما من ديانة آتون من قبل، غير أن أخناتون أخذ الخطوة الأكبر ووصل بديانة آتون إلى قمتها ونهايتها في الوقت عينه. وعندما صار الأمير أمنحتب ملكًا غير اسمه في العام السادس من حكمه من أمنحتب الرابع إلى "أخناتون" أي "المفيد لآتون" كي يكون على أتم الاتساق مع دعوته الدينية الجديدة ومعبوده الجديد قرص الشمس آتون الذي أراد من خلاله أخناتون أن يحقق العالمية لدعوته؛ نظرًا لوجود الشمس في مصر وكل مكان من بلاد الشرق الأدنى القديم؛ وبذلك يستطيع أن يتعبد إلى ذلك المعبود الكوني البشر في معظم أرجاء الإمبراطورية المصرية الفسيحة التي شيدها جده الأعلى الفرعون المحارب الملك تحوتمس الثالث في آسيا وأفريقيا. ولقت الدعوة الدينية الجديدة استحسانًا من قبل زوجته الجميلة والذكية الملكة نفرتيتي التى صارت من أقوى المناصرين للملك أخناتون ودعوته الجديدة وصارت صنوًا له وعنصرًا مكملاً للدعوة الآتونية والديانة الشمس وينقص المشهد شىء مهم إن لم تكن الملكة الجميلة موجودة به، إن لم تكن منافسة للملك الموحد. وفي بداية حكمه، بنى الملك أخناتون معبدًا للإله آتون في الكرنك، المكان المقدس للمعبود آمون رع، مهددًا بذلك دولة آمون رع الأزلية المستقرة وكهنته ومتحديًا إياهم في عقر دارهم مما جعلهم يضمرون له الحقد ويكيدون له المكائد حتى ترك مدينتهم طيبة العاصمة العريقة لمصر القديمة في عصر الدولة الحديثة وارتحل إلى مدينة جديدة لم تدنسها قدم إنسان من قبل. وقامت دعوة أخناتون على جمع كل الآلهة في إله واحد هو معبوده آتون. ولم يجسد الملك أخناتون إلهه الجديد في شكل آدمي على الإطلاق. وكانت فكرة العدالة والنظام الكونى جزءًا من ديانة أخناتون الجديدة. وكانت فكرة النور والضياء جزءًا لا يتجزأ من الدعوة الآتونية في مقابل الظلام وقوى الفوضى. ولا تنطوى دعوة أخناتون على فكرة التوحيد كما نعرفها حاليًا، وإنما كان الهدف من تلك الدعوة بدمج المعبودات في إله واحد هدفًا سياسيًا كي يحد من سيطرة المعبود آمون رع وكهنته على الحكم في تلك الفترة. وحاول أخناتون أن ينجح في ذلك، لكن الحظ لم يحالفه طويلاً؛ نظرًا لوقوعه في عدد من الأخطاء الكارثية الكبيرة، وكذلك إنغلاق دعوته، وقيامها على شخصه وأفراد عائلته فقط، وتسرعه وقصر فترة حكمه، واعتماده على عدد من المنافقين والمنتفعين الذين انقلبوا عليه حين انتهت دعوته وانفضت دولته وخارت قواها.

 وعلى عكس ما يشاع لم يقم أخناتون بتأسيس دولة دينية على الإطلاق. ومن المعلوم أن الدولة الدينية الوحيدة التي قامت في مصر القديمة كانت في عصر الأسرة الحادية والعشرين، عندما استغل كهنة الإله آمون في مدينة طيبة ضعف السلطة المركزية بعد نهاية الدولة الحديثة، وقفزوا على السلطة، وأسّسوا تلك الأسرة التي حكمها كهنة آمون من الجنوب في حكم ثيوقراطي لم يكن مقبولاً من الجميع وسرعان ما انتهى بتأسيس الملك شاشانق الأول للأسرة الثانية والعشرين محققًا عظمة الأجداد من ملوك الدولة الحديثة.

ولم تستمر دولة أخناتون طويلاً. بسبب كثير من الأخطاء الكارثية الكبرى التي حاول الملك أخناتون القيام بها مثل محاولته الدوؤب تغيير الهوية الحضارية للدولة المصرية المتسامحة والتى تقبل التعدد بامتياز، وكذلك محاولته إقصاء كل ما ومن هو ضده، وأيضا زلزلة ثوابت الدولة المصرية العريقة، وإهمال سياسة مصر الخارجية وممالكها المهمة في بلاد الشرق الأدنى القديم، والاكتفاء بالدعوة الدينية لمعبوده الجديد والتجديدات الفنية واللغوية والأدبية التي لم تمس عمق المجتمع ولم يتقبلها كلية، فضلاً عن التغيير الفوقي الذي أراد فرضه على الجميع في وقت زمني قصير، علاوة على عدم الاهتمام بالتراث المصري الحضاري العريق الممتد في الشخصية المصرية لآلاف السنين قبل بزوغ دعوته الدينية القائمة على الأحادية ونفي المعبودات الأخرى وكهنتها المتنفذين، وعدم الالتفات إلى طبيعة الثقافة المصرية وكذلك الشخصية المصرية وفهم مكوناتها ومكنوناتها، فكانت نهايته المأوسوية. ونظرًا لأنه كان أيضًا هو الوسيط الوحيد بين معبوده آتون والشعب، فانتهت الدولة بانتهائه، وغابت الدعوة بغيابه. وانقلب المنافقون الذين ذهبوا معه إلى مدينته الجديدة بعد رحيله ولعنوه ولعنوا دعوته وهجروا مدينته وأطلقوا عليه "الملك المهرطق" و"المارق من تل العمارنة". ولم يبق من عصر العمارنة إلا أصداء العمارنة التي ما نزال نراها ماثلة أمامنا كذكرى على حكم لم يعمر سياسيًا طويلاً غير أنه ترك آثارًا تشهد على أهمية الفترة دينيًا وفنيًا ولغويًا وأدبيًا. ويكفي أن نلقي نظرة على تمثال الجميلة نفرتيتي كي ندرك روعة الفن وصدق الإيمان بالدعوة من قبل قلة من بعض مؤيدي الملك أخناتون وتوظيف الفن في خدمة الديانة الآتونية والملك أخناتون وعائلته الملكية ودعوته الدينية وفلسفته في الحكم ونظرته للدين والحياة.

إنه عصر العمارنة الفريد بكل ما له وعليه.

تاريخ أسبوع الآلام وأعياد القيامة

كتبت هاجر سعد الدين مصطفى سعد

ماجستير في اللغة القبطية كلية الآثار جامعة الفيوم

منسق كاسل الحضارة التراث

عيد القيامة فى التراث المسيحى

أسبوع الآلام ، في الكنيسة المسيحية ، وهو الأسبوع بين أحد السعف وعيد القيامة ، وهو الاحتفال الخاص لتفاني  يسوع المسيح وتضحيته من أجله شعبه. في الكتب الليتورجية اليونانية والرومانية ، يطلق عليه "الأسبوع العظيم" بسبب الأعمال العظيمة التي قام بها المسيح خلال هذا الأسبوع. تم استخدام اسم "الأسبوع المقدس" في القرن الرابع من قبل القديس أثناسيوس ، أسقف الإسكندرية ، والقديس إبيفانيوس في القسطنطينية.

في الأصل ، كان يوم الجمعة العظيمة والسبت المقدس فقط هم الأيام المقدسة. في وقت لاحق ، تم إضافة يوم الأربعاء باعتباره اليوم الذي خطط فيه يهوذا لخيانة يسوع ، وبحلول بداية القرن الثالث تمت إضافة أيام أخرى من الأسبوع. ركزت الكنيسة ما قبل  مجمع نيقية اهتمامها على الاحتفال بعيد القيامة، عيد الفصح المسيحي  في الليلة ما بين السبت وصباح عيد الفصح الأحد.

وبحلول أواخر القرن الرابع  بدأ الاحتفال بالأحداث التي وقعت في  أيام أسبوع الآلام التي وقعت فيها: خيانة يهوذا ومؤسسة الإفخارستيا في خميس العهد؛ موت المسيح يوم الجمعة العظيمة؛ دفنه يوم السبت وقيامته في عيد الفصح الأحد.

أهمية الأسبوع المقدس:

خلال الأسبوع المقدس، يخلد المسيحيون ذكرى صلب المسيح الذي توفى يوم الجمعة العظيمة تعويضًا عن خطايا البشرية، وقاموا يوم الأحد بعيد الفصح لإعطاء حياة جديدة لجميع الذين يؤمنون. وهكذا ، في حين أن الأسبوع المقدس مهيب وحزين ، حيث أن فرحة عيد الفصح في الاعتقاد المسيحي هي الاعتراف بموت المسيح  من أجل خلاص البشرية.

وفي هذه القطعة الفنية ، يصور الرسام الإيطالي رافائيل قيامة المسيح من بين الأموات. إن قيامة يسوع ، كما هو موصوف في العهد الجديد للكتاب المقدس، هي الأساس الذي بنيت عليه الديانات المسيحية. وبالتالي، عيد القيامة هو تاريخ مهم للغاية في التقويم المسيحي.

كان في البداية هناك يوم واحد يصام فيه وهو يوم الجمعة العظيمة وقد حفظ هذا اليوم في اللاشعور المسيحي ضدًا لفرح اليهود بعيد 14 نيسان، وكانت غايته هي الشهادة بالأسف والأسى الذي ملأ قلوب المسيحيين عندما يفكرون في إخوانهم من شعب إسرائيل الذين لم يقبلوا إلى معرفة المسيا (المُخلص المسيح)، وإلى هذا اليوم (يوم الجمعة العظيمة) أضيف اليوم التالي له وهو يوم السبت الذي أعتبر بالأحرى ذا خاصية الاستعداد المباشر للعيد.

ولقد أشارت الديداخى (تعليم الرسل) إلى صوم هذين اليومين لا سيما المقبلين إلى المعمودية (الموعوظين) ومعروف إن يوم القيامة في البداية المبكرة جدًا في الكنيسة كان ليلة عيد القيامة. وهو ما تذكره قوانين هيبوليتوس القبطية في القانون (4:19) وأيضا تحدث العلامة ترتليان (160-225 م.) في كنيسة شمال أفريقيا عن (صوم الفصح) الذي كان يبدأ يوم الجمعة العظيمة ويدوم حتى فجر أحد القيامة. كما يذكره القديس إيريناؤس (130-200 م.) في عبارة له أوردها يوسابيوس المؤرخ (إن صوم ما قبل الفصح هو يومان أو ثلاثة أي انه في القرون الثلاثة الأولى كانت فترة استعداد الفصح لا تتعدى يومان أو ثلاثة أيام).

ثم كان التطور التالي لذلك وهو صوم الأسبوع كله وهو أسبوع الفصح (ستة أيام) والذي عرف فيما بعد باسم (أسبوع الآلام) وأول ذكر جاء له في الدسقولية السريانية (ديداسكاليا اى تعاليم الرسل) التي تم تدوينها في شمال سوريا مابين عامي (200 -250 م) وكان قد حفظ أولا في كنيسة أورشليم ولقد كان صوم الأربعيني منفصلًا عن صوم أسبوع الآلام خلال مرحلة تاريخية معينة وكان الصوم يبدأ بعد عيد الأبيفانيا (عيد الغطاس) مباشرة وهو الثاني عشر من طوبة على نحو ما فعل مخلصنا له المجد، ثم يفطرون في اليوم الثاني والعشرين من أمشير وبعد ذلك بمدة يعملون جمعة الآلام ويختمونها بعيد القيامة. وظلوا على هذا الحال إلى أيام البابا الأنبا ديمتريوس الكرام البابا الثاني عشر من باباوات الأسكندرية (188- 230) وهذا قرر أن يكون أسبوع الآلام تاليا لصوم الأربعيني، وظلت مدة الصومين معًا أربعين يومًا، وبمعني أخر كان الصوم الكبير ذو الأربعين يومًا ينتهي يوم الجمعة العظيمة وليس جمعة ختام الصوم كما نعرف اليوم أي أن فترة الصوم الكلية أربعين يومًا فقط حاوية فيها أسبوع الفصح المقدس، وهذا ما تؤكده الرسالة الفصحية الثانية للبابا أثناسيوس الرسولي (328-373 م.) والتي كتبها سنة 330 م. وان يكون الفصح المسيحي في الأحد التالي لفصح اليهود، وهذا هو التقليد الذي اتبعته كنائس مصر وفلسطين وروما فقد كتب البابا بذلك إلى بطاركة الكراسي الثلاثة وهم فيكتور بطريرك رومية، ومكسيموس بطريرك إنطاكية، وأغابيوس أسقف أورشليم إلا إن الشرقيين تمسكوا بما كانوا عليه وهو الاحتفال بالفصح يوم 14 نيسان مع اليهود سواء وقع يوم أحد أم لا بحجة أن هذا ما تسلموه من بوليكربوس تلميذ يوحنا الرسول.

ظل أباء الكنيسة طوال القرون الثلاثة الأولى يجاهدون لتوحيد هذا العيد، حتى جاء مجمع نيقية سنة 325م وقرر أن يكون العيد في الأحد التالي ليوم 14 نيسان حتى لا يعيدوا قبل اليهود أو معهم واستمرت الكنائس تسير على هذا النظام إلى أن اصدر البابا غريغوريوس الثالث عشر أمره بالإصلاح المشهور سنة 1582م مما ترتب عليه انقسام الكنيسة إلى فريقين، أولهما يتمسك بقرار مجمع نيقية وهم الأقباط ومن معهم، والثاني يتبع الإصلاح الغريغورى.

الطراز الإمبراطورى بكنائس منطقة أبومينا بمريوط

كتبت د. شهد ذكى البياع

مدير شئون مناطق بمنطقة آثار وسط الدلتا – وزارة الآثار

منسقة مجلة "كاسل الحضارة والتراث"

تعددت انماط الطراز البازيليكى بمدينة ابومينا وتبنى ذلك الحكام حيث مدينة الحضارة والتاريخ ،حيث إختار الإمبراطور قسطنطين " 323- 337 "م الطراز البازيليكى الطراز الملكي كطراز للكنيسة بل وفضلة عن باقي الطرز الأخرى، وبنيت أول كنيسة فى أبومينا  في عهد الملك قسطنطين،وفي عهد الإمبراطور ثيؤدوسيوس "379-395م"والبابا ثاؤفيلس البابا الثالث والعشرون من باباوات الإسكندرية الذي أمر بتحويل الهياكل والمعابد المهجورة إلى كنائس. واللذان عملا على ازدهار وانتشار المعمار الكنسي بصفة عامة والطراز البازيليكي للكنائس بصفة خاصة حيث تنوع هذا الطراز من بازيليكا بسيطة وبازيليكا ذات جناح مستعرض المعروفة باسم ترنسبت بازيليكاTransept Basilica" "وبازيليكا  ذات الحنيات الثلاثية المعروفة باسم "تريكونش بازيليكا" Triconch Basilica""وكذلك البازيليكا ذات الخمسة أجنحة.وسبب هذا التنوع هو ظهور العديد من الكنائس الكبري لاستيعاب الأعداد الكثيرة من المؤمنين مما ألزم استحداث نماذج معمارية متطورة لتواكب الظروف البيئية والمناخية.كما أن اختيار الطراز البازيليكى كطراز للمبنى الديني المسيحي كان لعدة أسباب منها أسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية ودينية وطقسية، أدت إلى تطور هذا الطراز ليتلاءم مع تلك الأسباب ليخرج لنا في النهاية بالشكل الذى ظهر عليه .

اهتم الأباطرة والشعب بإنشاء كنائسهم على الطراز البازيليكى وليس على طراز المعبد المصري أو الروماني وذلك لأن المعبد لم يكن مهيئا ٌلاستقبال الأعداد الكبيرة من المؤمنين حيث كانت تقوم العبادة في المعابد الفردية وفي الأعياد على وجود الشعب خارج المعبد لكن الديانة المسيحية تقوم على حياة الشركة لذلك كان عليهم إيجاد نوع من المباني يجتمع فيه أعداد كبيرة من المؤمنين بحيث يتوفر بها أماكن للمشاركين للصلاة ومن بداية القرن الخامس تغير مفهوم العبادة من التعبد في أماكن سرية إلى سيادة الدين الجديد فى أركان الإمبرطورية.

مدينة أبومينا بمريوط

تقع على بعد ٧٥ كم غرب الإسكندرية و٦٠ كم جنوب مدينة برج العرب القديمة يطلق عليها بدو المنطقة اسم " أبو مينا " والتي كانت فيما مضي قرية صغيرة حيث كان مدفن القديس مينا . وكانت المنطقة حتي العصور الوسطي أهم مركز مسيحي للحج في مصروصلت رفات الشهيد مارمينا واستقرت في مزارها نحو عام "312 – 315 م".فهي تعتبر مدينة متكاملة من العصر البيزنطي، ويقع الموقع الأثرى خلف الدير الحديث ومساحة الموقع ألف فدان والموقع مسجل كأثر بالقرار رقم ٦٩٨ لسنة ١٩٥٦، وسجل كتراث عالمى باليونسكو عام ١٩٧٩.وتم الكشف عن مقبرة القديس مينا خلال التنقيب من قبل المعهد الألمانى للآثار بالقاهرة فى الفترة ما بين ١٩٦١ وحتى عام ٢٠٠٢ وأسفرت نتائج الحفائر عن كشف قبر القديس مينا تحت الأرض والذى يقع فى الوقت الحالى تحت الكنيسة المعروفة بكنيسة المدفن وقد شيدت مقبرة لرفات القديس مينا.وكانت هذه المدينة معروفة بمدينة الرخام لفخامة مبانيها الرخامية، لأنها كانت عبارة عن مدينة كاملة مبنية من الرخام سواء البيوت والكنائس والأعمدة.يتوسطها فناء متسع على شكل ميدان محاط بصفوف من الأعمدة كان يتجمع فيه الشعب،وهو محاط بعدة مبان لأغراض مختلفة وفى الشمال تقع دور الضيافة الخاصة بإيواء الزوار وفى الجزء الجنوبى تقع الكنائس التى كان مبناها الرئيسى هو كنيسة المدفن التى تضم قبر القديس مينا، وكان هناك طريق كبير خاص بالمواكب يمتد بين دور الضيافة ويؤدى إلى الميدان. وتضم منطقة أبومينا الأثرية حمامين كبيرين وهما الحمام المزدوج والحمام الشمالي، كما تشمل المدينة حوانيت وورش فخار، كما يضم الموقع مجمعًا معماريًا ضخمًا يتكون من ثلاثة مبان منفردة ومتصلة ببعضها البعض بشكل مباشر هى البازيلكا الكبرى وكنيسة المدفن والمعمودية وتعتبر الكنيسة الكبرى من أضخم كنائس مصر.

كنيسة المدفن في مجمع مار مينا بمريوط

ترجع إلي النصف الأول من القرن الخامس الميلادي وهي عبارة عن بازيليكا صغيرة ذات أعمدة وثلاثة أجنحة كانت تشغل تقريبا عرض منطقة القدس الخاصة بالكنيسة ذات أنصاف القباب الأربعة"التتراكونش "Tetraconch" " التي شيدت فيما بعد
يوجد في الجزء الغربي من كنيسة المدفن فتحة تؤدى إلي خزان المياه من المحتمل أن هذا الخزان هو خزان الماء المقدس الذي كان الحجاج يملئون منه تبركا بالقديس مينا وتذكارا لزيارة المنطقة.أما بالنسبة لمنطقة المذبح يوجد التقسيم الثلاثي المعتاد ذو الحنية الوسطى والحجرتان الجانبيتان المربعتان الموجودتان علي الجانبين؛ الحنية غير بارزة عن الحائط.

 الكنيسة الشرقية في مجمع مار مينا بمريوط

غالبا ترجع إلي القرن الخامس الميلادي أنشئت الكنيسة الشرقية على موقع بازيليكا صغيرة عادية أقدم منها  كانت مبنية من الطوب النيىء، تتكون من  صحن أوسط محاط بثلاثة أجنحة من جهة الشمال، والجنوب، والغرب يفصل الجناح الأوسط عن الجانبيين الشمالي والجنوبي صفين من الأعمدة عدد هذه الأعمدة خمسة أعمدة في كل صف. هيكل الكنيسة مربع الشكل شرقية الكنيسة ضيقة، يلاحظ وجود المعمودية في حجرة في الجهة الشرقية حيث يتم الوصول إليها عن طريق فتحة في الجناح الجنوبي جهة الشرق.

البازيليكا الكبرى في مجمع مارمينا بمريوط

ترجع إلي أواخر القرن الخامس الميلادي أي إلي فترة حكم الإمبراطور زينون"474 م-491 م" البازيليكا لها مدخلان يقعان في الجانب الغربي منها،  الشمالي ويعتبر المدخل الرئيسي وهو مبني من الحجر وهو يفتح علي الصالة الرئيسية كما توجد ردهة النارتكس تقع عند الجانب الغربي الضيق وهي لا تمتد بعرض الكنيسة كلها،ووظيفتها تتمثل في كونها وصلة لكنيسة المدفن المجاورة في الجهة الغربية والتي يفصلها عن هذه الردهة صف من الأعمدة عددها ستة أعمدة وعند جوانب الردهة نارتكس ضيق، توجد صفوف من الأعمدة علي شكل نصف دائرة.كما توجد فتحة كبيرة كانت مقسمة بعمودين وتربط بين ردهة المدخلوبين الجناح الأوسط للبازيليكا الكبرى، أما الآن فإن هذا الممر مسدود بواسطة الحنية الخاصة بالبناء الجديد للكنيسة التي شيدت في منتصف القرن الثامن الميلادي تقريبا. في الشمال بجوار المدخل عند الطرف الجنوبي للجناح الشمالي،حيث يوجد المربع المؤدي إلي مقبرة الشهيد،أما الصعود فكان يتم عن طريق الدرج الغربي الموجود عند الجانب الشمالي الضيق الذي يؤدي إلي مدخل البازيليكا الكبرى. تتكون منطقة القدس في البازيليكا الكبرى من ثلاثة أجنحةيعتبر جناحها الأوسط أكبرها، يفصل الجناح الأوسط عن الجناحين الجانبيين صفان من الأعمدة، عدد هذه الأعمدة أربعة أعمدة في كل جانب،تمتد الأجنحة الثلاثة ناحية الشرق حتى الجنا المستعرضالذي ينقسم بدوره إلي صالة وسطى وجناحين وتنتهي الصالة الرئيسية في الشرق بشرقية الهيكل ذات شكل نصف دائري، وتبرز الشرقية خارج المبني وهي مدعمة من الخارج بدعامات ساندة، علي جانب الشرقية توجد مجموعة من الغرف الجانبية .

الكنيسة الشمالية في مجمع مارمينا في مريوط

تقع الكنيسة الشمالية في الجهة الشمالية للكنيسة الكبرىوهي ترجع إلي أواخر القرن السادس الميلادي، بنيت الكنيسة من الحجر الجيري ولا يزال تخطيطها واضحا حتى اليوم، وهي متوسطة الحجم ويشكل مبني الكنيسة وملحقاته مستطيلا ،بنيت الكنيسة علي الطراز البازيليكيحيث يقع مدخل الكنيسة في الجهة الغربية ويوجد غرب المدخل باب خارجيوهو خارج عن جسم البناءوكان يصعد إليه بعده درجات.المدخل يؤدي إلي فناء مكشوف  بعرض الكنيسة؛ هذا الفناء محاط بأروقة مغطاةحيث إنه مقسم طوليا إلي ثلاثة أجزاء بصفين من الأعمدة كل صف به سبعة أعمدة هذا الفناء حوله حجرات للكهنة واستراحات وملحقات .

تتكون منطقة الصحن في الكنيسة من جناح أوسط تحيطة ثلاث أجنحة من الشمال والجنوب  والغرب.الصحن محاط من جوانبة الشمالية والجنوبية والغربية بصف ملتف من الأعمدة يبلغ عددها 22 عمود حيث تفصل الأعمدة الجناح الاوسط عن الاجنحة المحيطة به.

شرقية الكنيسة توجد عند نهاية الصحن وهي حنية نصف دائرية غير بارزة عن البناء بل تقع داخل الجدار الشرقي للكنيسة،ونجد آثار قواعد عمودان علي جانبي فتحة الهيكل،وهو مربع تقريبا، يفتح علي الصحن بفتحة متوسطة في حائطه الغربي، ويبدو أنه كان يحيط بالهيكل سور غير مرتفع وهى حواجز البيما حيث لا تزال بقاياه واضحة حتي الآن. وفي الغرب توجد المعمودية وهي مبنية من الطوب الأحمر.

طبيعة الفرعون

 كتب د. حسين عبد البصير 

مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية

كانت طبيعة الملك الحاكم في مصر القديمة مثار جدال طويل بين العلماء!

ولقد أطلقت النصوص المصرية القديمة على الحاكم لفظة ملك "نسو" ولفظة إله "نثر". وقد قُدس الملك في العبادة المصرية القديمة في حياته وبعد مماته وفقًا لهذا المفهوم ولتلك النظرة المقدسة للملك المصري القديم. وعلى الرغم من أن دراسة طبيعة ومفهوم الملكية في مصر القديمة توضح إنه إذا كان ملك مصر ينعت عادة بـلفظ "إله"، فإنه في نصوص أخرى كان يُعامل على أساس غير إلهي مقدس بالمرة. فما قصة تأليه الحاكم في مصر القديمة؟

في واقع الأمر، فإن أصل الحقيقة يرجع إلى أن الملك في مصر القديمة كان يحوز ويحافظ على الألوهية المقدسة كنتيجة لعدد من الطقوس الملكية المهمة والتي كان من خلال ممارسته لها تتحقق له ألوهيته الرمزية والفعلية على السواء، وكان من بين أهم تلك الطقوس، تتويج الملك الإلهي على عرش مصر المقدس والذي كان يُنظر إليه على اعتباره الطريقة المثلى التي من خلالها كان يمكن للملك أن يتحد مع "الكا" (القرين) الملكية المؤلهة الخاصة به، وكانت تمثل تلك "الكا" الملكية "قوة الحياة الموروثة" وكانت أيضًا تعبر عن "الروح المبدعة الخالدة للملكية المؤلهة" في مصر القديمة. وكان هذا الاتحاد ذا أهمية قصوى، إذ كان يقوي من حكم الملك ويدعم مفهوم وأسس ملكيته المقدسة، ومن هذا المنطلق، كان الملك يستقبل طقوس العبادة باعتباره مقدسًا مثل "الكا" الملكية المؤلهة الخاصة به، وأصبحت تلك الطقوس بارزة في عصر الدولة الحديثة وتحديدًا منذ بداية حكم الملك الشمس "أمنحتب الثالث"، والد فرعون التوحيد الملك "أخناتون"، وكانت تماثيل الملوك الفراعنة تستقبل القرابين مثلها مثل تماثيل الآلهة وذلك من خلال طقوس الخدمة اليومية داخل المعابد المصرية القديمة العديدة، ولعل أبرز الآثار التي خُصصت لعبادة الملك الحي هو معبد الملك الشهير نجم الأرض رمسيس الثاني بـ"أبو سمبل" بمحافظة أسوان في جنوب مصر. وهناك عدد من المناظر يصور الملك المؤله في حياته يقدم القرابين لذاته المؤلهة. وفي هذا السياق، فإن الملك لا يعبد نفسه بقدر ما يعبد ويكرس ويقدس مفهوم الملكية المؤلهة في "الكا" الملكية المؤلهة التي يمثلها وفقًا لمفهوم الملكية عند المصريين القدماء.
واستمرت عبادة الملك المؤله بعد وفاته. وترجع أهمية الملك في مصر القديمة إلى عظم الدور الذي كان يقوم به في المجتمع المصري القديم سواء من الناحية الدينية أو من الناحية السياسية. ومن هذا المنطلق، فقد كان الملك المصري القديم شخصًا مقدسًا في أغلب الأحوال، وكانت عبادة الملك من أهم الملامح الحضارية في مصر القديمة. وتظهر جلية في الآثار الملكية العظيمة والعديدة مثل المجموعات الهرمية في عصري الدولتين القديمة والوسطى والمعابد الجنائزية في عصر الدولة الحديثة على الشاطئ الغربي لنهر النيل العظيم بمدينة الأقصر الخالدة، ومنذ بدايات التاريخ المصري القديم، فقد احتوت المقابر الملكية على مكان لتقديم القرابين المادية الخاصة بالطعام والشراب لروح الملك المتوفى. واحتوت المجموعات الهرمية الخاصة بملوك عصر الأسرة الرابعة وما بعدها على معبد جنائزي كان يقع في الناحية الشرقية من المجموعة الهرمية وكان مخصصًا لعبادة الملك المتوفى من خلال تمثال يمثله ويستقبل نيابة عنه الطقوس ويتسلم القرابين، وبنى ملوك الأسرة الثامنة عشرة من عصر الدولة الحديثة ما يطلق عليه اصطلاحًا "معابد تخليد الذكرى"، وأعنى ذكرى الملوك المصريين القدماء من الموتى المبجلين، وبُنيت تلك المعابد على الجانب الغربي بحذاء شاطئ النيل كي تستقبل زوار تلك المعابد في الأعياد والمناسبات التي كان يتم فيها تقديم القرابين وزيارة الملوك الموتى والعناية بأرواحهم الطاهرة. وفي تلك المعابد الكبيرة الخالدة التي كانت تُدار بواسطة الدولة والكهنة المكرسين لخدمتها والعمل على خدمة أرواح الملوك الموتى، استمرت أرواح الملوك الموتى في استقبال القرابين مثلها في ذلك تمامًا مثل الإلهين الشهيرين "آمون"و"رع حور آختي"، وكذلك بنى ملوك الدولة الحديثة العظام ما يطلق عليه "معابد ملايين السنين" كأماكن مخصصة لـ "الكا" الملكية المؤلهة قبل وبعد موت أولئك الملوك. وكذلك امتدت عبادة الملوك الموتى لمعابد غير تلك التي كانت تديرها الدولة مثل ما فعله العمال والفنانون المهرة بناة المقابر الملكية وغيرها الذين كانوا يقطنون في منطقة دير المدينة والتي تقع على الشاطئ الغربي لنهر النيل بمدينة الأقصر الساحرة حينما بنى أولئك العمال والفنانون العظام مقاصير وخصصوها لتقديس وتكريم الملك المقدس "أمنحتب الأول"، ابن طارد الهكسوس "الملك أحمس الأول" العظيم، وأمه الملكة الخالدة "أحمس نفرتارى" اللذين قدسهما أولئك العمال والفنانون باعتبارهما المؤسسين والراعيين الحاميين للمدينة ولهم بالتبعية، وفي هذا ما يذكر بمثل الصنيع الذي فعله عمال المناجم في عصر الدولة الوسطى في شبه جزيرة سيناء حينما قدسوا وأقاموا العبادة للملك المؤله طويلاً"سنفرو"، والد الملك "خوفو" صاحب الهرم الأكبر بالجيزة.

وفي النهاية، أقول إن طبيعة الملك الحاكم في مصر القديمة كانت تختلف تبعًا لطبيعة العصر الذي عاش فيه الملك خصوصًا في عصور القوة والثراء وامتداد الحكم وقد أضفت تلك العصور بالضرورة على ملوكها المهابة والقداسة، فمال بعضهم إلى تقديس ذاته في حياته، مثل سنوسرت الثالث ورمسيس الثاني. وكانت طبيعة الملكتختلف وفقًا لطبيعة وشخصية الملك نفسه؛ فكان منهم ملوك مؤلهون في حياتهم، وكان هناك آخرون عاديون في حياتهم ومقدسون بعد وفاتهم. غير أنه في الأغلب الأعم كانت القداسة تحيط بأغلب ملوك مصر الفرعونية؛ لأنهم كانوا أبناء الآلهة على الأرض الذين يحكمون مصر والعالم نيابة عن آبائهم المقدسين!

"إبريق مروان بن محمد" بمتحف الفن الإسلامى حكايات وأسرار

كتب د. حجاجى إبراهيم محمد

عميد المعهد العالى للسياحة والفنادق بالغردقة

أستاذ الآثار الإسلامية والقبطية بجامعة طنطا -الحاصل على لقب فارس من إيطاليا

"كان من المفروض أن يتم الترميم للإبريق كما تعلمنا في معهد فيا كافور بروما سنة 1979 بأسلوب آخرر، ماء مقطر وكحول أبيض وأسيتون وفرنو مع تكرار وكاميرا اوميدا ودبوس
تعلوه قطنه ومحلول بي تي ايه ثم بارالويد بالرش

وقد قالوا أن الابريق ساساني على أساس حبات المسبحة علما بأن مصر عرفت كلمة سبح (، الحبل المعقود حرف سين) وعرف. القبطي المصري السبحه٣٣ عمر السيد المسيح على الأرض وعرف المسلم المصري المسبحة ٣٣ في ٣ ب٩٩ اسماء الله الحسنى وعرف الفرس حبات المسبحة المصرية واستخدموها على دراهمهم فقد احتلوا مصر في الأسرة ٢٧ و٣٠ بل أقدم مفاجأه هم هكسوس عصر الانتقال الذين جابوا فارس وتركيا والشام وفي قصة سيدنا يوسف وشروه بثمن بخس دراهم معدودة لأن عملة مصر المقايضة وعملة المستعمر آنذاك الدراهم والفرس اهتموا بالخيل والعجلات الحربية وكلنا نعرف قصص خسرو وشيرين ورستم واسفنديار والرخش فرس رستم

ثم قالوا الديك في الديانة الزرادشتية أقول نعم لكن هنا قصد به الفنان المصري المثقف التورية للمسلم الآذان وللمسيحي القديس بطرس كما ذكره الإنجيل

وقالوا خلفه معبد النار أقول لا لو كبرنا صورة الإبريق المصنوع من البرونز المحفوظ بالمتحف الإسلامي بالقاهرة لوجدنا ما يشبه العفريت بقرن وعين عورا وكأنه يهوذا يريد طعن من أمامه فترتد الطعنه إليه وتصنع نهايته وليس ورده ثلاثية كما قالوا وإنما دي وهي النهاية ففي الديمو طيقي ثم القبطي ٧ حروف ألحقت باليونانية شاي فاي خاي هوري جنجا تشيما دى

وكذلك الكل ذكر تاج ملك وسكت وهنا الفنان قصد التورية، الملك عنده ملك الملوك السيد المسيح بينما عبد الملك بن مروان أو نسله الوليد أو عمر بن عبد العزيز أو يزيد بن عبد الملك أو هشام أو الوليد بن يزيد أو يزيد بن الوليد أو اخوه إبراهيم الذي خلعه بن العمومة مروان بن محمد بن الحكم اعتقد انه الملك المقصود

والشمس على الإبريق قد تكون شمس البر وهو السيد المسيح أو الشمس وضحاها

وعلى الابريق الأسد وهو رمز القديس مرقص والماعز وما أدراك ما الماعز على تحف الأندلس

وتحت رقبة الإبريق خط مستقيم أسفله عدة أقواس واي سي يسوع بالقبطي والخلاصة صنعه فنان قبطي لخليفه أموي واذكر قول الدكتورة سعاد ماهر لنا اثناء تدريس ماده للفنون لنا في ثانية كلية لاسيما الأخشاب الأموية هي أسلوب ديني قصصي مستوحي من الإنجيل عليه آية الكرسي أو سورة الإخلاص وطبعا الذي ينطبق على الخشب ينطبق على سائر الفنون الصغرى المعاصرة

دور فن التصوير الإسلامي في خدمة القضايا الدينية والمجتمعية

كتبت لبني صالح عبد المولي

باحث دكتوراه فى الآثار الإسلامية - منسق كاسل الحضارة والتراث

يٌعد فن التصوير من الفنون الهامة التي لعبت دور كبير في التوجيه والنصح والإرشاد من خلال التصاوير التي تُعد مرآة تعكس لنا أفكار المجتمع الإسلامي خاصة التصاوير الدينية المرتبطة بالعقيدة والدين الإسلامي, ولم تكن رسالة المصورين مجرد رسم تصاوير وأشكال تلوينية تجذب النظر وتدخل البهجة علي من يراها فحسب, وإنما كانت لهم رسالة سامية ودور فعال في خدمة المجالات الأٌخري, خاصة الدور الثقافي والتوجيهي الذي يعمل علي توصيل الأفكار والمبادئ إلي المشاهد من خلال ما تحويه التصاوير والرسومات من موضوعات مجتمعية ودينية هامة, ومن ثم كانت لريشة الفنانين وألوانهم تأثير كبير علي عقول مشاهدي هذه التصاوير.

 ولما كان الفن قريب دائمًا من القلوب فقد أصبح الرسم والتصوير من المجالات التي لا غني عنها في مجتمعاتنا ليس فقط في عصرنا الحديث وإنما ذلك كان منذ بدايات العصر الإسلامي الذي عبر فيه التصوير والرسم عن حال المجتمع المسلم وأفكار المسلمين, علي الرغم مما قابله الرسم والتصوير في بدايات هذا العصر من كراهية وتنفير من هذا النوع من الفن إلا أنه أستمر كأحد الوسائل القوية المستخدمة في توجيه أفراد المجتمع وإرشادهم, كما أن فن التصوير يعد لغة مشتركة يجيد فهمها الجميع في مختلف انحاء العالم.

تصاوير الجنة والنارويوم الحساب بريشة المصور المسلم أنموذجًا:

لقد اهتم المصور المسلم في العصر الإسلامي بالحياة الآخرة وذهب عقله إلي التفكير في مشاهدها من جنة ونار وحساب ثم ثواب أو عقاب, فأطلق لعقله العنان للتخيل والتفكير فيما سيحدث للإنسان في حايته الآخرة ولم يجد المصورون المسلمين غضاضة في تصوير الجنة والنار ويوم الحساب, وكان ما جاء به القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة مصدراً ملهماً يفيض بالوحي والتخيل والتأمل علي المصورين الذين نفذوا تلك التصاوير, واستند تفكيرهم علي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فيما أتت به من وصف وتفسير لمجريات الآخرة, كوصف الجنة وما بها ووصف النار وجحيمها ووصف يوم الحساب ومفرداته وما يئول إليه الإنسان من ثواب فيدخل الجنة أو عقاب فيدخل النار, ومن ثم أخرج لنا المصورين المسلمين كثير من التصاوير التي تتناول الآخرة وتوضح الجنة والنار ويوم الحساب,وفي هذه التصاوير قصد المصور إثارة الشعور الديني للمشاهد من خلال المعاني التي توضحها التصاوير, وقد نجح المصور في التعبير بوسائل بسيطة عن جمال الجنة ونعيمها وقبح والنار وعذابها.

أشهر المخطوطات الإسلامية التي تحوي تصاوير للجنة والنار ويوم الحساب:

تنوعت تصاوير الجنة والنار ويوم الحساب ورٌسمت بأساليب فنية مختلفة في معظم مدارس التصوير الإسلاميالتي لم تخلوا من مخطوطات تحوي بين دفاتها تصاوير تتناول هذا الموضوع.

 ومن أشهر المخطوطات الدينية التي تصف تصاويرها مشاهد الجنة والنار ويوم البعث والحساب كما تصورها الفكر الإسلامي وتخيلتها عقول المصورين, مخطوط معراج نامة الذي ينسب إلي مدرسة التصوير التيمورية الإيرانية, وهذا المخطوط مورخ بعام 840ه/1436م ومحفوظ في المكتبة الأهلية في باريس,ومخطوط مرآت الكائنات الذي ينسب إلي مدرسة التصوير العثمانية, وهذا المخطوط مؤرخ بعام 1180ه/1766م ومحفوظ في دار الكتب المصرية بالقاهرة, ومخطوط أحوال القيامة المؤرخ بعام 1592م, ومحفوظ في مجموعة حافظ افندي تحت رقم 139, وكذلك مخطوط فال نامة الذي تناولت بعض تصاويره مشاهد من الجنة والنار مؤرخ بأوائل القرن 11ه/17م في الفترة (1603-1617م) ومحفوظ بمتحف طوبقا بوسراي فى اسطنبول،  هاذان المخطوطان ينسبان إلي مدرسة التصوير العثمانية أيضاً, هذا بالإضافة إلي الكثير من المخطوطات والألبومات الإسلامية التي تضم تصاوير متفرقة عن الجنة والنار ويوم البعث والحساب.

وصف لبعض تصاوير الجنة والنار ويوم الحساب:

  • تصاوير الجنة.

-لوحة(1) تصويرة تمثل الجنة ودورها, من مخطوط مرآت الكائنات,مؤرخ بعام 1180هـ/1766م, ومحفوظ بمجموعة طلعت بدار الكتب المصرية بالقاهرة تحت رقم 2معارف عامة تركي طلعت.

تمثل هذه التصويرة أوصاف وأنواع المقاعد والدور بالجنة تشبيهًا, كدار الفردوس ودار الخلد ودار العدن ودار الحلال ودار المأوى ودار النعيم ودار الإسلام (السلام) ودار الخير, حيث رسمها المصور بأسلوب غاية في البساطة وبأقل الألوان، فنرى المصور قام برسم الجنة على شكل دائرة كبيرة ثم قسمها إلى ثمانية أجزاء وهي دور الجنة الثمانية, وقد رسم كل دار عبارة عن مساحة مقسمة إلى مربعات باللونين الأخضر والأبيض ليعبر عن حدائق الجنة وقصورها.

ويحيط بالتصويرة من أعلى وأسفل مساحتان مستطيلتان بداخلهما كتابات باللغة التركية, في المستطيل الأعلى سطر من الكتابة باللغة التركية نصه: "شكر جنتك أشكالي وأوصافي بويله دركه بيان اولندي"وترجمتها إلي اللغة العربية كالآتي: "أشكال وأوصاف الجنان الثمانية" وبالمستطيل الأسفل سطر من الكتابة باللغة التركية نصه: "راوي ايدر بوسكر جنتك نااوزرنه كه عرش مجيدك التنه كلور" وترجمتها إلي اللغة العربية كالآتي: "روي أن هذه الجنان الثمانية موجودة أسفل العرش المجيد".

-لوحة (2) تصويرة تمثل جنة المأوي وسدرة المنتهي, من مخطوط مرآت الكائنات,مؤرخ بعام 1180ه/1766م, ومحفوظ بمجموعة طلعت بدار الكتب المصرية بالقاهرة تحت رقم 2معارف عامة تركي طلعت.

تمثل هذه التصويرة جنة المأوي وسدرة المنتهي تخيلاً وتشبيهًا, حيث رسم المصور باب الجنة وشجرة كبيرة تمثل سدرة المنتهى، "وسدرة المنتهي ذكرت في القرآن الكريم وهي إحدي أشجار الجنة",فنشاهد على يمين التصويرة رُسم باب الجنة عبارة عن فتحة باب مستطيلة كبيرة يحيط بها إطار، ويتوسط هذه الفتحة الباب المؤدي إلى الجنة,وعلي يسار التصويرة نشاهد شجرة كبيرة رسمها المصور بلون أخضر غامق وهي تمثل سدرة المنتهى, وقد عبر المصور عن سدرة المنتهى بأسلوب تخيلي بسيط لتوضيح المعني وتوصيله إلي المشاهد.

ويحيط بالتصويرة كلها إطار، ويعلو التصويرة مساحة مستطيلة كتب بداخلها سطران من الكتابة, إحداهما باللغة التركية ونصه كالتالي: جنة المأوى ايله سدرة المنتهي نك صوريلر بدركه بانلد بلا تشبيه. وترجمتها إلي اللغة العربية كالآتي: "رُسمت صورة جنة المأوي وسدرة المنتهي بلا تشبيه".

  • تصاوير النار (جهنم)

لوحة (3) تصويرة تمثل النبي محمد {صلي الله عليه وسلم} يري عزاب أكلي أموال اليتامي في النار أثناء رحلة المعراج, من مخطوط معراج نامة مؤرخ بعام 840ه/1436م, محفوظ في المكتبة الاهلية في باريس.

تمثل هذه التصويرة النبي محمد {صلي الله عليه وسلم} يشهد عزاب أكلي أموال اليتامي في النار, فنشاهد علي يمين التصويرة النبي يمتطي البراق بصحبة جبريل عليه السلام, رُسم وجهه في وضعة ثلاثية الأرباع ويرتدي رداء باللون البني االفاتح ويعتم بعمامة بيضاء تلتف أعلي طاقية حول رأسه وتمر من أسفل ذقنه, وتحيط به هالة من اللهب أو شعلة نورانية كعلامة للقدسية باللون الذهبي, في حين رُسم بجواره جبريل وعلي رأسه تاج وتحيط برأسه الهالة النورانية كعلامة للقدسية أيضاً, ورُسم له جناحين يخرجان من خلف كتفيه, ويشير بأصابع يديه علي المعذبون في النار الذين رُسموا تحيط بهم النار, وتقوم الزبانية بتعذيبهم, مما يوحي بالعزاب والوحشة في النار.

لوحة (4) تصويرة تمثل المعزبون في جهنم, من مخطوط فال نامة, مؤرخ بأوائل القرن 11ه/17م في الفترة 1603-1617م, محفوظ بمتحف طوبقا بوسراي باستانبول.

وتمثل هذه التصويرة عزاب المذنبين في النار رُسموا ذوي أجساد عارية وتقوم ملائكة العزاب بتعزيبهم, وملائكة العزاب ذوي وجوه مخيفة وأجسادهم عارية أيضاً, ورُسمت أرضية التصويرة باللون الأسود كما رسم المصور بعض أشجار النار.

  • تصاوير يوم الحساب (أرض المحشر)

لوحة (5) تصويرة تمثل أرض المحشر, من مخطوط أحوال القيامة, مؤرخ بعام 1592م, ومحفوظ في مجموعة حافظ افندي تحت رقم 139.

تمثل هذه التصويرة أرض المحشر حيث يقف الخلق في انتظار حسابهم والشمس فوق رؤسهم بمسافة قليلة, وقد رسمهم المصور في هيئة واحدة, وقد اختلفت أوضاع رؤوسهم والتفاتاتهم ونظراتهم شاخصة أبصارهم, كل مشغول بكتابه وحسابه, وقد رسم المصور الأشخاص باللون الأبيض بينما لونت خلفية التصويرة باللون الأصفر ورُسم قرص الشمس تخرج منه الأشعة باللون الأصفر الغامق أيضا.

لوحة (6) تصويرة تمثل يوم الحساب من مخطوط مرآت الكائنات,مؤرخ بعام 1180ه/1766م, ومحفوظ بمجموعة طلعت بدار الكتب المصرية بالقاهرة تحت رقم 2معارف عامة تركي طلعت.

تمثل هذه التصويرة أرض المحشر أو يوم الحساب ومفردات هذا اليوم من جنة ونار وميزان تزن به الأعمال وصراط وموضع رسولنا الكريم في هذا اليوم, ووضع العرش فوق هذا كله، وقد تخيل المصور يوم الحساب وقام برسمه بأسلوب بسيط وواضح, فالتصويرة رُسمت داخل مساحة مستطيلةمحددة بإطار،كتب أسفلها باللغة التركية جملة نصها "صف أهل نار بوزارن يدي صفدر" وترجمتها إلي العربية كالآتي " صفة أهل النارمائة وسبعة عشر صفة", وفي وسط التصويرة رسم المصور الميزان الذي تزن عليه الأعمال يوم القيامة,وكٌتب أسماء عدد من الملائة وهم "ميكائيل" و"إسرافيل" و"غبرائيل" وأعلى رسمة الميزان، رسم المصور الجنة والنار والصراط, أما الجزء العلوي من التصويرة فيمثل صفة عرش الرحمن فوق الخلائق يوم الحساب, وقد كُتب داخله بمداد أحمر, باللغة العربية "سبحان محيط الكل وليس كمثله شيء".

التحليل الفني للتصاوير:

تتميز هذه التصاوير ببساطة تكوينها الفني فالهدف منها النصح والإرشاد لمٌشاهدها والترغيب والترهيب, فتصاوير الجنة رسمها المصورون بأسلوب بسيط خالية من رسوم الأشخاص والمناظر الطبيعية وذلك لتشويق المشاهد وجذب فكره لتخيل ما في الجنة من جمال ونعيم فركز المصور في رسمها علي بيان تنوع منازلها وأبوابها ودراجتها وترك للمشاهد تخيل نعيمها, أما تصاوير النار "جهنم" فيختلف تكوينها الفني عن تصاوير الجنة ففيها حرص المصورون علي رسم أشخاص يُعزبون ورسم طرق تعزيبهم وبيان وحشة النار وبؤسها وذلك لترهيب المشاهد للعظة والبُعد عن الأعمال التي تذهب بصاحبها إلي النار,بينما تصاوير يوم الحساب وأرض المحشر تنوع التكوين العام لعناصرها فببعضها حرص المصور علي رسم الموقف العظيم والخلائق في انتظار حسابهم, بينما في البعض الآخر قصد المصور إبراز مفردات يوم الحساب وما سيمر به الإنسان عند حسابه ووقوفه بين يدي الله.

والتصاوير بصفة عامة جاءت مسطحة خالية من العمق بسيطة العناصر الفنية, فالألوان قليلة ومعبرة, فاللون الأخضر أستخدمه المصور في رسم الجنة لعيبر عن رياضها, بينما في تصاوير النار كانت الألوان الداكنة هي المسيطرة كالأسود والرصاصي, واللون الأصفر في رسم النار وذلك لتوهي بوحشة النار وظلمتها وعزابها, وتصاوير يوم الحساب تنوعت ألوانها بتنوع العناصر المرسومة فحرص المصور علي رسم كل عنصر بلون مختلف ليجذب نظر المشاهد, وهذا التنوع في الألوان أعطي تصاوير يوم الحساب شئ من الجمال الفني نوعاً ما عن تصاوير الجنة والنار.

 أما مصوري هذه التصاوير فبعضهم إيراني والبعض الآخر عثماني, ورغم إختلاف جنسياتهم وربما مذاهبهم أيضًا, وكذلك اختلاف أساليبهم الفنية والتصويرية, إلا أن القاسم المشترك بينهم هو الفن الذي لا يعرف إختلافات جنسية أو عرقية أو مذهبية إنما هو رسالة سامية لخدمة المجتمعات وبث الروح الجمالية في الشعوب.

قرية فيلادلفيا بالفيوم - دراسة فى الأهمية التاريخية والحضارية

كتب د. رضوان عبد الراضى سيد أحمد سيد

 أستاذ الآثار المصرية المساعد - كلية الآثار - جامعة أسوان

وكيل الكلية لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة

مدير مركز حضارة وتراث أسوان

 الفيوم فى عصر البطالمة

          كانت الفيوم جزءًا من الإقليم العشرين من أقاليم مصر العليا وهى مقاطعة@wt Nn nsw بمعنى "قصر الطفل الملكى أو مقر ابن الملك" وعاصمتها إهناسيا المدينة إلى الغرب من بنى سويف الحالية، وكان رمز معبودها @ry-S.f هو الكبش ومعناه "المتصدر بحيرته" ولكنها انفصلت بعد ذلك فى العصر اليونانى الرومانى لتصبح المقاطعة الحادية والعشرين وسميت بإقليم "ارسينوى" نسبة إلى الملكة "ارسينوى الثانية" زوجة بطليموس الثانى وهذه لها شأن آخر عند الحديث عن تفسير معنى الاسم "فيلادلفيا" موضوع البحث.

          وكما نعلم فإن الفيوم تزخر بالعديد من المواقع الأثرية من العصر الفرعونى والعصر اليونانى – الرومانى مما يؤكد أن الإقليم كان يتمتع بالكثير من الخصائص التى أهلته لكى ينال هذا الاهتمام فإلى جانب المواقع المصرية القديمة، هناك مواقع مصرية جرى استخدامها من قبل البطالمة والرومان، ثم هناك مواقع أثرية يونانية – رومانية لم نسمع بها ولم تكن معروفة من قبل لدى المصريين القدماء وجاءت نتيجة استيطان اليونان. وكانت فيلادلفيا أحد هذه المواقع.

          وكان يوجد فى فترة حكم البطالمة بالفيوم 66 قرية سميت بأسماء إغريقية وكان أكثر سكانها من الإغريق و48 قرية سميت بأسماء مصرية سكنها مصريون وأكثرهم فلاحون. ومن تلك القرى اليونانية التى أنشئت فى العصر البطلمى كروكو ديلوبوليس (العاصمة - كيمان فارس الحالية)، وبطليموس هيرموس وفيلادلفيا (موضوع البحث) وثياديلفيا (بطن اهريت الحالية) تكريماً للآلهة المتحابة (بطليموس وأرسينوى)، وفيلوتيرس وديونيسوس (قصر قارون الحالية)، وباخياس (أم الأثل) ويوميريا (قصر البنات) وطالى (قبلى بحر الغرق) وتبتونيس (أم البريجات) وكرانيس (كوم أوشيم) وغيرها من المدن، أما الأسماء المصرية التى افترضت فى تسمية بعض هذه المدن فهى (ممفس، اتريبيس ، مينديس ، بوباستوس ، تانيس ) وغيرها.

          وكذلك كانت هناك مدن أخرى اختاروا لها اسماً من أسماء أفراد أسرة بطليموس الثانى فنحن نعرف فيما لا يقل عن خمسة مدن تسمت باسم بطليموس واثنان فيلوتيريس وأرسينوى، ومنطقتان سميت "برنيكى وأفروديت" واثنان "ليسيماخوس وفيلوباتور وماجياس"، وكذلك استخدمت أسماء الآلهة اليونانية مثل "هيفايستوس - معبود النار" ، "ليتوبوليس" من (ليتو - أم أبوللو)، آثيناس (الإلهة أثينا) أو أسماء سامية مثل (ماجدولا) و (ساماريا). كان ذلك إجمالاً لمعظم المناطق المعروفة فى الفيوم والتى ترجع بتاريخها إلى العصر اليونانى الرومانى.

          وازداد الاهتمام بالفيوم فى زمن البطالمة على عهد الملك بطلميوس الثانى (فيلادلفوس) (285-246 ق.م) الذي منح الأراضى لأقاربه اليونانيين والمقدونيين وأطلق على الفيوم منذ ذلك الحين مقاطعة "أرسينوى" نسبة إلى زوجته التى كانت لها شعبية كبيرة وسمعة طيبة عند المصريين حتى موتها عام 270 ق.م. وعاش على أرض الفيوم فى ذلك العصر المصريون بالإضافة إلى أجناس أخرى من يونايين ويهود وإيرانيين وسوريين وعرب وترك واندمجت هذه الأجناس فى الجنس المصرى عن طريق التزاوج والمصاهرة.

          واستصلح بطلميوس الثانى "فيلادلفوس" جزء كبير من إقليم الفيوم وجففت أجزاء كبيرة من البحيرة وأصبحت صالحة للزراعة وبذلك أصبحت الفيوم أغنى ولاية تحت حكم البطالمة ونستطيع القول بأن بطلميوس الثانى استطاع أن يحول ولاية الفيوم إلى مدينة يونانية عن طريق بناء المعابد الإغريقية وأنه كان الأنسب لاستقرار الجنود والحاميات العسكرية، ولقد أسست المدن والقرى اليونانية طبقاً لتخطيط الإسكندرية فى أنماط ثابتة ومنظمة حيث ترجع أحد أسباب شهرة الفيوم إلى ذلك العدد الضخم الذى وجد من بقايا المدن وكانت الحياة فى الفيوم فى العصر اليونانى - الرومانى متمركزة إدارياً فى أحياء يونانية كان يسكنها أجناس مختلطة وكانت هذه الأجناس هيللنستية الثقافة ولا يوضح هذا التفاعل والاختلاط بين العناصر المصرية وهذه الأجناس أكثر من الممارسات الجنائزية فى المقابر التى ارتبطت بالمدن الجديدة.

          وشهدت أوراق البردى بأن الفيوم إقليم سياحى عظيم منذ آلاف السنين وأنه عريق فى خيره وجماله ولقد برزت مكانة الإقليم السياحية فى عهد البطالمة والرومان حيث عنوا بالزراعة ونهضوا باقتصاد الإقليم وحافظوا على جماله وهدوءه، ولقد أشار "جيمس بيكى" إلى الرحلات السياحية من أوروبا إلى الفيوم وإلى اهتمام المسئولين براحة السائحين وتشجيعهم وعلى سبيل المثال رسالة من العصر الرومانى كتبها "هرمياس" أحد كبار الموظفين بالإسكندرية إلى "اسكلبيادوس" الموظف المحلى بالفيوم يحثه على الاهتمام براحة الزائر الرومانى الكبير والحرص على كل ما يدخل السرور إلى قلبه وأن من ضمن المشاهد التى يحرص على رؤيتها كل زائر كبير عند زيارته لمصر هى "تماسيح أرسينوى" المقدسة.

          اتبع الرومان فى سياستهم فى مصر تخطيط خلق أو إيجاد "مقدونيا اصطناعية" فى مصر وكان لأجل ذلك لابد من وجود أرض بكر لهذه المستوطنات من أجل الجنود الإغريق بحيث يكون كل شئ فيها إغريقياً صميماً وفى عهد بطلميوس الأول والثانى أخذ علماء ومهندسو اليونان على عاتقهم ذلك الأمر وفى غضون سنوات كان هناك العديد من حقول القمح مع قرى ومدن جديدة، ولقد بدت هذه المقاطعة الجديدة أو "مقدونيا المستحدثة" أحب إليهم من أوطانهم التى ولدوا فيها، ولم يمدنا أى جزء من أرض مصر بالوثائق والبرديات اليونانية مثلما أمدتنا بها البهنسا (أوكسيرينخوس) والفيوم.

          وحرص بطلميوس الأول قبل موته على خلق مقدونيا جديدة فى مصر وتوطين أكبر قدر من الجنود المسرحين من الإغريق، فاختار واحة الفيوم الواقعة غرب النيل حيث كانت مياه النيل فى وقت الفيضان تصب فيها أى أنها كانت بمثابة خزان للمياه الفائضة التى كانت تصب فى بحيرة قارون، وكانت واحة الفيوم ترتبط بطريق برى مع منف وبقناة مائية أيضاً، هذا المشروع وإن كان قد بدأ فى عصر "سوتير" إلا أنه لم يلق الرعاية والتنفيذ إلا فى عهد "فيلادلفوس" فى بداية القرن الثالث ق.م.

          ومن المعروف أيضاً أن بطلميوس الثانى أبقى على المدن اليونانية الموجودة من قبل وهى "نقراطيس" والإسكندرية، ولم ينشئ هو من المدن الجديدة سوى مدينة فى أعلى الصعيد هى "بطلمية" (المنشأة بسوهاج) لعل الهدف الأصلى من إنشائها هو أن تكون مركزاً لحامية للدفاع عن الجنوب، أما باقى الإغريق فى مصر الذين فاضوا على المدن الثلاثة فقد أسكنهم على الأرض الزراعية فى قرى وبلدان النومات المختلفة وخاصة فى "نوموس" الفيوم.

          ونستطيع بصفة عامة القول بأن آثار الإقليم فى عهد البطالمة تنطق بفنون ومعارف وعمران تشير إلى عناية البطالمة بهذا الإقليم أكثر مما سواه.

 كان هذا استعراضاً سريعاً لوضع الفيوم فى فترة حكم البطالمة تمهيداً للحديث عن موضوع البحث "قرية فيلادلفيا".

المـوقع

          تعرف اليوم باسم "كوم الخرابة الكبير" تمييزاً لها عن "كوم الخرابة الصغير" وهى مدينة "بوباستوس" الواقعة بأرض الروبيات على بحر وهبى شرق الروضة، تقع على بعد حوالى 8 كم إلى الشرق من الروبيات أما فيلادلفيا فتقع شرقى بحر وهبى فى أول الطريق الموصل إلى جرزة شمال شرق الفيوم المعروف بـ "درب جرزة".

أصل التسمية والمعنى

          اسم المدينة موضوع الحديث هو "فيلادلفيا" وهو اسم يونانى خالص إذ أنه ليس تحريف أو تصحيف يونانى لاسم مصرى قديم، ومن ثم فليس لهذا الاسم جذور مصرية قديمة، أما معنى الاسم اليونانى "فيلادلفيا" فيبدو على الأرجح أن معناه "الحب الأخوى" ، ولعلنا نلحظ الارتباط والاقتراب اللغوى بين "فيلادلفيا" و "فيلادلفوس" وهو بطلميوس الثانى ويعنى اسمه "المحب لأخته".

أسباب الإنشاء

          ذكرنا من قبل أن بطلميوس الثانى اطلق على إقليم الفيوم اسم "إقليم أرسينوى" تأكيدًا على حبه واعتزازه بأخته التى هى زوجته فى نفس الوقت الملكة "أرسينوى الثانية" فلما ماتت هذه الملكة عام 270 ق.م، صعب عليه أن تموت أثناء حياته فحزن عليها حزناً شديداً ولم يكتف بإطلاق اسمها على إقليم الفيوم، بل آل على نفسه أن ينشأ بداخل هذا الإقليم بعض المدن التى تكرم فيها الأخت والزوجة الراحلة بل رفعها لمصاف الآلهة والتقديس ومن أشهر المدن التى قدست فيها هى مدينة "ثياديلفيا" والتى يعنى اسمها "الإلهين المتحابين" ويحمل الاسم معنى التأليه لكل من بطلميوس الثانى وزوجته أرسينوى، وهى حالياً (بطن اهريت) بناحية الشرك فى الجنوب الشرقى لقصر قارون، أما المكان الثانى الذى  قدست فيه "أرسنوى" وحدها دون أن يشركها أخيها وزوجها بطلميوس الثانى فى هذا التقديس فهى قرية "فيلادلفيا" ومن هنا يتضح لنا أن هذه القرية أنشئت خصيصاً لتكريم وتقديس الملكة "أرسنوى" ورفعها لمصاف الآلهة.

          وأنشئت هذه القرية فيما بعد عام 270 ق.م تقريبًا أى بعد موت الملكة "أرسنوى" وعلى عهد الملك بطلميوس الثانى وبمعنى آخر يعود تاريخها إلى بداية القرن الثالث ق.م.

 وكانت لها مكانة خاصة فى قلب بطلميوس الثانى وتحوز على أهمية كبيرة لديه فعرفنا من تاريخه أنه كان ينزل بها عندما يقصد الفيوم للنزهة والصيد ولعل ما يؤكد ذلك هو بقايا القصر الذى عثر عليه هناك إلا أن حالته الراهنة لا تسمح بتتبع تخطيطه المعمارى.

 ولعل الملك كان يفضل المكوث هناك لينفرد بشجونه ويستعيد ذكرياته مع أخته وزوجته الراحلة "أرسينوى" ويقدم لروحها القرابين ومن هنا نفترض أنه كان يوجد فى هذه القرية مكاناً خاصاً مثل معبد صغير أو مقصورة تقدم فيها فروض العبادة والتقديس لهذه الملكة وإن لم يعثر على بقايا أثرية تؤيد هذه الفرضية.

الأهمية التاريخية

وهو ما تقدم ذكره من إنشائها بصفة خاصة على عهد بطلميوس الثانى لتكون مقراً لتقديس زوجته "أرسينوى الثانية" وبهذا تكون هذه القرية ذات أهمية كبيرة من الناحية التاريخية إذ أنها من الأماكن القليلة التى عرف فيها تقديس الشخصيات الملكية فى العصر البطلمى بالإضافة إلى مدينة "ثياديلفيا" أيضاً بالفيوم، كذلك ترجع أهميتها التاريخية إلى وجود القصر الملكى بها والذى كان يستقر فيه الملك بطلميوس الثانى أثناء زيارته للفيوم كما أن موقعها كان مكاناً مناسباً لممارسة رياضة الصيد وهى الرياضة التى كان يستمتع بها الملك أثناء إقامته بالفيوم، كذلك كان يتم فى هذه القرية احتفالًا مقدساً للملكة "أرسينوى الثانية" فى شهر مسرى (أغسطس) من كل عام، كل ذلك جعل من قرية "فيلادلفيا" على قدر كبير من الأهمية التاريخية.

الأهمية الحضارية

          حفظت لنا بردية Lille اسم هذه المدينة فى تخطيط الأراضى وشق القنوات فى الفيوم وعلى وجه الخصوص قرية "فيلادلفيا" مما يرجح أنها كانت على قدر كبير من الناحية الحضارية وأنها كانت عامرة بأراضيها الزراعية المتسعة ولا عجب فى أن بطلميوس الثانى كان يقصدها للتنزه.

     هذا من ناحية، أما من وجه آخر فلهذه القرية أهمية فائقة حتى أصبحت مركزاً زراعياً هاماً فى العصر الرومانى، هذه الأهمية تتبدى فى أن أكثر محتويات أرشيف "زينون" قد خرجت منها.

          كانت الفيوم تعرف بأشهر موقع فيها وهى فيلادلفيا (حالياً كوم درب جرزة أو كوم الخرابة الكبير) التى كانت لها تخطيط نموذجى منتظم فكانت ثلاثة شوارع رئيسية تجرى من الشرق إلى الغرب والتى كان يحدد تخومها على الأقل 27 مسكن مبنية بكتل الطوب اللبن.

وكانت فيلادلفيا المدينة الأولى والكبرى فى منطقة الفيوم ولكنها هجرت بكاملها حوالى القرن الخامس الميلادى، وأن الحفائر النموذجية الوحيدة التى أجريت فى الموقع كانت في موسم الحفائر 1908-1909 بواسطة F.Zucker & P.Viereck لصالح متحف برلين والتى كشفت النقاب عن البرديات والنصوص والحقائق المدهشة وكذلك مجموعة اللوحات ذات النصوص المهمة ولكن ظل الموقع مادة خصبة للتنقيبات الغير قانونية أو غير العلمية ومع أنها كذلك إلا أنه نتج عنها ذلك القدر العظيم من أوراق البردى تلك التى يشار إليها باسم "أرشيف زينون".

وأيضا كم كانت قرية فيلادلفيا مفيدة جدا لدارسي التاريخ الروماني , وكم كانت فرحتهم عندما عثروا بها علي بردية عام 1920 أو 1921 حيث شاء القدر أن تكون هذه البردية عبارة عن الرد الكامل للإمبراطور كلاوديوس ( 41 - 54م ) علي مطالب الإسكندريين واليهود الذين سارعوا بعد توليه عرش روما بإرسال الوفود الرسمية إليه لتهنئه علي توليه عرش روما وفي نفس الوقت يعرض كل فريق منهم مطالبه علي الإمبراطور.

 وقد أحدثت هذه البردية التي تعرف عادة باسم " رسالة كلاوديوس إلي الإسكندريين " ( P.Lond.1912 ) دويا كبيرا في الأوساط العلمية، وقلما ظفرت وثيقة أخري بما ظفرت به هذه البردية من اهتمام بين الباحثين.

      وآلت هذه البردية إلي المتحف البريطاني ، ثم نشرها H.Idris Bell في عام 1924.

هذه البردية التي تحوي نسخة من خطاب شديد اللهجة موجه من الإمبراطور إلي كل من الطرفين المتحاربين، ويناقش في نفس الوقت مطالب كل منهما.

تدلنا كذلك علي مدي ما تمتعت به شخصية الإمبراطور كلاوديوس من ذكاء ودهاء وحصافة ورجاحة عقل وحرص وإتزان وفطنة ولباقة دبلوماسية، الأمر الذي يتضح جليا من خلال رسالته أو رده - كما أشرنا - علي مطالب السكندريين واليهود، كما تلقي الضوء أيضا علي جانب من الصراع المرير بين الفريقين في مصر آنذاك.

زينون وفيلادلفيا

          كان "زينون" يشغل منصب وكيل أعمال "أبوللونيوس" وزير مالية بطلميوس "فيلادلفوس" ونعرف عن هذا الوزير ما يفوق ما نعرفه عن أى وزير آخر تولى المنصب فى عهد البطالمة وعين فى منصبه حوالى عام 262 ق.م وبقى فيه حتى موت بطلميوس الثانى وبعد هذا التاريخ انقطعت أخباره بوصفه وزير للمالية وتوجد أدلة على أن أملاكه قد صودرت قبل العام الخامس من عهد بطلميوس الثالث. وأن وثائق "زينون" البردية على درجة عظيمة من الأهمية إذ أنها تلقى الضوء على مهام "أبوللونيوس" الرسمية إلا أن معظمها يتحدث عن أعماله الخاصة ذلك أنه لم يكن وزيراً فحسب بل كان أيضاً تاجراً وصاحب ضياع.

          وعثر فى هذه القرية على عددًا كبيرًا من برديات هذا الأرشيف الضخم "لزينون" وقد تضمن الأرشيف الكثير من الموضوعات التى تلقى الضوء على الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى هذه الفترة.

أرشيف زينون

          يعد أرشيف "زينون" من أكبر بل من أهم وأغنى الارشيفات على الإطلاق ولعل وجه الأهمية فيه أنه من مكان بذاته وتؤرخ بالفترة ذاتها.

          أما المكان فهو فيلادلفيا وأما التاريخ فهو فترة حكم بطلميوس الثانى، هذه الوثائق تمدنا بالكثير عن نشاط "أبوللونيوس" بوصفه من كبار ملاك الأراضى حيث كان يمتلك أراضى فى فيلادلفيا بالفيوم وكذلك فى إقليم منف كذلك يرى Edgar أنه كان يمتلك ضيعة فى فلسطين وعرفنا تخطيط ضيعته فى فيلادلفيا من بردية Lille وكانت تتألف من 10000 أرورة وكانت قطعة أرض كبيرة تبلغ مساحتها ثلاثة أميال مربعة تقريباً وتنقسم إلى عدد من الأحواض لأجل الرى وكان الجانب الأكبر منها يزرع قمحاً وشعيراً وذرة. وجانب أصغر من الأول يزرع حبوباً زيتية مثل السمسم والكتان وغيرها، كما كان يوجد بها فى أنحاء مختلفة أشجار كروم وفاكهة، ولقد كانت هذه الضيعة عزيزة على "أبوللونيوس"، فإننا نرى من الوثائق كيف أنه كان يوجه ويرقب بحرص كل ما يجرى فيها وكان يرسل من الإسكندرية كميات كبيرة من شتل الأشجار لغرسها فى فيلادلفيا، وفى الواقع يبدو أن ضيعة "أبوللونيوس" فى فيلادلفيا كانت بمثابة حقل تجارب لمصر كلها إذ كانت تحتوى بين جنباتها على كافة المحاصيل والفاكهة والطيور والحيوانات إذ طلب ذات مرة هو أن يرسل إليه فى الإسكندرية 60 دجاجة أو 50 أوزة كبيرة من فيلادلفيا كذلك كان يربى فيها النحل بكثرة، كذلك عرفنا من أخلاقه عبر خطاباته التى كان يرسلها إلى وكيله زينون وهى ما زادت عن الخمسين خطابًا أنه كان رجلًا كفؤًا نشيطًا قليل الكلام حاسم الرأى يلم بدقائق عمله حازمًا مع مرءوسيه وشديدًا مع المقصرين منهم كذلك تدلنا الوثائق على مظهر آخر من خلق هذا الرجل فقد كان تقيًا ورعًا حيث كان يحتفل بأعياد إيزيس ويقيم المعابد لها ولسيرابيس وغيرهما من الآلهة فى فيلادلفيا وقد خصص جانباً من ضعيته لبعض الآلهة.

حياة زينون

 من هذا كله يتضح لنا أن زينون كان رجلًا على أهمية كبيرة فى عصره وأنه صاحب منصب كبير مليء بالمسئوليات والواجبات الجسام وارتبط تاريخه بفيلادلفيا على وجه الخصوص إذ كانت ضعيته الأثيره لديه من أكثر اهتماماته الأساسية ولعل لهذا السبب اختارها الملك "بطلميوس" الثانى لتكون مقراً لقصره وإقامته المؤقتة فى الفيوم ولعل هذا هو السبب فى اهتمام "أبوللونيوس" بها وكان لابد من الإشارة إلي حياة "زينون" ونشاطه حتى تكتمل لنا الصورة عن هذه القرية إذ أن الحديث عن زينون هو مكملًا للحديث عن "ابوللونيوس" لأنه كان يشغل منصب وكيل أعماله الرسمى وندين لزينون بالوثائق الكثيرة والتى عنى بحفظها فى سجلاته وكشف عنها فى فيلادلفيا إذ أنها تمدنا بقدر كبير من معلوماتنا عن الحياة فى مصر على عهد "بطلميوس" الثانى بوجه خاص وقد ولد زينون فى "قاونوس" على شاطئ "قاريا"، وهى التى استولى عليها "بطلميوس" الثانى حوالى 280 ق.م وكان أبوه يدعى "أجريفون" ويتضح من إحدى الوثائق أن "أجريفون" وبعض أبنائه الآخرين كانوا يعيشون فى "قاونوس" فى العام الثامن والعشرين من عهد "فيلادلفوس". وفى عام 256 ق.م أصبح زينون وكيل أشغال أبوللونيوس فى فيلادلفيا ومدير ضيعته هناك ولحسن الحظ أنه حمل معه إلى مقر عمله الجديد الوثائق التى جمعها فى الأربع سنوات الماضية فى تنقله عبر البلاد المصرية وكان يدير هذه الضيعة قبل "زينون" شخص يدعى "بانا قستور" إلا أن إهمال هذا الرجل جعل "أبوللونيوس" يؤنبه على إهماله فى هذه الضيعة التى كانت أهميتها تتضاعف يوماً بعد يوم، ورأى "أبوللونيوس" تعيين وكيل أكثر خبرة وكفاية ولم يكن أمامه سوى زينون تابعه الأمين.

          وكان "زينون" يقيم فى فيلادلفيا بالقرب من القرية التى تعرف اليوم باسم "كوم الخرابة" أو "خرابة جرزة" فى الشمال الشرقى من الفيوم إلا أنه كذلك كان يشرف على ضيعة "أبوللونيوس" فى منف، وكان قد وضع تخطيط فيلادلفيا قبل مجيء "زينون" إليها بوقت طويل على النمط الشبكى الذى اتبع فى تخطيط الإسكندرية إلا أنها قد بقيت مساحة كبيرة منها فضاء، ويستخلص من خطابات "أبوللونيوس" أنه كان معنياً بمظهر بلدته، وكانت توجد فى فيلادلفيا معابد كثيرة تمثل مزيجًا من المذاهب المصرية والإغريقية، وكان من بينها معبد "أرسينوى" الذى خصص لعبادة هذه الملكة المؤلهة، وكذلك كان الجنود الذين منحوا إقطاعات بالقرب من فيلادلفيا يشغلون جانبًا من هذه البلدة.

          وترتب على إسناد المهام الكثيرة إلى زينون أنه كان يتمتع بسلطة كبيرة وتحمل مسئوليات خطيرة مثل حفظ الأمن وتصريف العدالة وأنه كان يدفع المرتبات لرجال الشرطة فى فيلادلفيا بنفسه.

          ومن الوثائق التى ترجع لعهد بطلميوس الثالث نرى فيها أن زينون لم يعد وكيل أعمال "ابوللونيوس" بل كان فقط نزيلاً أجنبياً فى فيلادلفيا وبعد اختفاء سيده "أبوللونيوس" من الحياة العامة ومصادرة أملاكه لم يكن "زينون" فقيراً بل رجلاً له ممتلكاته وتربطه بفيلادلفيا علاقات شخصية ومصالح مادية فلقد عرفنا أنه ترتب على عزل "أبوللونيوس" ووفاته حرمان زينون من مركزه لكن ثروته الخاصة لم تتأثر بذلك فقد استمر يعيش ويثرى فى فيلادلفيا حتى العام العاشر على الأقل من عهد "يورجتيس" ولا نعرف إذا كان قد ترك ذرية من بعده وكان هناك موظف يدعى "زينون" يعمل فى فيلادلفيا بعد ذلك بحوالى جيلين ربما كان يمت إليه بصلة. ويستخلص إبراهيم نصحى من وثائق "زينون" شيئاً عن صفات زينون فكما كان سيده "أبوللونيوس" ليس هين الجانب ولا لين العريكة لذا كان من المحتم على زينون أن يكون على جانب كبير من اليقظة والذكاء ليكون سكرتيره الخاص، ولم يكن أحد ليملأ هذه الوظيفة فى فيلادلفيا سوى رجل أعمال ممتاز مثل "زينون" وتمتاز هذه الخطابات بروح عملية بعيدة عن المجاملة والتنميق كما أنه كان رجلاً يشجع النشء ويدربهم على تعلم الألعاب الرياضية والآداب والموسيقى للاستعداد عند المباريات العامة مما يكشف عن أنه كان رجل عميق الثقافة محب لها ولم يعرف عنه أنه كان رجلاُ لاهياً أو فاحشاً وأنه كان كثير الحضور للمباريات العامة والحفلات الدينية.

 

اللغة العربية في المخطوطات القبطية

كتبت-  هاجر سعد الدين مصطفى

ماجستير في اللغة القبطية- كلية الآثار جامعة الفيوم

كان فتح العرب لمصر في القرن السابع الميلادي هو نقطة البداية للتطورات الثقافية واللُّغوية التي أدت إلى استخدام اللُّغة العربية بين المصريين حيث دخلت الكثير من المصطلحات والكلمات العربية المرتبطة بالإدارة والجيش والألقاب السياسية في النصوص القبطية، لكن في نهاية المطاف بدأ يقل استخدام القبطية من الحياة العامة وانحصرت في الاستخدام الديني، ولا تزال التفاصيل الإجتماعية واللُّغوية لهذه العملية موضع نقاش.

وقد مرت القبطية بعدة مراحل:

مرحلة الابتكار: وهي المرحلة التي تبناها المصريون القدماء، وهي فكرة كتابة اللغة المصرية بحروف يونانية، وقد بدأت قبل المسيحية بقرون.

مرحلة التكوين:  وهي المرحلة التالية لمرحلة القبطية القديمة، وقد ربطوا الدين الجديد بخط جديد؛ لكي يُبعدوا الناس عن الوثنية. وهم الذين ينسب لهم الفضل في وضع القواعد العامة والأسس لهذه الكتابة.

 مرحلة الازدهار: أصبح للقبطية قواعد متعارف عليها، وأصبحت هي الوسيلة الأولى للتعامل بين المصريين في معاملاتهم اليومية، وقد امتدت هذه المرحلة من نهاية القرن السادس حتى القرن التاسع الميلاديَّين.

مرحلة النهاية : وهي المرحلة التي انتشرت فيها العربية بين المصريين، ولم تعد القبطية هي لغة التعامل والمراسلات، وقد بدأت هذه المرحلة مع نهاية القرن العاشر الميلادي

التأثيرات العربية في القبطية:

بعد الفتح الإسلامى لمصر  641 / 642م ، بدأت مرحلة التعريب في مصر، خاصة بعد قرار تعريب الدواوين الذي أصدره عبد الله بن عبد الملك بن مروان في عام 706 م؛ حيث بدأت تحل اللغة العربية محل اللغة اليونانية والقبطية في معظم الأغراض العملية. وإن استمرت القبطية واليونانية مع العربية لبعض الوقت، والدليل على ذلك أن أرشيف قرة بن شريك والي مصر   (709 – 714م) أن يضم وثائق ومراسلات باللغات العربية والقبطية واليونانية.  فقد دخلت كثير من المصطلحات والكلمات العربية المرتبطة بالإدارة والجيش والألقاب السياسية في النصوص اليونانية والقبطية، والعكس بالعكس،  وبمرور الوقت كثرت الكلمات العربية في المجال العام.  وفي نهاية المطاف بدأ يقل استخدام القبطية من الحياة العامة، وانحصرت في الاستخدام الديني.

كتابة قبطية – عربية، تمثل القبطية المتأخرة

المصادر التاريخية التي توضح استخدام اللغة العربية في النصوص القبطية:

نُشرت أجزاء من مخطوطة كبيرة تعود إلى القرن الثالث عشر باللغة العربية ، ولكنها تحمل علامات قبطية. على الرغم من ان التهجئة القبطية للكلمات العربية مستندة على النظام الصوتي للقبطية البحيرية، إلا أنها قورنت مع تهجئة الكلمات المستعارة من اللهجات الفيومية والصعيدية.

شُهدت نفس الظاهرة من النصوص العربية التي كُتبت بالحروف القبطية، وذلك باستخدام الأحرف العربية لنسخ نص قبطى (بحيرى) -  فى مخطوطة ترانيم لتكريم السيدة العذراء .

تطلبت اللباقة اللغوية لهذا العدد الهائل من النصوص القبطية (شبه) الأدبية قمع الابتكارات الصوتية والنحوية، حتى لا يحدث الاستعارة من اللغة العربية فيهم على الإطلاق. لا يوجد سوى استثناءات قليلة لهذه القاعدة، مثل: تعويذة سحرية تستدعي (روح الله)، ونصوص لسير القديسين في القرن الثالث عشر، وكولوفون (بيانات فى نهاية المخطوطة ذات علاقة بالنسخ أو النشر) ترجع إلى القرن الثالث عشر.

تناول كل من Worrell 1934: 122-133  في دراسته الصوتية للقبطية وVycichl1991  في مقالته المختصرة عن المفردات القبطية – العربية التي وُجدت في نصين قبطيين فقط. بينما في الوقت الحاضر، نحن نعرف أكثر من 90 نصًا قبطيًا منشورًا وبعض النصوص غير المنشورة التي تحتوي على كلمات مستعارة عربية. تنتمي هذه النصوص إلى نوعين:

  • نصوص علمية ، 18 مخطوطة من القرن التاسع إلى الحادي عشر ، من بينها أربع دراسات كيميائية كبيرة، ودليل يقدم مشكلات العمليات الحسابية وما يختص بالموازين والمكاييل والمقاييس، وبعض الإيصالات السحرية و الطبية.
  • حوالي 80  نصًا وثائقيًا من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر ، بما في ذلك الوثائق القانونية، ورسائل، وقوائم،  وحسابات،  ولا سيما كتاب حسابات كبير من القرن الحادي عشر يسجل إيرادات ونفقات دير من مصر الوسطى.

تتألف هذه النصوص من حوالي 400 كلمة عربية ، والتي تسمى هنا (الكلمات المستعارة)، ولكن هذا الدليل غير مؤكد، ولكنه يعتمد على مزيد من الدراسة اللغوية للنصوص القبطية.

تأتي جميع النصوص القبطية للكلمات العربية تقريبًا في النصوص القبطية مكتوبة بقواعد املاء وتهجئة غير رسمية نسبيًا، وهي أقرب إلى اللغة العامية.

نحو الكلمات العربية في القبطية:

الأسماء:

إن استخدام الأسماء العربية دون الأداة (الـ ) أقل بكثير مما هو موثق. ونجد ذلك في مخطوطة طبية ، وغالبًا ما يحدث ذلك في حالات مبكرة من الاستعارة ، كما يمكن أن يظهر في كلمة البارة (الإيصال) التي يتم كتابتها بدون (الـ) في عدد من وثائق القرن الثامن، بينما في الوثائق اللاحقة (القرن التاسع والعاشر) ، يتم كتابتها دائمًا على اسم "البارة".

 في معظم الحالات ، يتطابق اختيار الأداة القبطية مع الجنس النحوي الخاص بهذا الاسم العربي. لا يوجد سوى عدد قليل من حالات التناقض بين جنس الاسم باللغة العربية والأداة المُستخدمة في اللغة القبطية.

الأفعال:

ليس من السهل دائمًا اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان الفعل المكتوب بالقبطية  يأتي من اللغة العربية أم لا ، فكلما زاد ثراء الصرف في الفعل العربي  مع تجزئتها إلى جذور الفعل،والتصريفات ، والمصدر، يمكن من خلال ذلك تحديد الهوية.

يبدو أن التراكيب الفعلية العربية أُستخدمت في اللغة القبطية أحيانًا بأشكالها في المصدر ، على الرغم من أن صعوبة تحديد سمات الحروف المتحركة تترك  شئ من عدم اليقين بهذه الفرضية.

وثيقتين حسابيتين من الفيوم في العصر الفاطمي كنموذج تطبيقي:

توجد الوثيقتان في مجموعة مكتبة جامعة  ستراسبورج. نريد من خلالها وصف ما يكشفونه عن التفاعل بين القبطية والعربية

 تحمل الوثائق رقم 67 و 68. النص الأول هو حساب ، والثاني قائمة ، وكلاهما مكتوب على الورق.

 تسجل عددًا من المدفوعات التي تتم بواسطة أو إلى عدد كبير من الأفراد: أكثر من 200 في الوثيقة الأولى وحوالي 60 في الثانية. وهي مكتوبة بنفس اليد

على أساس ملامح اللهجات، يمكن التأكيد على أنها تأتي من الفيوم.

نجد في كلا النصين  عدد كبير من الكلمات العربية المستعارة ، والأفراد المذكورين في الغالب يحملون أسماء المسلمين. علاوة على ذلك ، فإن الإبداع العظيم الذي توفره هذه النصوص هي التحول الفعلي بين اللغة القبطية والعربية ، وهي ظاهرة لم تشهدها من قبل في النصوص الوثائقية.

 النصان مكتوبان بالصيغة القبطية ، لكنهما يستعملان اللغة القبطية واللغة العربية.

النصان جزء من مجموعة الوثائق القبطية المتأخرة التي تعد ذات قيمة خاصة لفهم الانحدار الطويل لهذه اللغة وتفاعلاتها العديدة مع العربية قبل أن تختفي تمامًا من الوثائق في النصف الثاني من القرن 11 م.

  1. P. Stras. Inv. Kopt. 333Br.

يشير النص الأول – الحساب-  إلى ممارسة مالية غير موثقة بشكل جيد - مما يثير التساؤلات حول طبيعة العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في مصر الفاطمية.

  1. P. Stras. Inv. Kopt. 332r.

النص الثاني عبارة عن قائمة أقصر بكثير تشير إلى عدد الأشخاص الذين يظهرون بالفعل في الحساب. عنوانه مجزأ لكن البقايا تشير إلى حساب سابق. تعتبر المدخلات في القائمة أكثر تعقيدًا وأحيانًا غامضة. أنها تعطي أسماء شخصية ولكن أيضا المنتجات (القمح والنبيذ والصوف) والكسور ، تشير بوضوح إلى المدفوعات في المال.

الأسماء العربية :

في كلا النصين ، يتم تحديد نصف الأشخاص المذكورين بطريقة متقنة ، مع أسمائهم وعائليتهم أو نعوتهم (المهن أو غيرها من المُعرفات). يتم التعرف على حوالي 25 ٪ فقط من خلال الاسم الأول (أو الكنية، النسب ، الخ). ولا يُعرف عدد قليل منهم إلا بمهنتهم .

الكلمات العربية المستعارة في القبطية:

بالإضافة إلى المساهمة في معرفتنا للإسم العربي. يذكر هذان النصان أيضًا عددًا كبيرًا من الكلمات المستعارة باللغة العربية في اللغة القبطية. إجمالاً ، توجد حوالي 40 كلمة مستعارة عربية ، وعدد كبير منها لم يسبق أن شوهد في وثائق أخرى.التعرف على بعض الأسماء العربية صعبًا للغاية.

الكلمات المستعارة العربية في اللغة القبطية نوعين: جاؤوا للدلالة على حقيقة عدم وجود ما يماثلها مباشرة في القبطية  (مثل النزل) ، أو تحل محل ما يعادله في القبطية (مثل جمعة). يحتوي النصين على كلمات مستعارة ذات صلة بصلات الشخص الاجتماعية والعائلية أو المهنية، حيث يشهد عدد كبير من أسماء المهن والنعوت هنا على أنها كلمات مستعارة لأول مرة.

التناوب بين لغتين أو أكثر:

بالإضافة إلى الكلمات المستعارة العربية والأسماء الشخصية العديدة جدا في هذين النصين ، فإن تناوب المفردات القبطية والعربية للتعبير عن المصطلحات نفسها يشير إلى قدرة الكاتب على استخدام تلك اللغات المختلفة ، كما نجد أيضًا كيفية تسجيل الروابط العائلية. في النص الأول خاصة ، يتم التعبير عنها إما بالقبطية (14 مرة) أو بالعربية مكتوبة بالحروف القبطية (9 مرات). عندما تكون مكتوبة باللغة العربية ، فهي ليست فقط بكلمات مستعارة ، بل يتم نسخ النص الكامل من العربية إلى الأحرف القبطية.

الخاتمة والنتائج:

هناك عددًا كبيرًا من المصطلحات المستعارة العربية في النصوص القبطية  في الابحاث العلمية المكتوبة بالقبطية، حيث نجد اسماء الكواكب مثل: الزهرة ، والأبراج: مثل السرطان، والنباتات مثل: الكافور، التوابل مثل الفلفل، والفلزات مثل: الزئبق،  والكيماويات مثل الكبريت،  والأمراض مثل النقرس، والمصطلحات الحسابية مثل الكسور.

على الرغم من أن إجمالي عدد الكلمات العربية المستعارة  في القبطية منخفض إلى حد ما ، إلا أن هناك تراكمًا واضحًا للكلمات العربية في مجالي العلوم والاقتصاد. قد تشير النقطة الأولى إلى تقدير عالٍ للعلوم الطبيعية العربية، التي تأسست في الأوساط المتعلمة في المجتمع المسيحي المصري ، كنظير شرقي لاستقبال العلوم العربية المعروف في إسبانيا في العصور الوسطى. قد يشير الأخير إلى معاملات تجارية واسعة الانتشار بين الناطقين باللغة العربية والقبطية، لكن هذا الاستنتاج اللغوي الاجتماعي لا يزال في حاجة إلى دراسة.

منذ القرن التاسع ، نواجه أيضًا نصوصًا ثنائية اللغة حقًا. في القرن الماضي للوثائق القبطية  (القرنين العاشر والحادي عشر) ، تظهر أشكال مختلفة من الاتصالات بين القبطية والعربية أكثر من مجرد ثنائية اللغة. تُظهر الوثيقتان اللتان تم عرضهما هنا مدى ضآلة الحدود بين اللغتين في وثائق بالخط القبطي من تلك الفترة.

وبخلاف هذين النصين ، يبدو أن الخطوة التالية في استبدال اللغة القبطية بالعربية هي كتابة نص عربي بالكامل بالأحرف القبطية ، وهي ظاهرة غير معروفة حتى الآن للنصوص الوثائقية ولكنها شائعة في النصوص الأدبية. الخيار الآخر هو أن يقوم الكاتب القبطي بتعلم الحروف الأبجدية العربية والكتابة مباشرة بهذه اللغة ، حيث يبدو أن هذا هو الشيء الوحيد المفقود بالنسبة للناسخ هنا ، والذي هو على دراية باللغة.

إن النصّين هما خطوة غير مسبوقة في دراسة التعريب الداخلي للغة القبطية ، وكذلك  تعريب ممارسات التسمية والمحاسبة. وهي توضح الممارسات اللغوية المتميزة في الفيوم الفاطمية ، حيث يبدو أن وثائق قبطي- عربي كتبت في نفس الوقت مع الوثائق اليهودية العربية الموجودة في القاهرة Geniza.

أصبح المجتمع المصري متعدد االثقافات واللغات المصرية، واليونانية، والعربية،  خاصة من نهاية القرن السابع حتى أوائل القرن التاسع. وهذا يدل بوضوح على قدرة المجتمع واللغة المصرية على قبول المتغيرات والتطور بحسب مقتضيات الأمور، ويثبت بما لا يدع مجالاً للشك حيوية اللغة المصرية القديمة عبر عصورها المختلفة.

من نحن

  • مجلة كاسل الحضارة والتراث معنية بالآثار والحضارة وعلوم الآثار والسياحة على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ونشر الأبحاث المتخصصة الأكاديمية فى المجالات السابقة
  • 00201004734646 / 0020236868399
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.